ثارت ضجة كبيرة في منتصف الثمانينات داخل مجلة "أرابيا" الشهرية التي كنت أتولى إدارة تحريرها، وذلك عندما نشر الزميل جاويد أنصاري، المحرر الاقتصادي، استطلاعاً مطولاً عن بلده الأصلي باكستان تناول فيه ما وصفه ب "الفساد الإسلامي". فقد ثارت ثائرة الناشرين وعدد من الزملاء، قبل أن تصل انتقادات نظام ضياء الحق وأنصاره، بسبب ما وصف بأنه مبالغة في نقد الأوضاع في باكستان، وقبل ذلك بإلصاق صفة "الإسلامي" بالفساد. ولم يكن د. أنصاري، وهو عالم اقتصاد ضليع كان يدرس الاقتصاد في جامعة لندن ويعمل مستشاراً في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، من خصوم الإسلاميين. بل إنه كان يدعي الانتماء للجماعة الإسلامية في باكستان، رغم أن الجماعة كانت تتبرأ منه بسبب مواقفه الراديكالية. وقد فجر معي ذات مرة معركة في غير معترك لأنني انتقدت الحركات الإسلامية ومن ضمنها الجماعة الإسلامية. وكان قد كتب مقاله ذاك بعد زيارة قصيرة إلى باكستان، ضمنها مشاهداته وملاحظاته، وكان من ضمنها أن الفساد في باكستان ضياء الحق أصبح يتنكر بلبوس "إسلامي".

تذكرت ذلك السجال بإزاء التطورات الأخيرة التي تشهدها الساحة السياسة السودانية، وخاصة التقارب بين أجنحة ما كان يسمى بالحركة الإسلامية، خاصة المؤتمر الوطني الحاكم والمؤتمر الشعبي المعارض الذي انشق عنه عام 2000. فهذا التقارب يذكرنا من جديد بأن هناك "مشكلة إسلامية" في السودان، الذي لم يشهد فقط "الفساد الإسلامي"، بل كذلك الاستبداد "الإسلامي"، وحتى النهب والقتل الجماعي، بل وارتكاب الفواحش، باسم الإسلام وتحت رايته. وقد بلغ الأمر أن القيادي الإسلامي الراحل، ياسين عمر الإمام، رحمه الله وأحسن إليه، قال مرة إنه أصبح يخجل من دعوة أي شخص للانتماء للحركة الإسلامية، بما في ذلك أحفاده، بسبب ما لحق بصورتها من تشويه. وقد سمعنا للأسف روايات متواترة عن ارتداد كثير من الناس عن الإسلام في بعض بقاع السودان النائية، وقد يكون مثل ذلك وقع في الحواضر ونحن عنه غافلون.

وحقيقة لو لا أن هذا الدين مؤيد من السماء، لكان حرياً بأن يندثر وينقرض في بلاد السودان بسبب ما وقع من صد عن سبيل الله عبر ممارسات تسيء إلى الدين الحنيف، وترفع شعاراته لارتكاب الظلم والكبائر تحت هذه المظلة، وكفي به إثماً مبيناً. فارتكاب المحرمات والآثام العظيمة من الكبائر عند الله تعالى، وهو مع ذلك غفور رحيم لمن تاب وآمن ثم اهتدى. ولكن ارتكاب هذه الجرائم باسم الدين أمر آخر، لأنها افتراء على الله، وكذب في حضرته، وتشويه وإساءة للدين الحنيف.

وأذكر أننا كنا خلال بضع سنوات مضت نناقش في لجنة شبه رسمية قضايا الإسلام والمسلمين في بريطانيا، ومتطلبات توطين الإسلام في هذه البلاد. وفي إحدى الجلسات، خاطب المجموعة شخص يدعو لتبرير الفواحش وشرعنتها، ويستشهد في ذلك بآيات قرآنية ونصوص يزعم أنها تؤيد ما يقول. فقلت لصاحبنا: يا هذا، إن الله غفور بر رحيم، يغفر الذنوب جميعاً لطلاب المغفرة، بما فيها الفواحش والكبائر التي تحدثت عنها. ولكن ما لا يمكن القبول به او السكوت عليه هو الافتراء على الله تعالى، وتحريف الدين، لأن الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، لا يأمر بالفواحش ولا يرضاها.

وبنفس القدر، يمكن أن يقال أن الاستبداد والفساد، وأكل أموال الناس بالباطل، وسفك الدماء بغير حق، بل والتعدي على الأعراض، كلها من الكبائر والعظائم التي تورد صاحبها موارد التهلكة. أما الافتراء على الله تعالى بالزعم بأنه يرضى مثل هذه الأمور، بل يأمر بها، فهو في مقام آخر. وقد جاء في صحيح التنزيل قوله تعالى: " وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ". وقد فسره ابن كثير بقوله: " ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلاً: أي خديعة ومكراً لئلا تزل قدم { بعد ثبوتها} مثلٌ لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة، المشتملة على الصد عن سبيل اللّه، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فيصد بسببه عن الدخول في الإسلام".

فكل ممارسة تتلبس لبوس الدين وتسيء إليه، هي صد عن سبيل الله، وياله من إثم عظيم!

من هنا فإن التقارب بين "الإسلاميين" (إن صحت التسمية بعد كل ما قلنا أعلاه)، لا ينبغي أن يكون على نفس الأسس التي كان عليها شملهم مجتمعاً من قبل، وإنما على أساس التبرؤ من تلك الممارسات والتوبة عنها والبحث الجاد في سبل التكفير عن تلك الآثام، ورد المظالم إلى أهلها.

