خففت إلى بيروت في آخر أيام شهر نوفمبر المنصرم لحضور ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي بالإسكندرية حول "مستقبل الإسلام السياسي في الوطن العربي". وكانت هذه المرة الثانية التي أشد فيها الرحال إلى بيروت خلال شهر واحد، رغم كثرة مشاغلنا ومحاذير عاصمة اللبنانيين التي لا تشجع على غشيانها، لأن القضية موضوع النقاش هي حديث الساعة بحق، ولأن المركز عودنا الرصانة والجدية في تناول مثل هذه القضايا. هذا مع أن لمثل هذه اللقاءات كذلك ثمن معلوم، فوق تكبد مشاق السفر والجلوس لساعات طوال يستمع المرء خلالها لغث الحديث وثمينه. فالأمر كثيراً ما يتطلب الصبر على سماع بعض اللغو والشطط، والكثير مما يمتحن الحليم ويرفع ضغط الدم.

ولكن ما ميز لقاءات مركز دراسات الوحدة منذ بدأت شهودها في مطلع الألفية الحالية، ظل كونها دائماً منبر إجماع حول إدانة الدكتاتوريات بشتى أصنافها، وتاييد الديمقراطية والحريات لكل أطياف الرأي في الوطن العربي. ولكن هذا اللقاء شذ عن سابقاته بأن غالبية الآراء في داخلة مالت لأول مرة لصالح الدكتاتوريات، خاصة طغاة مصر ونظام القتل والدمار في سوريا. وقد عبرت في تعليقي على النقاش الذي دار حول ورقتي عن حالة الإخوان في مصر عن الذهول الذي أصابني وأنا أستمع إلى هذا الدفاع المستميت عن دكتاتوريات فاشية لا تتورع عن كبيرة، بما في ذلك تدمير البلاد بكاملها من أجل المحافظة على مقاعد السلطة، وقلت للحضور بصراحة إنه إذا كان هناك من لا يرى في هذه الأنظمة وممارساتها ما يستحق سوى الإدانة والشجب فلا أعتقد أن هناك نقطة لقاء للحوار بيننا، وأنه ينبغي علينا أن نفض ذلك اللقاء في تلك اللحظة وينصرف كل منا لشأنه.

ولا أريد هنا أن أتطرق لموضوع ورقتي التي تناولت ما للإسلاميين وما عليهم في الأزمات الراهنة، وطرحت رؤية جديدة لتخليص مجتمعاتنا من تسييس الدين وتديين السياسة، وهو أمر قد نعود له في وقت لاحق إن شاء الله. ولكني أريد أن أتوقف هنا عند الورقة التي قدمها صديقنا الدكتور رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية، والباحث المجدد، حول "الإسلام السياسي ومسألة الشرعية". فقد قدم السيد كعادته طرحاً رصيناً ومتقدماً لمسألة الشرعية السياسية في الإسلام، متقصياً جذورها من أيام الحسن البصري إلى سيد قطب، حيث يراها قامت على أمرين، صون الاستقرار والأمن في الداخل، والحفاظ على السيادة والاستقلال من أي تغول خارجي. وقد فقدت مقومات هذه الشرعية بعد اجتاح الاستعمار العالم الإسلامي، ولهذا قامت الحركات الإصلاحية، ومنها الحركات الإسلامية، لاستعادة هذه الشرعية.

