هناك سؤال يطرح نفسه ونحن في هذه المرحلة من صراعات المؤتمر الوطني الظاهرة والخفية التي كان ينبغي ألا تهم إلا أهلها لولا أن هؤلاء "الأهل" يحكمون البلاد، ألا وهو: هل كان د. غازي صلاح الدين وصحبه من الغباء بحيث توهموا إمكانية إصلاح حزب الحكومة بآلياته الخاصة ثم استخدامه لإصلاح حال البلاد؟ وإذا كانت الإجابة على الأرجح بلا، فأي هدف كانوا يسعون إليه في واقع الحال؟ وما هي خياراتهم الآن بعد أن فشل ذلك المسعى؟
من الواضح أن غازي ومجموعته كانوا يأملون في تحقيق قدر من النفوذ يتيح لهم الضغط على القيادات العليا لتحقيق إصلاحات محدودة تنقذ النظام من انهيار كامل وشيك. فقد جمع غازي حوله طائفة من شباب الحزب الناقمين على ما آلت إليه الأوضاع في الحزب والبلاد، وكان يعتقد أنه مع مرور الوقت، فإن كفة التيار الذي يمثله سترجح. فمن ضم الشباب إلى صفه، ضمن المستقبل.
من هنا فإن الصراع الجاري حالياً في أروقة الحزب يختلف نوعاً ما عن الصراع الذي دار في نهاية التسعينات، لأن ذاك كان الصراع على احتكار السلطة لا تقاسمها. هناك تشابه جزئي لأن الهدف في التسعينات لم يكن في أول الأمر انتزاع السلطة من الشيخ حسن الترابي، وإنما تحجيم نفوذه. ولكن الأمر تطور عبر تقلبات الصراع إلى حرب مواقع في البرلمان والحزب، انتهى بالقطيعة بعد طرد الشيخ الترابي من قيادة الحزب عبر حل تلك القيادة. عندها فقط اختار الشيخ وأنصاره إنشاء حزب بديل.
وقد كان غازي ومجموعته يرفضون سلوك ذلك الطريق، لأنه في رأيهم أدى بأصحابه إلى البيداء وحرمهم من أي نفوذ على الحزب والدولة. ولكن هؤلاء يتناسون أن الشيخ الترابي لم يختر طريق المفاصلة أيضاً، بل سعى إلى العمل من داخل مؤسسات الحزب. فعندما نجح أصحاب مذكرة العشرة في تحجيم نفوذه نسبياً، تراجع عن تعهده السابق بالاستقالة من رئاسة البرلمان، واستخدم البرلمان والحزب معاً كقواعد لمقارعة خصومه. وخلال العام الذي مر بين المذكرة وحل البرلمان، قام الشيخ الترابي بإعادة بناء الحزب من القواعد، فعقد مؤتمرات في كل أنحاء البلاد، وجاء بمجلس شورى جديد حرص على أن يستبعد منه من تولوا كبر المذكرة. وبإحكام قبضته على الحزب والبرلمان معاً، قام بتضييق الخناق على الرئيس ومجموعته حتى لم يجدوا بداً من الانقلاب عليه على طريقة عبدالفتاح السيسي.
هذا المسار غير متاح لغازي وجماعته، لأنهم يفتقدون الوضع المتميز الذي كان يحتله الشيخ الترابي    ، وبالتالي فإن أقصى ما كان يمكن في المرحلة الأولى هو أن يصبحوا شركاء في اتخاذ القرار، وهو نظرياً متاح، كونهم كانوا "قياديين" في المؤتمر الوطني. ولكن كما هو المعتاد في حال حكومتنا السنية، فإن النظرية شيء والواقع أشياء أخرى. وعليه فإن مقترحاتهم التي تقدموا بها للرئيس كانت متواضعة ولا تشمل حتى أدواراً لهم في تنفيذها. وكان ملخص هذه المقترحات هو توسيع البرلمان ليشمل ممثلين عن المعارضة في بقية الفترة الانتقالية وإنشاء آليات مشاركة في إدارة هذه الفترة مع المعارضة.
ولا شك أن هذه مطالب متواضعة جداً، خاصة وأن معظم ما يسمى ب "المعارضة" (أي حزبي الأمة والاتحادي) يشارك في الحكومة أصلاً. وإذا كان المؤتمر الوطني يتمتع بدعم شعبي كاسح كما يزعم، وكانت الأحزاب "الكبيرة" تقف إلى جانبه، فماذا كان يضيره لو فتح المجال لبقية القوى السياسية للمشاركة في إدارة الفترة الانتقالية والتنافس على أسس عادلة في الانتخابات؟ ولكن هذا الرفض القاطع حتى لمثل هذه المقترحات البسيطة يشي بأن المجموعة القابضة على السلطة ليست لديها أي نية للقبول بمشاركة في السلطة، حتى من قبل "قياديي" المؤتمر الوطني، ناهيك عن المعارضة.
