عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تصاعدت خلال الأسابيع الماضية وتيرة العنف في إقليم دارفور السوداني بصورة مقلقة، حتى بمقاييس الأوضاع المتدهورة أصلاً هناك. فقد تفجرت نزاعات متداخلة تمثلت في تعرض أربع مدن على الأقل في ولاية شمال دارفور لاجتياحات من قبل حركات مسلحة، ووقوع اشتباكات قبلية في مناطق أخرى. ويقدر عدد المواطنين الذين هجروا بسبب الصراعات بعشرات الآلاف، بينما تضع بعض التقديرات المهجرين بأكثر من مائتي ألف. وفي نفس الوقت تواجه الحكومة ما يشبه التمرد الفعلي من قبل قيادي "الجنجويد"، زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال، الذي تحصن في مناطق نفوذ قبيلته مطالباً بإبعاد والي شمال دارفور، محمد يوسف كبر، غريمه ومنافسه في السلطة في الولاية.

وقد انتقل العنف إلى قلب العاصمة السودانية حين حاولت قوات الشرطة فض تجمع طلابي في جامعة الخرطوم ناقش تصاعد العنف في دارفور ويحتج عليه. وقد أدت الصدامات التي احتدمت بين الشرطة وطلاب في حرم الجامعة إلى مقتل طالب وجرح آخرين. وقد أعقب ذلك تفجر اضطرابات في العاصمة لا علاقة لها مباشرة بهذا الحادث، منها مظاهرات في شمال العاصمة واعتصام في مطار الخرطوم لموظفين يحتجون على الاستغناء عنهم.

كل هذه الاضطرابات وقعت خلال شهر واحد، ونتجت عنها كوارث إنسانية مدمرة، تضاف إلى كوارث أخرى تعرضت لها دارفور خلال العامين الماضيين، وراح ضحيتها مئات القتلى ومئات الآلاف من المهجرين. وقد كانت معظم تلك الاضطرابات نتيجة صراعات قبلية ذات طابع عبثي، ولكنها تعكس تدهور الأوضاع وضياع سلطة الدولة، بحيث أصبحت القبائل والفئات الاجتماعية الأخرى تتصرف بما يشبه الاستقلال الكامل عن مؤسساتها. وفي الشهر الماضي، اضطر والي شمال كردفان إلى مطالبة ميليشيات موالية للحكومة بمغادرة الإقليم بعد تعدد تجاوزاتها التي شملت النهب والقتل وكبائر أخرى.

نحن إذن أمام حالة أصبحت فيها الدولة عاجزة عن أداء مهامها في كثير من أنحاء البلاد. وفوق ذلك فإن معالجة الحكومة لهذه الأزمات زادتها سوءاً، كما نشهد اليوم من تمرد وتفلت الميليشات التي اصطعنتها الحكومة للتعويض عن عجز القوات النظامية في مواجهة التمرد. فقد ساهم منهج التصدي للتمرد في تعميق الأزمة أولاً ثم خلق مشاكل وأزمات جديدة ثانياً.

وقد انهالت الإدانات على النظام من كل حدب وصوب بسبب هذه الممارسات، وهي إدانات مستحقة، شملت إصدار تهم من المحكمة الجنائية الدولية في حق عدد من كبار المسؤولين. هذه تهم لا تغطي في نظري كل ما ارتكب من تجاوزات تتكاثر يومياً، كما أنها لا ترقى إلى المطلب الشرعي بالقصاص العادل من مرتكبي هذه الكبائر. ولا بد من التذكير هنا بأن مناط التهم، كما هو الحال في سوريا وغيرها، ليس التصدي للتمرد المسلح بالقوة، لأن هذا حق مكفول للدولة بحسب القوانين والأعراف الدولية، ولكن التعرض للأبرياء من المدنيين ممن لا علاقة مباشرة لهم بالحركات المسلحة.

ولكن لعل التركيز على نقائص ومثالب الحكومة، وهي مسألة لا خلاف عليها، قد شغل الناس عن الأمر الأهم، وهو الحالة الانتحارية التي تعيشها دارفور بسبب تفشي العنف في كل مسامات المجتمع هناك. فلا بد من الاعتراف بمشاركة قطاعات واسعة من المجتمع الدارفوري في العنف، حتى أصبح التساؤل هو عن من يتجنب العنف. وقد توسعت هذه المساهمة تحديداً بسبب تفشي النزاعات القبلية، وهو بدوره يعود إلى أن كل قبيلة، صغرت أم كبرت، أصبحت لها ميليشيا خاصة بها.

