لولا أن الأمر غاية في الجدية، لكان مشهد المفاوضات المنعقدة هذه الأيام في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال حالة كوميدية تصلح للتسرية عن الشعب السوداني المنكوب بحكومته ومعارضاته. فقد أصبحت مثل هذه المشاهد مهزلة تتكرر عدة مرات كل عام، والنتيجة هي نفسها إن فشلت المفاوضات أو نجحت. فقد تميز عهد الإنقاذ الذي ناهز ربع قرن من الزمان بجولات لا تنتهي من المفاوضات مع حركات مسلحة تمردت على الدولة، حتى توقفنا عن إحصاء كم من المرات واجهنا مثل هذا المشهد الذي يجلس فيه سودانيون على طاولة مفاوضات في بلد أجنبي، ويجترون نفس الحديث والمواقف. وغالباً ما تنتهي هذه الجولات باتفاقيات تتشابه حتى يكاد يصعب التمييز بين واحدة وأخرى. فقد يحار المرأ وهو يقرأ نص إحدى هذه الاتفاقيات، هل هذه اتفاقية الخرطوم للسلام مع رياك مشار، أم اتفاقية نيفاشا مع جون قرنق، أم اتفاقية أبوجا أو الدوحة حول دارفور.

وقد عقدت هذه الحكومة جولات لا حصر من المفاوضات مع حركات مسلحة، بدأت بمفاوضات أديس أبابا فنيروبي مع الحركة الشعبية في أغسطس وديسمبر عام 1989، ثم مفاوضات فرانكفورت مع مجموعة رياك مشار في يناير 1992، فمفاوضات أبوجا 1992 ثم 1993 مع فصيلي الحركة الشعبية، قبل أن يتم الانتقال إلى سلسلة من مفاوضات الإيغاد في نيروبي ظلت تنعقد وتنفض لعشر سنوات بدءاً من عام 1994 حتى توجت باتفاقيات نيفاشا في مطلع عام 2005. وقد تخللت تلك الحقبة مفاوضات منفصلة مع حركة رياك مشار توجت بدورها باتفاق الخرطوم عام 1997. وقبل الفراغ من هذه المفاوضات الماراثونية بدأت الحكومة مفاوضات مع حركات دارفور في عام 2004 بدأت من أبشي وانجامينا قبل أن تنتقل إلى اثيوبيا فأبوجا حيث انتهت إلى اتفاقية أبوجا عام 2006. أعقب هذا جولات من المفاوضات تستعصي على الحصر، وفي كل عاصمة تخطر على البال، ومع حركات لم يعد أحد يحصي أسماءها أو يحتاج إلى ذلك، لأنها تظهر وتختفي كنبات الفطر.

وقد أصاب الرئيس عمر حسن البشير نوعاً ما حين انتقد مقتضى اتفاق نافع-عقار الذي أبرم بين حزبه والحركة الشعبية قطاع الشمال في يونيو 2011 باعتباره جزءاً من حلقة مفرغة تكافيء كل من يقترف جرائم العنف في حق الأبرياء بمواقع في السلطة. ولكن سيادة الرئيس لم يخبرنا عن السبب في استمرار هذه الحلقة المفرغة، كما لا يمكنه إخبارنا عن سبب تراجعه عن ذلك الموقف صاغراً اليوم والقبول بما رفض أدنى منه بالأمس القريب. فإذا كان مفاوضو أديس أبابا عام 2011 قد ارتكبوا الكبائر كما قال، فإن جرائمهم تضاعفت أضعافاً منذ ذلك الحين.

هناك بنفس القدر بعض الصواب في إصرار وفد الحركة الشعبية على أن المشكلة تكمن في الاتفاقيات الثنائية وأن الحل الصحيح يجب أن يكون شاملاً ينفذ إلى القضايا الحقيقية. ولكن هذه التحليل يطرح بدوره عدة إشكالات، أولها لماذا إذن لم ينجح "اتفاق السلام الشامل" الذي كانت الحركة أحد طرفيه، وسعى تحديداً لمخاطبة ما رأت الحركة أنه لب المشكلة، وقدم حلولاً لكل القضايا الخلافية؟ وبالطبع هذا يقود لمسألة ذات صلة، وهو أنه لا الحركة ولا الحكومة لهما صفة تمثيلية للشعب السوداني يعطيهما مشروعية البت في القضايا التي تخص الشعب وتعبر عن جوهر اهتماماته.

فنحن هنا أمام حكومة وثبت إلى السلطة بالقوة وتستخدم كل أسلوب ممكن للحفاظ عليها، وحركات مسلحة تستخدم نفس الأسلوب، وإن لم تصل إلى السلطة بعد. وبين الطرفين تصبح غالبية الشعب المسالم عرضة للابتزاز بين "فتوات الحي" في ساحة لا يعلو فيها صوت على صوت الرصاص: فإما القبول بإملاءات هذا الفتوة أو ذاك، والاحتماء به من الآخر، أو التعرض لما لا تحمد عقباه.

وكان عالم السياسة الأمريكي المعروف شارلز تيلي قد شبه نشأة الدولة الحديثة في أوروبا الغربية بعصابات المافيا التي تدعي حماية المواطن من خطر هي مصدره الأول. ولكن مقولة تيلي تتحدث عن المنشأ لا المآل. فكثير من الدول تنشأ كمشاريع نهب ولكنها تتحول فيما بعد إلى كيانات مستقرة تهدف لخدمة مواطنيها. فحتى الدول المغولية تحولت فيما بعد إلى كيانات حضارية ذات شأن.