وبحسب السيد فإن نشأة حركة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا استند إلى أن أزمة الشرعية وصلت إلى "أعمق الأعماق"، فما عادت هناك دار إسلام، "وما عادت المشكلة تنحل بتنصيب خليفة"، بل لا بد من "إعادة نشر الإسلام... ثم المضي قدماً بالتنظيم الذي يصنع المجتمع المسلم فالدولة فالخلافة". وكل هذا معلوم بالطبع، فكل الحركات الإسلامية تضع من ضمن أهدافها عكسً توجهات العلمنة وإعادة تأسيس المجتمع الإسلامي ثم الدولة الإسلامية. ولكن الجديد في طرح السيد أنه يرفض الرواية التي ترى أن حسن البنا كان يتبنى طرحاً توافقيا قبل أن يأتي سيد قطب فيطرح رؤية راديكالية تكفر المجتمع وتنادي بالبداية من نقطة الصفر، وهي رؤية رفضتها الجماعة بقيادة الهضيبي في كتاب "دعاة لا قضاة"، وعادت معها إلى فكر البنا. ويرى السيد بالعكس، أن رؤية سيد قطب التي لا ترى سبيلاً للتعايش بين الكفر والإسلام في كيان سياسي واحد هي الترجمة الصحيحة لفكر البنا، وأن التنظيم لم يرفض هذه الرؤية إلا بصورة تكتيكية. وبالرغم من ان الحركات الإسلامية طورت رؤيتها في أوجه كثيرة، أقله في استبعاد فكرة الصدام المسلح مع المجتمع واختيار التغلغل فيه سلمياً، إلا أن القبول الذي وجدته الحركات في أوساط الطبقات الوسطي يقوم على سوء فهم روج له الإسلاميون وبعض المفكرين المحسوبين عليهم، عبر طرح يساوي بين حكم الشريعة وحكم القانون، ولا ينقض ما توافق عليه الناس في الدول الليبرالية من رعاية لحقوق الإنسان.

ولا يفصل السيد في ورقته عن  عيوب هذا الفهم، ولكن الاستنتاج من طرحه هو أنه على الرغم من نجاح الحركات الإسلامية بحيث أصبحت "حاجة وأحياناً ضرورة في بعض المجتمعات الإسلامية"، وستحتفظ بمكانة في مستقبلها، إلا أنها تبقى خطراً لأن ظاهرها الليبرالي وقبولها التعايش يخفي باطنية راديكالية تتربص بالمجتمع الدوائر.

وفي نظرنا فإن مقولات السيد تقوم على عدة مستويات من سوء الفهم لأطروحات البنا وقطب، إضافة إلى إسقاط مقلوب للطرح الإسلامي على الظواهر الاجتماعية يتضمن افتراض نقاء وصرامة أيديولوجية في السياسة الليبرالية، يضاهي ويناقض التطهرية الإسلامية. صحيح أن هناك كثير من التطابق بين مقولات البنا ومقولات قطب، التي استقاها بدوره من المودودي. فكلاهما يرى أن المجتمعات الإسلامية قد انحرفت انحرافاً بيناً عن نهج الإسلام، وأن الانحراف لا يقتصر على الدولة كما كان عليه الشأن في عصور الإسلام الأولى حين ساد الملك العضوض بينما بقي المجتمع على إيمانه. وكلاهما يرى ضرورة أن يبدأ بناء المجتمع الإسلامي من نقطة تقرب من الصفر، وقد طيق البنا هذا عملياً حين بدأ حركته بستة أفراد أخذ يعلمهم الوضوء والصلاة. ولكن البنا سرعان ما اكشتف تجاوب المجتمع معه، فتفاعل معه واشتغل بهمومه السياسية.

يذكر ان كلا من المودودي والبنا قدم أطروحاتهما في وبلادهما ما تزال ترزح تحت  الاستعمار، مما عزز عندهما من احتمالات الصدام العنيف، ولكن بعد تحضير فكري وسياسي مناسب. ولم يكن هناك خلاف على ان الدعوة بالحسنى هي السبيل لبناء التيار الاسلامي. الخلاف بين روية البنا والمودودي (ومعه قطب)، تركز على توصيف دور العمل السياسي في جهود الانتقال من المجتمع "الجاهلي" الى المجتمع الاسلامي. فقد كان المودودي (وبصورة اكثر حدة قطب) لا يرى مكاناً للعمل السياسي، وما يقوم عليه من مازنات وتسويات، في الجهاد لبناء مجتمع إسلامي. فالأمر يبدأ بدعوة الناس الى الهدى والصبر على الأذى في سبيل ذلك حتى يتميز صف المسلمين وينشأ المجتمع التوحيدي، فتقع المنازلة بينه وبين معسكر الشرك فيقضي الله أمرا كان مفعولا. اما البنا فلم يستنكف عن العمل السياسي والتحالفات، بما في ذلك  إرسال الرسائل الى الزعماء والتفاوض مع القوى السياسية.