أدى هذا الأمر إلى تواتر تحول أقل النزاعات شأناً، مثل التحرش بفتاة أو التنازع على سلعة، إلى حروب قبلية. وهكذا تفشت ثقافة العنف في المجتمع الدارفوري مثل السرطان، فلم يكد يسلم منها جزء من ذلك الجسم العليل. وما لم تتم معالجة هذا الداء العضال، والتصدي لثقافة العنف والقتل، فإن أي "حلول" مقترحة للأزمة لن تجدي شيئاً. إن ما تعرضت له دارفور من إهلاك للحرث والنسل لا يساوي شيئاً أمام ما تعرضت له من تدمير لنسيجها الاجتماعي وبنيتها الأخلاقية وإرثها في التواصل والتراحم. وهذه خسائر لا تعوضها كنوز العالم.

وتحت هذه الظروف، فإن دارفور لو أعطيت كل ثروة السودان وكل السلطة فيه –وليس فقط نصيب دارفور العادل منهما- فإن الأمر سيكون كارثة إضافية لو استمر الحال على ما هو عليه. ذلك أن ما يعانيه الإقليم من تشرذم وتمزق وتناحر بين نخبه سيجعل كل نعمة تنزل على دارفور نقمة على أهلها، بسبب التنازع القائم. فقد ولدت ثقافة العنف، وتكاثر الميليشيات القبلية، هيمنة لعقلية جديدة ونخب لا تعرف ولا تحسن سوى القتال. وهكذا تراجع دور المثقف في دارفور وتراجع معه دور الزعامات القبلية التقليدية والقيادات السياسية. وهذه لعمري كارثة الكوارث.

أذكر أنني كنت قبل فترة قصيرة في حوار مع فئات من الشباب الدارفوري سمعنا منها انتقادات لتأكيدنا المتكرر على لا جدوى العنف وآثاره السلبية المدمرة. وقد كانت حجة الشباب أن النظام لا يفهم سوى لغة العنف ولا يتقبل خطاباً غيره، وهي نقطة صحيحة للأسف. ولكن احتجاجي كان بالمقابل هو أن الأنظمة زائلة مهما طال بقاؤها، ولكن تقدم الشعوب يكون في نهاية الأمر بالعلم وتجويد العمل. ومشكلة دارفور حالياً هي أن جيلاً كاملاً من شبابها يوشك أن يضيع وتلتهمه نيران الحرب ومآسي النزوح والتشرد. وقد كانت مشكلة دارفور والعديد من أقاليم السودان تتلخص في ضعف فرص التعليم والتدريب. ولكن الحروب الأخيرة أضاعت فرصاً أكثر، وحرمت الأجيال من التعليم وحولت الشباب إلى وقود للحرب. أما المهارات التي ميزت القيادات التي تتحدث باسم دارفور حالياً فهي مهارات كسبت في ميدان القتال، وليست بذات نفع كبير في مجالات البناء.

ولعل أحد أسباب انهيار اتفاقيات دارفور المتعددة، فوق عدم جدية النظام في تطبيقها وتشرذم الساحة الدارفورية، هو أن القيادات التي تتفاوض باسم حركات دارفور، أو تلك التي تشغل المناصب باسمها، لم تكن لديها الكفاءات المناسبة. بينما يحتاج خلق وبناء الكفاءات إلى وقت طويل، ومن شروطه الاستقرار وإتاحة الفرص بالتساوي، وهو ما لم يتحقق للأسف في الآونة الأخيرة. فمستقبل دارفور، مثل مستقبل السودان، رهين بتقديم أهل العلم والدراية، ومن يحسن التفكير والتدبير، على من يحسن القتل والتدمير.

وقد نشأت الأزمة الحالية في السودان بسبب تغول الأجهزة الأمنية ومحترفي المواجهة على أهل الحكمة والسياسة، وذلك في الحركة الإسلامية أولاً ثم في حكم البلاد ثانياً. فبدعوى أن الحركة الإسلامية مهددة من قبل القوى الدولية والإقليمية أولاً والحركات العلمانية بقيادة قرنق ثانياً، تم اختطاف الحركة الإسلامية السودانية ذات الإرث الديمقراطي من قبل "الجهاز السري" (الذي سميناه "السوبر-تنظيم")، وتحويلها إلى "الجماعة الإسلامية المقاتلة"، والانقلاب باسمها على السلطة وعليها باسم السلطة. فكان الانفراد بالأمر، والدخول في حالة حرب مع الجميع، بمن في ذلك الحركة الإسلامية وأنصارها.

