في نهاية نوفمبر الماضي، دعا مركز دراسات الوحدة العربية نخبة من المفكرين والناشطين من مختلف التوجهات إلى ندوة عقدت في بيروت حول "مستقبل الإسلام السياسي". وكان اللافت في مخطط الندوة استناده إلى لائحة تساؤلات تستبطن اتهامات للقوى الإسلامية، بدءاً من التشكيك فيما إذا كانت هذه القوى شاركت في الثورات أساساً، وعن سبب "استنزاف رصيدها السياسي" بسرعة، وأهم من كل ذلك، اتهام القوى الإسلامية بعقد "تحالفات وصفْقَات أُبرِمت بينها والإدارة الأمريكية – بوساطات تركية وقَطَرية – لِتسَلُّم السلطة في البلدان التي سقطت فيها الأنظمة القائمة، ولإسقاط الأنظمة في البلدان التي ترغب الولايات المتحدة في إسقاطها (سورية مثلاً،  وما علاقة ذلك بالمشروع الأمريكي لـِ "الشرق الأوسط الجديد""؟
وبحسب تساؤلات المخطط التي تشبه سؤال: "لماذا تخون زوجتك؟"، وردت أسئلة من نوع: "أليس تحالُف الإسلاميين – باتجاهاتهم كافة – مع "حلف شمال الأطلسي" في ليبيا، ومع الحلف الأمريكي – التركي – الخليجي في سورية، مظهراً من مظاهر تلك الصفقة، التي تتحدث عنها التقارير الدولية، ودليلاً ميدانيّاً عليها؟" ثم: "هل كان للتفاهمات الأمريكية – الإسلامية أثرٌ في الطريقة التي أدارت بها النخب الإسلامية السلطةَ والمرحلة الانتقالية في البلدان التي استلَمَتْ فيها سلطة الدولة؟ وهل كان لانفراد الإخوان بالسلطة في مصر نتيجة لمثل هذا الاتفاق؟"
ومضت التساؤلات على هذا النسق، متحدثة عن دخول حركة "حماس" في هذا التفاهم المزعوم، أدى إلى "فك ارتباطها بسورية، وإجبارها على هدنة مع إسرائيل تلتزم فيها الحركة بوقف العمل المسلّح لمدًى زمني طويل" وتسهيل التطبيع بين إسرائيل والأنظمة العربية. وبدا من الطرح أن الأمر ليس مجرد تساؤلات، وإنما "نظرية مؤامرة"، تردد إلى حد كبير موقف النظام السوري وحلفائه بأن الربيع العربي بمجمله كان مؤامرة أمريكية لخلق شرق أوسط جديد، وأن الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة الإخوان المسلمين، دخلوا في هذه "الصفقة" وهم يعلمون. وقد وقع المخطط في نفس التناقض الذي يميز الخطاب السوري الذي تحدث (كما فعل القذافي من قبل) عن مؤامرة تدخل فيها القاعدة وأمريكا وإسرائيل مع كل طوائف الإسلاميين. فقد طرح المخطط كذلك تساؤلاً عن مدى استعداد الإسلاميين "لتمييز أنفسهم – تمييزاً حاسماً وقاطعاً – عن القوى "الجهادية" والتكفيرية، ونبذ خيار العنف نبذاً نهائيّاً، والقطيعة مع الازدواجية في الخطاب وأساليب العمل؟" وهذا سؤال يتناقض عما قيل من قبل من الدخول في صفقة تركية-أمريكية-قطرية، مما يعني أنهم ميزوا أنفسهم سلفاً عن القوى الجهادية التي ترفض مجرد الحوار مع القوى السياسية الأخرى، بما فيها الإسلامية. إلا إذا كنا نرى مع الأسديين أن القاعدة وإسرائيل هما وجهان لعملة واحدة، وهي نظرية يجب إقناع إسرائيل وأمريكا بها أولاً.