إن التقارب بين كل طوائف المجتمع السوداني مطلوب ولا بديل عنه. ولكن التقارب ليس مطلوباً لذاته، وإنما يجب أن يكون التعاون على البر والتقوى، كما أمر الله تعالى، وليس على الإثم والعدوان. وفي حقيقة الأمر، فإنه لم يكن هناك أي مبرر معقول لما وقع من خلاف وقطيعة، لأن الطرفين لم يختلفا في كبير أمور، وإنما كان الخلاف حول الزعامة والمناصب والمواقع. ولا نحتاج هنا إلى تكرار ما رددناه مراراً من قبل من أن كلا طرفي هذا النزاع كان على خطأ، وأهم من ذلك، كلاهما استمر على الخطأ. ذلك أن أي من الطرفين لم يخاطب لب المسألة، بل ظل يتهم الطرف الآمر بأنه كان المسؤول عن الممارسات الخاطئة، ويبرئ نفسه من كل ذلك، وينسب الإيجابيات (إن وجدت) إلى نفسه.

وتزداد المسألة تعقيداً لأن النظام الحالي لم يعلن في مبتدأ أمره بصراحة برامجه السياسية ومنطلقاته الفكرية، بخلاف كل الحركات المماثلة في أي مكان آخر، كما حدث مع الثورة الإسلامية في إيران ونظرية ولاية الفقيه. فالثورات الشيوعية مثلت طرحت رؤاها الماركسية كما فعل لينين أو ماو أو تيتو، كل حسب اجتهاده. وكذلك فعل البعثيون والناصريون، وحتى العقيد القذافي طرح نظريته الثالثة. ولا عبرة هنا بأن تلك التجارب، وكذلك تجربة نظام مايو المستنسخ منها في السودان، كانت كوارث على البلاد والعباد. الشاهد أنها المنطلقات كانت واضحة، مما أتاح كذلك نقدها واستبدالها، كما حدث عند الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في أوروبا الغربية ومراجعاتها.

أما في الحالة السودانية، فإن نظام الإنقاذ بدأ بإنكار هويته الإسلامية، وكان الشيخ الترابي وعلى عثمان وغيرهم يديرون الأمور من وراء ستار، وينكرون في العلن كل صلة لهم بها. وحتى عندما بدأوا المجاهرة على استحياء، كانوا (وما يزالون) يستخدمون النهج الذي وصفه الرئيس البشير عقب انفصال الجنوب ب "الدغمسة"، أي التلبيس وعدم الوضوح. فكان الحديث عن "المشروع الحضاري" (عوضاً عن "الإسلامي")، وتسمية "المؤتمر الوطني" أو "المؤتمر الشعبي"، بدون إشارة إلى الإسلام. أما البرنامج الحقيقي ونظريات "التمكين" وغيرها فكانت تتداول في الغرب المغلقة وفي أوساط محدودة، ممثلة في دوائر "السوبر-تنظيم" وملحقاته الأمنية وشبه العسكرية.

من هنا فإن حل "المشكلة الإسلامية" يجب أن يبدأ بصورة عكسية، كما أسلفنا في مداخلة سابقة. فالبداية لا يمكن أن تكون بالتبرؤ من الممارسات السابقة، بل توضيح ماهية ومنطلقات تلك الممارسات. أي أن المطلوب أن يسمع الناس بوضوح، ومن جديد، التبشير بالمشروع الحضاري، وما هي صفة ذلك المشروع، وما ذا كانت منطلقاته النظرية، وكيف بررت تلك المنطلقات ما وقع من ممارسات. فلا يمكن الثقة بتحول حقيقي في المواقف ما لم يتم نقد ومراجعة المنطلقات النظرية والأخلاقية للممارسات السابقة، كما لا يمكن نقد تلك المنطلقات ما لم يتم بيانها.

وكنا قد قمنا بمحاولة محدودة في كتاب "الثورة والإصلاح السياسي في السودان" إخراج بعض المسكوت عنه إلى العلن من أجل فتح حوار حول القضايا الحقيقية. ولكن تلك المحاولة كانت بطبيعتها محدودة، بسبب ما لقيته من مقاومة مسبقة وهجوم لاحق أولاً، ولكن قبل ذلك وبعده لأننا لم نكن نمتلك كل المعلومات. وينبغي اليوم على من كانت لديهم كل المعلومات أو القدر الأكبر منها، أن يقدموا تفسيراتهم لما وقع وتبرير ذلك قبل المضي إلى المرحلة القادمة، وهي المراجعة.

خلاصة الأمر أن هناك عبء ثقيل يتحمله المنتسبون للتيارات الإسلامية المختلفة في السودان، لأن ممارسات خاطئة كثيرة وقعت وما تزال تقع باسم الإسلام، ولم ينكرها إلا قلة، بينما تورط فيها الأكثرون إما مشاركة وإما تأييداً وإما سكوتاً. وهذا هو لب "المشكلة الإسلامية" كما نراها، لأنها تتعدى الأزمة السياسية في السودان إلى بعد آخر. فالأزمة السودانية ستتم معالجتها عاجلاً أم آجلاً عبر انفراج وتفاهم بين القوى السياسية المختلفة. ولكن ما لحق بسمعة الإسلام والحركات الإسلامية من ضرر ربما يحتاج إلى أجيال لإزالته، ولكن البداية يجب أن تكون الآن. فهذه مسؤولية أمام الله، وهي تقع أساساً على هذا الجيل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.