ولا حجة هنا لأنصار جناح الشيخ حسن الترابي في الزعم ببراءتهم من تلك الهجمة على الحركة الإسلامية والتماهي مع التنظيم السري. فقد تم حل الحركة بأمر الشيخ الترابي، ونفذت أشرس الحملات ضد المطالبين بإحياء التنظيم تحت إشرافه، وبمشاركة نشطة من أقطاب المؤتمر الشعبي الحاليين. فقد تم اقتياد الاستاذ محجوب عروة لمعتقل الأجهزة الأمنية من داخل قبة البرلمان، وهو عضو فيه، وأعطى رئيس البرلمان وقتها الأستاذ محمد الأمين خليفة الإذن بذلك (وبحسب القانون وقتها كان يجوز لرئيس البرلمان رفع الحصانة عن الأعضاء). وكانت تهمة عروة أنه شرع في جمع توقيعات تدعو لعقد مجلش شورى الجبهة الإسلامية المحلول. وبنفس الطريقة تولى الشيخ ابراهيم السنوسي كيل الشتائم لمجموعة من القيادات الإسلامية في اجتماع دعت له نخبة منهم في منزل الاستاذ عبدالله بدري رحمه الله، وبحضو الشيخ الترابي الذي دعته المجموعة للاعتراض على حل وتغييب التنظيم في وقت كانت الدولة تحكم فيه باسمه وهو غير موجود أصلاً.

والشاهد أن العنف في دارفور (وبقية أنحاء السودان) هو من باب التداوي بالتي كانت هي الداء، لأنه يستنسخ هذه التجربة بصور مصغرة متكررة. وكانت البداية في الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت وبالاً على أنصارها قبل غيرهم. فقد بدأت أمرها بشن الحرب على من سبقوها في التمرد مثل حركة أنيانيا 2 بدعوى أنها حركة انفصالية (كأن الحركة هي التي حققت الوحدة اليوم!)، ثم تعاونت مع المخابرات الاثيوبية في اعتقال وإعدام العشرات من قيادات الحركة بسبب آرائهم المستقلة، وذلك قبل أن يندلع الاقتتال الداخلي بعد انشقاق عام 1991 الذي كان أساسه الاحتجاج على الانفراد بالرأي وتغول المخابرات الاثيوبية على أجهزة قرار الحركة. وفي أثناء ذلك وقبله، ساهمت الحركة في قتل أكثر من ربع مليون جنوبي بسبب رفضها السماح بمرور الإغاثة أثناء مجاعة 1988، وشنت حملات ضارية بمشاركة الجيش اليوغندي من أجل إخضاع إقليم الاستوائية والقضاء على ميليشياته. وها نحن نرى اليوم محنة أهل الجنوب من عاقبة تلك الأمور. فقد مات وتشرد الملايين، ولكن الحال في الجنوب من حيث الحريات ليس بأفضل مما كان عليه في عام 1983.

نفس الشيء يمكن أن يقال عن دارفور وميليشياتها وضحاياها. فقد تسببت عمليات الشهر الحالي وحدها في تشريد أكثر من مائة ألف شخص. وعندما تنتهي كل هذه الدراما، سيعود من بقي على قيد الحياة إلى وضع أسوأ مما كان عليه الحال المتدهور أصلاً، وقد نحتاج إلى أجيال لإعادة دارفور إلى ما كان عليه الحال عام 2003، فضلاً عن تطويرها وتقدمها.

والعبرة من كل هذا هو الحاجة إلى حركات سودانية قومية سلمية تتضافر على نبذ العنف، وتتوافق على أن يكون في البلاد جيش قومي واحد، يخضع للسلطات المنتخبة، ولا يسمح لأي جهة أخرى بحمل السلاح. يجب كذلك أن تنتهي إلى الأبد فكرة أن الصراعات القبلية تحل بالتفاوض، بل يجب أن تكون الدولة ممثلة في القضاء المستقل، هي الجهة التي تحدد من هو المعتدي في أي نزاع، وتوقع عليه العقوبات المناسبة. فمرتكب جريمة القتل تحت لواء القبيلة هو عند الله قاتل مجرم وكذلك أمام القانون، ولا ينبغي التفاض معه، بل تطبيق القانون عليه.

بجملة واحدة: لا يمكن أن يتقدم السودان بتولية أمره لمحترفي العنف من كل ملة، ولا بد من أن يؤول الأمر إلى أهله ممثلين في أهل الرأي والحكمة، وأن يكون العنف خاضعاً للشرع والعقل، وليس العكس.