وكنا بنفس المنطق قبلنا بمنهج اتفاقية "السلام الشامل" بين الحركة والحكومة على أنها مبادرة للانتقال من منطق العصابة إلى منطق الدولة، شرط أن يلتزم الطرفان بما تعهدا به، وهو رد الأمر إلى الشعب في انتخابات حرة نزيهة قبل نهاية الفترة الانتقالية. ولكن الطرفين تمسكا بمنطق العصابة ونهجها، حيث تقاسما المغانم في معزل عن بقية المواطنين، وزورا الانتخابات تزويراً مخجلاً. وقد كان قطاع الشمال جزءاً من تلك المؤامرة على شعبي الشمال والجنوب والمناطق الثلاث وطرفاً في تلك المهزلة. فكان ما كان.

المشكلة هي أن الحكومة والمعارضة المسلحة معاً أدمنتا الاحتكام إلى السلاح، واستسهلتا منطق الابتزاز، والحصول بالتهديد على ما يعجز كل طرف عن الحصول عليه عبر إقناع الشعب بمنطقه. والمشكلة أكبر عند الحكومة، لأنها لو نجحت في اكتساب شرعية شعبية لما كانت هناك حاجة إلى معارضة مسلحة، ولما كانت هناك ضرورة لمثل هذه المفاوضات العبثية اللانهائية في مشاهد سريالية تشبه فيلم "يوم فأر الأرض" (1993) الذي يعيش بطله كابوساً حياً لأنه يصحو كل يوم ليعيش نفس المشاهد التي عاشها في اليوم السابق.

ولكن المعارضة المسلحة ليست بأفضل حالاً، لأن أي عمل مسلح غير حكومي يحتاج إلى تمويل وأسلحة لا بد أن تأتي من الخارج، ولا بد من أجل حفظ طرق الإمداد من مساومات لا نهاية لها على المبادئ والمصلحة والوطنية. وفوق ذلك لا بد للحركات لكي تستمر من التعرض لممتلكات المواطنين الأبرياء بالنهب المسلح أو فرض الأتاوات. وتفرض القيادة إرادتها على منتسبيها وسكان المناطق التي تسيطر عليها بالقوة. ولا توجد حماية للمواطن البسيط من بأس هذه الجماعات في مناطق القتال، حيث لا قانون ولا محاكم إلا إرادة حاملي السلاح. بل إن الخلافات داخل الحركات نفسها لا تحسم "ديمقراطياً"، بل عبر فوهة البندقية. وهذا يعني أن القيادي في مثل هذه الحركات لا يصل إلى موقع يؤهله إلى التفاوض مع النظام إلا بعد أن يكون ولغ في بحور من دماء الأبرياء، وأكل مال هذا وضرب هذا، وهجر ذاك، ولم يوفر الكثيرين من رفاق سلاحه. وبهذا يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في كونه من المفلسين يوم القيامة لكثرة أصحاب الحقوق ضده في يوم ليس فيه مفاوضات.

نحن إذن على  اتفاق مع الطرفين في أن هذه الحالة العبثية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن البلد لا تحتمل منطق العصابات، وأنه لا بد من حل شامل. ولكن الحل الشامل لا يتنزل من السماء (أقله لأن الأطراف المعنية آخر من يتأهل لوحي سماوي) كما لا يفرض عبر فوهة البندقية. وهذا يعني أنه لا بد أن يتم التوصل إليه عبر حوار يشارك فيه الجميع، ويتوصل إلى توافقات يتراضى عليها الكل.

ولكن المنهج الذي اتبعه هذا "الكل" حتى الآن هو أن يرضخ لمنطق العصابات، حاكمة متمردة، محتمياً بهذه ومتقياً شر تلك، أو الاكتفاء بالدعاء أن يوفق الله العصابتين إلى حل تكون فيه المصلحة. ولكن ليس من الحكمة في شيء أن يظل الناس قعوداً في انتظار أن يهدي الله العصابات لما يرضيه. ذلك أن العصابات حين تحقق النجاح لا تحققه إلا وهي عصابات. وبالتالي لا ينتظر منها أن تتوب إلى الله من أفعالها وأساليبها بعد النصر. وما شأن الجنوب منا ببعيد.

من هنا لا بد تحرك الشعب بنفسه لنيل حقوقه، واتباع منهج يقلب منطق العصابات إلى منطق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين قال في خطبة توليه الإمارة: "إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ بحقه، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه". وهذا يتطلب تجييش قوة الضعفاء ضد سلطان من يستقوون على الضعفاء بسلطان جائر أو سلاح منفلت. فليبدأ كل  المواطنين بتنظيم أنفسهم في كل حي وقرية، بمعزل عن النظام والمسلحين وحتى الأحزاب والتنظيمات التي لا تقبل الانخراط في هذا الحراك أو تتخوف من إرادة الشعب. لا ينبغي أن ينتظر الناس بعد اليوم مخلصاً يأتي من السماء أو من الغابة أو من الخارج، بل يجب أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم، وأن ينتخبوا قيادات من بينهم، وأن يملأوا الشوارع ويفرضوا شروطهم. يجب كذلك أن تتحرك النقابات والحركات الطلابية والمنظمات المدنية، كل في مجاله، ولكن ليس قبل تنظيم انتخابات حرة لقيادات جديدة.

لأكثر من ربع قرن، ظل المواطن السوداني في حالة انتظار مزمن: يتسقط الأخبار عن مفاوضات أبوجا أو نيفاشا أو أديس أبابا، أو يتحلق مع آخرين حول التلفاز في انتظار خطاب رئيس أو مسؤول. وقد آن الأوان لكي تنتهي حالة الانتظار هذه، وأن يتولى الشعب أمره بنفسه، فينهض دون أن يتنظر من أحد شيئاً، بل يملي هو شروطه، اليوم قبل الغد. فقوموا إلى انتفاضتكم أيها السودانيون يرحمكم الله!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.