وفي ظل هذا التشبث باحتكار السلطة والاستعداد للقتال دونه حتى آخر لحظة على طريقة بشار الأسد، فإن الحديث عن الانتقال السلمي للسلطة يصبح غير ذي موضوع. ومن الواضح أن أركان النظام لا يرون حاجة لهذا الحديث أصلاً، ولا يرون ضرورة له. فالنظام عندهم مستقر راسخ، والمعارضة مقسمة وبائسة. وعليه فإن الحوار الوحيد هو حول طريقة الاستسلام. ولو كان هذا صحيحاً، وكانت قبضة النظام على السلطة محكمة وغير منازعة، لما كان هناك حاجة للحديث عن إصلاح وانتقال ومفاوضات مع المعارضة. ولكن الواقع هو أن قبضة النظام مهتزة، وشرعيته مقدوح فيها، وهو وضع يعترف به بإكثاره من المفاوضات مع معارضيه. ولكن النظام في نفس الوقت غير جاد في هذه المفاوضات، وغير قادر وغير راغب في الإصلاح والوصول إلى تفاهمات حقيقية مع خصومه. وهذا يعني أنه سيظل في حالة حرب مع بقية القوى السياسية إلى ما لانهاية، أو لحين سقوطه. أما انتصاره في هذه الحرب فهو غير مؤكد، بل غير محتمل، لأن الأمر لو كان كذلك لكان الآن في وضع مختلف. فشرعية النظام وشعبيته في تآكل وتراجع، حتى بين أنصاره المقربين. وهذا هو تحديداً ما دفع بالإصلاحيين للضغط من أجل تغييرات تخفف الضغط عن النظام وتساعد على المدى الطويل في استقرار البلاد.
وفي حقيقة الأمر إن الحديث عن "انتقال للسلطة" بعد ربع قرن من الحكم يشير إلى فشل ذريع، لأن أي نظام ناجح كان ينبغي أن يكون أنجز خلال تلك الفترة أدوات الاستقرار من دستور متوافق عليه وقواعد للحكم وتداول السلطة مرتضاة من كافة القوى السياسية. أما أن يكون النظام بعد ربع قرن في حالة "مؤقتة" ومرحلة  انتقالية فهذا يعني أنه ظل يراوح مكانه ويعاني من الهشاشة وفقدان الشرعية.
ولكن الإشكال هو: ماذا بقي أمام "الإصلاحيين" من خيارات بعد رفض مقترحاتهم وإخراجهم من الحزب مع إصرار القيادة على رفض أي تفاوض جاد مع المعارضين؟
هناك بالطبع خيار تشكيل حزب معارض من أنصار النظام السابقين، ولكن هذا لن يكون الحل الأمثل، لأن المشكلة ليست في نقص الأحزاب المعارضة. ومهما يكن فإن الإصلاحيين يصرون على أنه يشاركون المؤتمر الوطني برنامجه، مما يطرح سؤال ما الذي يقنع أنصار هذا البرنامج للانضمام إلى حزب معارض في حين أن حزبهم في السلطة؟ وقد كانت أهمية إصلاحيي المؤتمر الوطني تنبع من نفوذهم المفترض داخل الحزب والنظام، ومقدرتهم على أن يكونوا جسراً بين النظام ومعارضيه. أما إذا فقدوا هذه الخاصية فإن أهمية آرائهم ومواقفهم تقل كثيراً. ويبقى الخيار عندئذٍ هو إما الانضمام للمعارضة والعمل على إسقاط النظام، أو الاستمرار في حشد الأنصار من داخل النظام وممارسة الضغط عبر وسائل وقنوات أخرى. بمعنى آخر، أن يسعوا إلى قيادة الحزب من الخارج بعد أن فشلوا في قيادته من الداخل.
وفي حقيقة الأمر فإن أفضل فرصة لانتقال ديمقراطي سلمي تتوفر لو أن جهة  تمثل أنصار النظام دخلت في حوار حقيقي مع بقية القوى السياسية من أجل تأمين مستقبل البلاد على أساس شراكة تسع الجميع. وبالطبع فإن الأفضل لو أن قيادة النظام القائم لعبت هذا الدور. وقد كان هدف الإصلاحيين الضغط في هذا الاتجاه. ولكن بما أن هذا الجهد لم يثمر، هل باستطاعة الإصلاحيين جذب غالبية أنصار النظام إلى صفهم والتفاوض باسمهم؟
يمكننا أن ندرك حجم نفوذ هذه الفئة داخل عضوية الحزب، إن لم يكن داخل مؤسساته، لو أن قطاعات من داخل الحزب ضغطت، في الحد الأدني، لعكس قرار فصل القياديين. فهذا أضعف الإيمان.
باختصار نقول إن أهمية "إصلاحيي" المؤتمر الوطني لا تنبع من توجهاتهم المؤيدة للديمقراطية وللتفاهم مع القوى السياسية الأخرى، وإنما من قدرتهم على إقناع عضوية المؤتمر بهذه الآراء وتغيير السياسات الحكومية في اتجاهها. وإذا تعذر هذا فمن بقدرتهم على تمثيل القطاع الأوسع من مؤيدي النظام والتحاور باسمهم مع القوى السياسية الأخرى حول الانتقال. وأخيراً، بانتفاء كل ما سبق، قدرتهم على سحب الشرعية من النظام وتعجيل سقوطه حال قرارهم الانضمام للمعارضة. وقد حدث هذا في مرات سابقة، على سبيل المثال عندما انشق وزير الدفاع مع مجموعة صغيرة من الجنود عن نظام ماركوس في الفلبين عام 1986، فسقط النظام خلال أيام.
سننتظر لنرى ماذا يقرر الإصلاحيون بعد أن وصل طريق "الإصلاح" إلى نهايته المعروفة سلفاً عند الكثيرين.
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////