(1)

أوردت مجلة "نيوزويك" واقعة كانت تكون غاية في الطرافة لولا بشاعتها التي لا يتصورها عقل. تتعلق الواقعة بالصراع الدموي حول السلطة في اثيوبيا في أوساط الضباط اليساريين عقب سقوط نظام هيلاسيلاسي عام 1974، خاصة بعد أن أصبح أحد هؤلاء الضباط الشباب، ويدعى منغستوا هايلي ماريام، الأكثر نفوذاً بين اللجنة العسكرية المعروفة باسم "الديرغ"، حيث نجح في عام 1977 في تصفية رئيس الدولة وعدد من الضباط، ليصبح الزعيم الأوحد.

(2)

في غمرة هذا الصراع، قامت مجموعة منافسة من الضباط باختطاف أسرة منغستو وأطفاله، وهددوا بقتلهم ما لم يستجب منغستو لمطالبهم بالتخلي عن الانفراد بالسلطة. رد عليهم منغستو بالقول: نصيحتي لكم، بعد قتلهم، أن تطبخوا من الجثث حساء، ولا تنسوا أن ترسلوا لي نصيبي منه! عندها أدرك المعارضون أنهم أمام إرهابي يفاخر بافتقاده لكل إنسانية، وبالتالي لا يمكن منافسته في مجال الإرهاب.

(3)

لا يختلف النظام السوري القائم اليوم عن نظام منغستو في شيء، فهو لا يتورع عن كبيرة، وليست لديه محرمات، ولا يعرف معنىً للإنسانية، وليس لديه هدف سوى الاستمرار في السلطة بأي ثمن وعلى حساب أي قيم ومصالح. وبالتالي حين يرتل الساسة الدوليون والمحليون مقولة أنه لا يوجد حل في سوريا سوى الحل السياسي، فهم يعنون أنهم لا يهمهم إن كان هناك حل أم لا. فقد طلب من هذا النظام أقل من ذلك في مراحل سابقة، مثل الوفاء بتعهده بوقف إطلاق نار ضد شعبه، وفي حضور مراقبين عرب ثم دوليين، فلم يلتفت لذلك. فكيف يتوقع ممن يرفض مجرد وقف القتل أن يشارك ضحاياه في السلطة؟


(4)

ليس بعزيز على الله أن يلقي في قلوب جلاوزة النظام السوري شيئاً من الرحمة، فيكفون عن ارتكاب الكبائر في حق الشعب السوري من تجويع وإذلال وتعذيب وتقتيل بلا شفقة ولا تمييز، فالله يتوب على من يشاء. ولكن حين تحين ساعة تغيير السياسة، فلن يكون باسم المعلم أو أمثاله من خدم السلطان هم من يقرر فيها. فهؤلاء لا يجرؤون على النطق باسم رئيسهم إلا مسبحين، وليس لديهم سلطان على مرتكبي الكبائر. بل يبدو أن الأسد نفسه ليس لديه سلطان على وحوشه، بدليل أنهم يختارون عمداً وجود المراقبين الدوليين لقصف الأبرياء بالأسلحة الكيماوية أو ارتكاب فظائع أخرى، للتأكيد على أنهم لن يقبلوا أن يساوم عليهم أحد.


(5)

من هنا لايكون رجماً بالغيب التأكيد بأن مفاوضات جنيف الحالية هي عبث ومضيعة للوقت و "حجة غياب" بالنسبة للفاعلين الدوليين، حتى لا يتهموا بأنهم يكتفون بالتفرج على مأساة العصر في سوريا. ولكنهم يدركون أن النظام القائم في سوريا لا يتصرف إلا تحت الضغط، ولو كانوا صادقين في السعي إلى حل سلمي، لكانوا أرسلوا الرسائل المناسبة التي يفهمها النظام: "ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة." فالنظام أرسل إلى جنيف خبراء الكذب عنده ولم يرسل أي من أهل القرار.