وأول تساؤل حول هذه "التساؤلات" هو: هل تقوم هذه التساؤلات على معلومات وتسريبات، أم أنها مجرد رجم بالغيب؟ فالمعروف عن الولايات المتحدة أنها من الدول القليلة التي لا تتآمر في السر، بل تنشر كل مؤامراتها على الملأ. على سبيل المثال، نجد السجال حول غزو العراق دار في العلن منذ أيام رئاسة بوش الأب في التسعينات، حيث سجلت وقائعه في دوريات السياسة الدولية ومؤتمرات وتقارير مراكز الأبحاث، ثم كتب ومذكرات المسؤولين. بنفس القدر فإن سياسة المحافظين الجدد حول "نشر الديمقراطية" في العالم العربي نوقشت أيضاً في العلن، وكان كاتب هذه السطور من المساهمين في هذا السجال عبر تقرير نشره معهد بروكينغز في واشنطون عام 2005 (وما يزال موجوداً على موقع المعهد لمن شاء الاطلاع عليه).
وليس السجال الرسمي وشبه الرسمي عن الربيع العربي، و "مؤامرات أمريكا" في هذا الخصوص ببدع من هذا الأمر. فكل المعلومات متوفرة على مدار الساعة لمن شاء. ولكن يمكن لمن يريد ملخصاً ميسراً لتفكير إدارة أوباما حول الربيع العربي، الاطلاع على كتاب مارك لينش: "الربيع العربي: ثورات الشرق الأوسط الجديد غير المكتملة"، الذي يمثل عملياً مرافعة عن سياسية أوباما، وكشف لما دار وراء الكواليس أثناء صنع هذه السياسة وتنفيذها. وقد نشر الكتاب في عام 2012 ثم صدرت طبعة ثانية في العام الماضي. ويعتبر لينش أحد ألمع الباحثين الأمريكيين في شؤون المنطقة، حيث تخصص في شؤون الإعلام، ولكنه كتب كذلك في شؤون المنطقة، خاصة الأردن ومصر والحركات الإسلامية. وهو رجل متعدد المواهب، فوق إجادته اللغة العربية، كما نستدل من المناصب التي يشغلها، حيث يتولى تحرير قسم الشرق الأوسط في مجلة "فورين بوليسي"، إضافة إلى وظيفته الأساسية كرئيس لقسم الشرق الأوسط في جامعة جورجتاون. كما يشغل وظيفة باحث غير مقيم في "المركز لأمن أمريكي جديد"، ويدير مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط، وهو شبكة من الأكاديميين المتخصصين في العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط.
ولكن أهم دور لمارك لينش من منظور هذا النقاش هو أنه عملياً أحد أعضاء فريق إدارة أوباما حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، رغم عدم توليه وظيفة رسمية في الإدارة. وكان هذا خياراً منه، حيث أنه كان عضو حملة أوباما الانتخابية في عام 2007-2008، وكان بإمكانه تخير أي وظيفة شاء. ولكن بقاءه خارج الإدارة لم يمنع أنه ظل على اتصال مباشر بصانعي القرار، ومشاركاً فاعلاً في الحوار حوله، كما يظهر بوضوح من كتابه.
يلخص لينش رؤيته (ومنظور الإدارة الأمريكية) لأحداث المنطقة في ملحق أضافه في الطبعة الثانية لكتابه تقوم على التفريق بين الربيع العربي (الذي يرى أنه امتد من ديسمير 2010 إلى مارس 2011) باعتباره لحظة ثورية نادرة، وبين "الانتفاضة العربية"، وهي تغيير هيكلي في قدرات وتوقعات القوى السياسية الشعبية في المنطقة العربية خلقتها التغيرات الاجتماعية والمعلوماتية والتقنية التي شكلت أجيالاً جديدة. ويؤكد أن هذه التغييرات ليست شأناً أمريكياً، ولم يكن بإمكان أمريكا إيقافها لو شاءت، بل ينبغي التعامل مع الواقع الذي أفرزته لخدمة مصالح أمريكا. وكان لينش قد تنبأ في الطبعة الأولى بأن الهبة الثورية ستكون عابرة، وأن النظام العربي سيستعيد توازنه وقدراته القمعية، ويتعلم من أخطاء الماضي، ولكن التغيرات الهيكلية لن تسمح بعودة إلى الماضي كما كان.
