(1)

بعد أن اندلعت الاشتباكات الأخيرة في محافظة الأنبار العراقية، أعلن رئيس الوزراء نوري المالكي (الذي تسببت سياساته "الصدامية" الخرقاء في هذه الكارثة في الأساس) بأنه يطارد مقاتلي القاعدة في الفلوجة والأنبار. وهذه نفس الحجة التي استخدمتها قوات الاحتلال الأمريكية لغزو وتدمير الفلوجة في عام 2004. من جانبهم فإن أهالي الفلوجة تبرأوا من القاعدة ومقاتليها وأكدوا أنه لا وجود لرجالها في في مدنهم.

(2)

كان النظام السوري –الحليف الأبرز للقاعدة في العراق- سباقاً في وصف معارضيه، بمن فيهم أطفال درعا، بأنهم من إرهابيي القاعدة. كما في العراق، فإن المعارضة السورية والجيش الحر  وبقية الفصائل نفت أي صلة لها بالقاعدة، واعتبرت ذلك دعاية سوداء من النظام. ولكن بعض الفصائل المعارضة أبت إلا أن تصدق دعاية النظام حين أعلنت رسمياً انتماءها للقاعدة، بل تنافست في ذلك.

(3)

في مناطق أخرى كثيرة، من الصومال ومالي والجزائر واليمن إلى أفغانستان وباكستان والشيشان، كان يكفي أن يوصف أي تنظيم بأنه على علاقة بالقاعدة حتى تتكالب عليه دول العالم من الجوار ومن على البعد، فيجلب على نفسه وبلاده الدمار.


(4)

كان من المتوقع عليه أن يتراجع تنظيم القاعدة ويختفي من الساحة، لأن مجرد  الاتهام بالانتماء له أصبح "سلاح دمار شامل" يحول صاحبه –جماعة أو فرداً- إلى طريد في كل البلاد. ولكن الملاحظ أن الجماعات التي تنتسب إلى القاعدة في ازدياد وأماكن نشاطها في توسع، وهو أمر يدعو إلى الاستغراب. فالقاعدة تنظيم صنعته الدعاية الأمريكية، بدءاً من الاسم الذي خرجت به المخابرات الأمريكية. ذلك أن مجموعة بن لادن سمت نفسها "الجبهة العالمية للقتال ضد اليهود والصليبيين"، ولم تكن تعرف نفسها باسم القاعدة. ولكنها في نهاية الأمر تبنت الاسم المخابراتي، فوقعت في الفخ الذ نصب لها.


(5)

كانت الدعاية الغربية هي ما جذب الكثير من الشباب للانتماء للقاعدة، لأن حجم الكراهية لسياسات أمريكا حولت الدعاية ضد القاعدة إلى عامل جذب. علاوة على ذلك فإن الأموال الطائلة بحوزة القاعدة ومراكز التدريب التي كانت تملكها في أفغانستان واليمن والشيشان جعلت كثيرين يتسابقون نحوها. ولكن ما الذي يفسر استمرار جاذبية "ماركة" القاعدة بعد مقتل بن لادن وانقطاع المدد المالي وذهاب القواعد في أفغانستان؟

(6)

الحالة السورية تبين بوضوح آثار "لعنة القاعدة" على أي قضية. فمجرد وجود شبهة بصلة بعض الفصائل المسلحة بالقاعدة حجبت الدعم الخارجي عن المعارضة، وصبت في صالح دعاية النظام، حيث أصبح كل مؤيد لمجازر النظام يتحجج بأنه يحارب القاعدة والتكفيريين. وقد زاد التنظيم الذي يسمي الدولة الإسلامية في العرق والشام من المصيبة حين حرض بمجرد هذا الاسم الدولة العراقية على التحالف الصلب مع النظام السوري ضد المعارضة. وهذا يخالف أبجديات أسلوب المقاومة، حيث تتجنب كل حركة معارضة استعداء الآخرين حتى تتفرغ للعدو الواحد. أما قاعدة سوريا فإنها تحرص على استعداء العالم كله ضد المعارضة.

(7)

بعد الصدامات الأخيرة التي افتعلها القاعديون مع المعارضة السورية، أعلن ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام سجب مقاتليه من كل جبهات القتال ضد النظام وتوجيه بنادقه إلى كل فصائل المعارضة. وهذا يعني عملياً أن هذا التنظيم أصبح حليفاً رسمياً للنظام السوري، يقوم نيابة عنه بواجب القضاء على المعارضة. وفي واقع الأمر فإن هذا توضيح للمسكوت عنه وفرز للصفوف، لأن التنظيم كان منذ البداية أفضل حيلف للنظام السوري، يوفر له أفضل ذخيرة دعائية، ويشتت صفوف المعارضة ويستعدي العالم بأسره ضدها. وبغض النظر عن صحة الدعاوى بأن هذا التنظيم صنيعة للمخابرات السورية –وهو غير مستبعد لأن المخابرات السورية كانت تدعم هذه التنظيمات في العراق- فإن ما حصل عليه النظام السوري من هذا التنظيم أنفع له بكثير مما لو كان قد صنع هذا التنظيم وموله.


(8)

كل هذه الإشكالات تذكرنا بأن مشكلة تنظيم القاعدة تكون أكبر ما تكون فيما لو حقق الانتصار، لأن أي بلد يتحقق فيه انتصار للقاعدة سيكون عرضة للاجتياح الفوري أو الحصار الشامل على أقل تقدير. فالأمر الوحيد الذي تتفق عليه الدول الكبرى والصغرى، وروسيا والصين، والسعودية وإيران، هو عدم القبول بأي منطقة نفوذ لتنظيم القاعدة في أي بقعة من الأرض، ناهيك عن أن تكون له دولة أو إمارة.

(9)

من هنا يمكن أن يقال إن القاعدة لا يمكن أن تتحول إلى تنظيم سياسي، وأقصى ما تطمح إليه هو أن تبقى تنظيماً سرياً يمارس عملياته ضد الدول من الكهوف والمخابئ. وأي محاولة لتحويله إلى تنظيم سياسي مصيرها الفشل لسببين منفصلين: الأول هو أن هذا أول تنظيم في التاريخ تجمع كل دول العالم على رفضه ومحاربته، ويتبرأ منه الجميع ويعتبر مجرد الاتهام بالانتماء إليه سبة يحرص الجميع على التنصل منها. أما السبب الثاني فهو أن تجارب التنظيم السياسية في كل من العراق والصومال ومالي ثم سوريا الآن كانت كارثية بكل المقاييس، حيث استعدى الكل، بمن في ذلك أنصاره بسبب ممارساته الانغلاقية والتعسفية.
(10)

لعل ما حدث في سوريا نقمة في طيها نعم، لأنها كشفت بوضوح لا لبس فيه أن مثل هذا التنظيم لا مستقبل له، وإن انخراط الشباب فيه هو إضاعة وإهدار للوقت والمال والأرواح، والسير في طريق مسدود. والمنتظر أن يختفي هذا التنظيم من الساحة كما اختفت جماعات الخوارج والحشاشين والقرامطة، أو أن يتحول إلى شكل آخر بعد مراجعات ضرورية كما فعلت حركات أخرى.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.