(6)

هناك إشكالية أيضاً لدى المعارضة السورية، لأنها لا تفهم مصادر قوتها الحقيقية، وهي بالقطع ليست القوة العسكرية، وإنما عدالة القضية وتعاطف العالم في وجه لا إنسانية النظام ووحشيته. بعض المعارضين يفهم تعاطف العالم معه على أنه رخصة لارتكاب ما يشاء، والبعض الآخر يرى أن العالم مدين له بأن يحارب نيابة عنه. وكل هذا سوء فهم يقترب في خطاب بعض المعارضين وممارساتهم من النزق الطفولي، كما نسمع من مطالب البعض الخرافية. وعلى المعارضة أن تتخير استراتيجية واضحة: إما أنها تريد أن تلعب الورقة الإنسانية، وهذا يتطلب الكثير من الاعتدال في الخطاب والتواضع في المطالب والتجاوب مع الإملاءات الدولية؛ وإما أنها تريد الحل العسكري والاعتماد على الذات، وحينها يجب أن تكف عن المطالبات وتلتفت إلى الميدان ولا تنتظر الكثير من العون من الخارج.

(7)

تاريخ مثل هذه الصراعات يؤكد أن الحل سيأتي مع انهيار النظام المحتوم تحت وطأة فظاعاته. ولن يجدي عندها دعم الخارج. ولعلها مفارقة أن نظام منغستو حين انهار كان يحظى بدعم الغرب والشرق معاً، حيث اقتدى بحكمة نظيره السوري فأرسل جنوده إلى حفر الباطن لدعم الحرب الأمريكية على العراق، رغم ادعائه بأنه نظام ثوري ماركسي، فأيدته أمريكا مع استمرار حلفه مع الروس. ولكنه انهار قبل عودة جنوده الذين أرسلهم إلى بلاد الحرمين.


(8)

أبلغني رئيس الوزراء الاثيوبي الراحل ميليس زناوي بأنهم كانوا قبل انتهاء الحرب في اثيوبيا يتوقون للجلوس مع النظام والتفاوض معه، خاصة أنهم كانوا يشاركونه ايديولوجيته الماركسية وكانت مطالبهم تقتصر على الحكم الذاتي لا الانفصال. وقال إنهم كانوا سيهرعون إليه لو كان أبدى أدنى قدر من المرونة، ولكنه رفض مجرد الاعتراف بوجودهم. وقد ظل الحال كذلك حتى أصبحت أديس أبابا في مرمى مدافع الثوار. حينها أرسل منغستو رسولاً يطلب الحوار، فكان ذلك أشبه بإيمان فرعون بعد أن أدركه الغرق. والراجح أن الأسد ورجاله وكثير من مغيبي العقول الذين يجدون له الأعذار لن يؤمنوا بالحق إلا وهم يغرقون مع نظامهم، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

(9)

هذا لايمنع أن نرجو أن يفيق القوم قبل فوات الأوان، فقد أرسل الله تعالى رسلاً إلى فرعون وأوصاهم بأن يقولوا له قولاً ليناً لعله يذكر أو يخشى. فبوسع هؤلاء أن يتجنبوا سوء الخاتمة لو بدأوا على الأقل بمحاولة الاقتراب من حظيرة الإنسانية بفك الحصار عن اليرموك وبقية مدن سوريا (وليست إسرائيل) المحاصرة، والتوقف عن إلقاء براميل الإرهاب على المدنيين الأبرياء، والتوقف عن التعذيب والإعدامات وإطلاق سراح الأبرياء، والسماح بإغاثة من يموت جوعاً، ثم التفاوض على وقف لإطلاق النار حتى تبدأ مفاوضات جادة بعد ذلك حول حل الأزمة والتوافق على نظام حكم يأمن الجميع في ظله. ولكن الآمال والرجاء شيء، والتوقعات شيء آخر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.