ويوجه لينش بعض انتقادات لسياسات أوباما تجاه الربيع العربي (لعل أبرزها عدم إدانة قمع الثورة البحرينية، وعدم التحرك بقوة لتحقيق السلام في فلسطين، إضافة إلى عدم بذل ما يكفي لدعم الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول الربيع العربي، واستمرار استخدام الطائرات بدون طيار لتنفيذ اغتيالات، خاصة في اليمن). إلا أنه يحاول إيجاد العذر له في معظم هذه الأمور، ويعتبر الموقف العام للكتاب هو الدفاع عن سياسات أوباما، ومحاولة شرح ما غمض منها، والرد على منتقديها. على سبيل المثال يعترف لينش بأن إدارة أوباما كانت تفضل الأنظمة المستقرة على إشعال الثورات، ويؤيد هذا الموقف، قائلاً إنه ليس بوسع رئيس أمريكي مسؤول أن يشجع تقويض الدول القائمة، أو يرهن سياسات أمريكا لمجموعات من الناشطين لا تعرف الإدارة عنها شيئاً.
ويؤكد لينش أن سياسة أوباما تميزت بالحكمة والاتزان وتقدير الأمور حق قدرها. فلم يكن خافياً أن أوباما يتعاطف مع مطالب معارضي الدكتاتورية، ولكنه لم يتسرع في اتخاذ القرار، كما لم يجزع عندما صعد الإسلاميون إلى السلطة ويدعم سياسات قمعية كما حدث في الجزائر من قبل، بل قرر مواصلة دعم الديمقراطية، ولم يتبع سياسة بوش الذي تراجع عن شعاراته عندما نجحت حماس في انتخابات 2006. ورأى أن أمريكا اتبعت سياسة "النأي بالنفس" فيما يتعلق بدعم قوى سياسية أو مرشحين بعينهم، ولكنها أصرت على إتمام الانتقال الديمقراطي. ويعترف لينش بأن أوباما ضغط على مبارك للتنحي، وإن كان هذا لم يكن العامل الحاسم في سقوط نظامه. واكتفت أمريكا بالتدخلات عندما بدأ الانتقال الديمقراطي في خطر، كما حدث عندما قام النظام العسكري بقمع المتظاهرين في أحداث محمد محمود، أو عندما سعت بعض الجهات للتلاعب بالانتخابات الرئاسية، أو عندما رفض مرسي إدانة الهجمات على السفارة الأمريكية عقب أحداث الفيلم المسيء للإسلام.
ويؤيد لينش التدخل الأمريكي في ليبيا، قائلاً إنه تم بحكمة وبكلفة مالية قليلة تمثل أرقاماً قد تسقط سهواً في ميزانية البنتاغون. وأضاف إن أوباما كان سيواجه انتقادات من خصومه لو أن التقاعس الأمريكي أدى إلى وقوع مجازر كبرى كما واجه انتقادات بسبب التدخل. ولكنه بنفس القدر يؤيد موقف أوباما الحذر من التدخل في سوريا، لأن سوريا مستنقع لا قرار له، ونفس الجهات التي تدعو إلى تدخل أمريكي لن تضمن استقبال الجنود الأمريكيين بالورود في دمشق. وأضاف إن النزاع في سوريا سيسمم المنطقة لسنوات قادمة، وأنه من حسن الحظ أن الولايات المتحدة نأت بنفسها عنه.