من هنا فلو صحت مقولة السيد في ان النهج القطبي هو جوهر الأيديولوجية الاسلامية في تجليها الإخواني، لكان الأجدى ان يعتزل الاخوان السياسة ويتفرغوا للدعوة حتى يكتمل الصف الاسلامي وتقع الهجرة ثم يعلن الجهاد. وهناك أوجه التباس عديدة لمن يختار هذا المنهج، لانه يطرح تساؤلات حول كيفية الإمساك عن السياسة، والأعراض عن الانخراط في العملية الديمقراطية او مقارعة الدكتاتوريات. جدير بالذكر أنه لا المودودي ولا قطب التزم بهذه القطيعة مع السياسة في بلدانهما، فقد خاضا غمارها وانغمسا في وحلها، رغم تحفظاتهما النظرية، وكفي بهذا دحضاً لتلك المقولات.

ولا يعني هذا أن النهج الثاني خال من المساقط والعثرات، ولكن لعله من المفيد هنا أن نذكر هنا أن حسن البنا لم يكن سياسياً محترفاً، فضلاً عن أن يكون من خبراء علوم السياسة. فقد اقتحم رحمه الله غمار السياسة وهو معلم ناشيء في الواحدة والعشرين من العمر (أي في عمر طلاب الجامعة اليوم)، ولقي ربه وهو في الثانية والأربعين، كما أنه عاش في فترة مضطربة شهدت تغيرات واسعة لم يكن من السهل التنبؤ بمآلاتها في تلك الأيام. وعليه فمن الخطل محاكمة البنا إلى مفاهيم سياسية تبلورت بعد رحيله، فضلاً عن الاقتداء بنهجه. وعليه فإن توجيه انتقادات للبنا على أساس شعارات راديكالية تبلورت في العهد الناصري، أو مفاهيم ليبرالية لم تنضج بعد، هو من قبيل تسييس التحليل، وتغليب الأيديولوجيا على الفهم العلمي.

وهذا يقودنا إلى النقطة الأخيرة في إشكاليات تحليل السيد. فهو حين ينتقد تحولات الحركة الإسلامية وما وقع من قبول منها لبعض المفاهيم الليبرالية وقبول بعض المفكرين الليبراليين لها على أنه سوء فهم من قبل الليبراليين "المخدوعين" هو في حد ذاته سوء فهم لتشكلات المجتمع والسياسية، حيث يفترض وجود نماذج مثالية خارج التفاعل الاجتماعي يقع التحاكم إليها. فإذا كان الفاتيكان وقف منذ الثورة الفرنسية معادياً لمفهوم حقوق الإنسان باعتباره خروجاً على الدين، ثم عاد في مجمع الفاتيكان الثاني في الستينات فتبنى حقوق الإنسان شرعة، ثم تحول في عهد جون بول الثاني إلى "مناضل" من أجل حقوق الإنسان، هل هذا يعني أن زعامة الكاثوليك تظهر خلاف ما تبطن، وأن بقية العالمين انخدعوا بها؟ وحتى قبل هذا، هل هناك حقيقة أي فرق جوهري بين مفهوم حكم القانون وحكم الشريعة إذا كان المجتمع المعني يؤمن بالشريعة؟

ليست تحيللات السيد، على عمق إدراكه للقضايا موضوع السجال ومساهماته العديدة في هذا المجال، إلا تجسيد لنهج تحليلي ساد في العالم العربي (وخارجه) يحتاج إلى كثير من التمحيص للفصل بين مركباته الايديولوجية ومسلماته السياسية وجوهره التحليلي. فلا الحركات الإسلامية ولا من يتولون مهمة تحليلها (ومكافحتها) بمنفصلين عن مجتمعنا وأوهامه وتوازنات القوى فيه. وقد أصاب السيد حين ختم دراسته أن تداخل الحركات الإسلامية مع المجتمع، وتجذر مفاهيمها للدين التي "ارتبطت به وارتبط بها" بما يصعب فك هذا الارتباط وإخراج ههذ المفاهيم "من يقين العامة وبعض الخاصة إلا في مديات متطاولة من نجاح الدولة والحكم الصالح." واستشهد السيد في آخر حديثه ببيت جرير وهو يستبعد مثل هذا الصلاح:

فهيهات هيهات العقيق من به
وهيهات خل بالعقيق نواصله

ولا شك أن المشكلة هي في هذا الغياب والتمنع من خلان جرير –ورضوان السيد- وقد بدأن هؤلا ء الخلان أبعد ما يكونون ونحن نشهد في لقائنا في بيروت ذاك ما لا ينبيء بوصل قريب بهم.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.