(1)

خلال الأيام القليلة الماضية، شنت القاهرة هجمات قصف خاطفة في عدة اتجاهات، بدءاً باستدعاء القائم بالأعمال القطري للاحتجاج على التدخلات في الشأن المصري والمطالبة بتسليم مصريين مطلوبين، مروراً بتوجيه تهديدات لإثيوبيا ومطالبتها بوقف سد النهضة الذي قالت إنه يهدد أمن مصر المائي، وليس انتهاءً بإعلان محاكمة عملاء موساد إسرائيل (لم يتم القبض عليهم بعد لحسن حظ نتنياهو!).

(2)

تأتي كل هذه الهجمات بين يدي ترشح (وإن كان تعبير ترشح غير دقيق، لأن الشعب قد "أمره"، و"فوضه" سلفاً بذلك) المشير عبدالفتاح السيسي لرئاسة مصر. فهل نطرح إذن تساؤل عادل إمام الشهير: "هم حيحاربوا؟" أم أن الأمر هو بالعكس، أن السيسي "أمر" و "فوض" عدلي منصور بالتكشير في وجه العالمين حتى يأتي هو ويعلن السلام والصلح؟

(3)

مهما يكن، فإن الرئيسين الإخوانيين (مرسي وأوباما) يتنفسان الصعداء اليوم بلا شك لأن النظام سينشغل لبعض الوقت عن توجيه التهم لهما بالتواطؤ ضده، وستخفض حالة الطوارئ في واشنطون إلى الحالة البرتقالية، بعد أن أمنت أمريكا صواريخ مصر التلفزيونية العابرة للقارات. أما أديس أبابا والدوحة وتل أبيب، فعليها رفع الاستعدادات، وعلى كل العاملين في الجديدة وضع السترات الواقية وأكياس الرمل حول كل المقرات، تحسباً لقذائف لميس الحديدي.  أما نتيناهو فقد قامت قيامته وانتهي أمره، بينما ستصبح اثيوبيا وبقية دول حوض النيل نسياً منسياً.


(4)

هناك ما يشبه الحتمية التاريخية تنبئنا بأن ما نشهده من هيستريا شعبوية تملكت مصر هذه الأيام سيجر بلا شك حروباً خارجية مدمرة. شهدنا هذا في ألمانيا النازية وصربيا ورواندا، ونشهده حالياً في سوريا والعراق ولبنان. البداية تكون بسعار داخلي يستهدف طوائف بعينها في المجتمع، ثم يتصاعد، لأن نار الحقد والكراهية لا تكتفي بأكل نفسها، ولا تشبع أبداً حتى تلتهم كل ما حولها، أو تطفأ بصب ماء الواقعية البارد على لهيبها، ولكن في الغالب بعد فوات الأوان.


(5)

نفهم بالطبع قلق مصر من تهديد أمنها المائي، ولكن السياسات العنترية التي يلوح بها النظام المصري، مثل محاولات خنق المجتمع المصري، لن تجدي كثيراً، خاصة وأن مصر النائمة في حضن الدكتاتورية تجاهلت لوقت طويل التفاعل مع دول حوض النيل وظلت والعالم حولها يتغير بسرعة. وليس في ترهات النظام المصري الأخيرة ما ينبيء بصحوة من تلك الغيبوبة.

(6)

ما لا يفهم هو هوس النظام بقناة الجزيرة التي لا تخصص سوى واحد في الألف من المساحة يومياً للشأن المصري مقارنة بما تضخه أدوات الإعلام والحشد الأحادي المصرية الموالية وأجهزة إعلام حلفاء النظام في الخليج. فهل هذا اعتراف صريح بالفشل من قبل النظام وإعلامه في المعركة السياسية والأخلاقية، كما فشلت سياسية القمع والسياسة الخارجية؟

(7)