يخلص لينش إلى أن سياسة أوباما تقوم على تفهم حقيقة أن الثورات العربية جزء من تغيرات طويلة المدى تحتاج إلى الصبر والحكمة في التعامل معها، وأن أي أوهام حول دور أمريكي هناك لا تقوم على أساس قوي، لأن الجماهير العربية المنتفضة لا تثق في حياد أميريكا، وعليه فإن دعم التحول الديمقراطي لن يكون أمراً يسيراً أو مدعاة للرضى، وأن أميريكا لن تقابل بالشكر والثناء على دورها الإيجابي. ويرى لينش أن أفضل ما يمكن أن تتوقعه أمريكا هو بروز حلفاء أقوياء في منطقة على نموذج تركيا أردوغان: أنظمة ذات سياسات خارجية مستقلة قد لا ترضي الولايات المتحدة، ولكنها ديمقراطية داخلياً ومحترمة دولياً. فالصديق القوى المستقل خير من العملي الذليل الضعيف.
غني عن القول أن الولايات المتحدة لم تصنع أردوغان، وكانت تفضل التعامل مع نظام الجنرالات المحب لإسرائيل. وبنفس القدر فإن لينش يرى أن إدارة أوباما تعامل ببراغماتية وحذر مع الأوضاع، وأصاب في معظم قراراته، وأنه لم يكن بالإمكان أحسن مما كان. ويرى كذلك أن معظم النظريات التي كانت تحكم رؤية أميريكا للتعامل مع المنطقة قد انهارت في أعقاب الثورات العربية، وأن التعامل البراغماتي قد يصلح على المدى القريب، ولكن الأمر يحتاج لرؤية استراتيجية جديدة لم تتشكل بعد.
ويمكن أن نخلص من هذا العرض إلى أن الحديث عن "مؤامرة" بين أوباما والإسلاميين للاستحواذ على السلطة هي محض أوهام، لأنه لا أوباما ولا غيره (ولا حتى الإسلاميين) كان قادراً على التنبؤ بنتائج الاقتراع في دول الربيع العربي، وقد كانت أسوأ نتائج للإسلاميين في ليبيا التي "حررها" أوباما. وحتى بعد الانتخابات فإن مفاتيح السياسة الخارجية في مصر لم تكن في يد مرسي حتى يبرم صفقات حولها، لأن إسرائيل والولايات المتحدة كانت تتعامل مع الجيش والمخابرات مباشرة. يكفي أن وزراء خارجية وداخلية ودفاع مرسي هم نفسهم الذين انقلبوا عليه.
ولكن مجرد طرح هذه التساؤلات، بهذه الصيغة، في وجود مصادر المعلومات التي يمكن أن تجيب عليها، خاصة القوى الإسلامية نفسها (التي غابت تماماً عن اللقاء المذكور، رغم أن الدعوة وجهت إلى بعض رموزها)، يعكس أزمة فكرية-أخلاقية عميقة في التفكير العربي. فالبعض يريد استخدام مثل هذه الأساطير لتبرير ما لا يمكن تبريره، وإعطاء العذر لنفسه في دعم الدكتاتوريات الدموية التي تعقد الصفقات على المكشوف (ألم تكن سوريا في هدنة "طويلة الأمد"، بل أبدية، مع إسرائيل وتعاون في "الحرب على الإرهاب" حتى قبل الاستبربتيز الكيماوي الأخير؟). وهل كان كيري يتفاوض مع حماس أم مع فتح وعباس؟ ثم أليست الدول التي أسقطت مرسي هي نفسها التي طرحت وسوقت "خطة السلام العربية"؟ وهل كان مرسي (الذي عجز عن الدفاع عن قصره وعن المركز العام للإخوان المسلمين وهو في الرئاسة) يستطيع عقد صفقات بمعزل عن جيشه الممول أمريكياً، ومخابراته صهيونية الهوى، ناهيك عن الدول العربية الكبرى، حتى تعقد أمريكا صفقات معه من وراء ظهر الآخرين؟ هل بلغ بنا تغييب العقول هذا المبلغ؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.