لا شك أن سمعة ومكانة قناة الجزيرة قد تراجعتا شيئاً ما مع الانقسامات والاستقطابات التي ضربت المجتمعات العربية. ولكن هذا لم يغير شيئاً في المعادلة التي جعلت الجزيرة دائماً في الجانب الصحيح من حركة التاريخ ومنطق الإعلام. فما يميز الجزيرة عن منافساتها، بما في ذلك الإعلام الغربي المنافس (كما في حروب العراق وأفغانستان)، هو أن الجزيرة تتفوق عبر تقديم المعلومات، بينما يريد المنافسون الانتصار عبر إخفائها. وغني عن القول إن استراتيجية النعامة التي تتبعها بعض الأنظمة والحركات السياسية لا تغني شيئاً في عهد الانفجار المعلوماتي، إلا كما أغنت سياسة التغافل التي اتبعتها مصر حول حقائق متغيرات حوض النيل، حتى أخرجت رأسها من الرمل فوجدت عالماً غير الذي كان قبل الدفن.


(8)

مهما يكن فإن الجزيرة لو اتبعت ما يريد البعض فرضه عليها لانتهت كظاهرة وأصبحت مثل مئات القنوات الأخرى التي لا يلتفت إليها أحد. أذكر أنني كنت العام الماضي في صحبة طائفة من المثقفين العرب البارزين في عاصمة عربية، وكان بعضهم، خاصة مؤيدي بعض الأنظمة الخليجية، كلما عاد من استراحة لمواصلة اجتماعاتنا، يرغي ويزبد وهو يهاجم قناة الجزيرة وتغطيتها. وفي مرة سئمت من هذا الصراخ فقلت للمتحدث: من الذي يجبرك على مشاهدة قناة الجزيرة؟ هناك قنوات أخرى كثيرة تقدم ما تشتهي من المواد، وقد توقفت شخصياً عن متابعتها منذ أشهر، ولم أشعر بأنني أفتقد شيئاً سوى ارتفاع ضغط الدم. ولكنك لا تستطيع ولا غيرك الاستغناء عن مشاهدة قناة الجزيرة، وهذا يكفي للتأكيد على أنها في الطريق الصحيح.

(9)

الحالة المصرية خصوصاً والعربية عموماً هي حالة مرضية مستعصية، أعكف هذه الأيام على إعداد كتاب حول مظاهرها وأسبابها. ولعل أبرز أعراض هذا المرض هو التمادي في خداع الذات، كما في حالة السيسي الذي "يأمر" "الشعب" بأن "يأمره" بعمل هذا الشيء أو ذاك، ثم يخرج هو وأنصاره على الناس بالقول بأن "الشعب" هو الذي "أمر" بهذا، ناسين أنهم أخبرونا على الهواء مباشرة بمن هو الآمر! وهكذا يخرج البعض مظاهرة من الزعران مدفوعي الأجر، في وقت يمنع فيه الشعب الحقيقي من التظاهر أو حتى الكلام، ثم يصرح بأن "الشعب" يريد هذا أو ذاك، تماماً كما فعل أشعب حين خدع الصبيان بخبر وليمة لا وجود لها، ثم انطلق يجري خلفهم مصدقاً كذبته!

(10)

مثل هذه التهويمات في عالم خداع الذات تكون مدعاة للسخرية، وملهاة تسلي المكلومين، لولا توابعها الكارثية. فهذا الهوس معدٍ وقاتل، وسينتهي حتماً بكارثة على مصر وما حولها، وعلى دول الخليج التي لم تتعظ بعد من مغامراتها السابقة. فقد مولت هذه الدول حربي الخليج مع العراق وضده، وكانت الأولى نتيجة حتمية للثانية، تماماً كما كانت الموجة الإرهابية التي ضربت الخليج حصيلة للاثنتين وللشحن الطائفي الذي تولت كبره بعضها. وكل الإرهاصات تشير إلى أن المغامرة المصرية الأخيرة ستتنهي بأم الكوارث على الجميع.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////
///////////