(1)

هناك معضلة كبرى تكتنف أي محاولة للتعامل "ديمقراطياً" مع نظام غير ديمقراطي. وخلال الاسابيع الماضي تابعت على قناة الجزيرة شهادة القيادي البعثي السوري السابق أحمد أبوصالح التي كشف فيها كيف تزايدت باضطراد صعوبة إجراء أي حوار حقيقي بين قيادات الحزب، ناهيك عن قواعده، كلما اشتدت قبضة الحزب على السلطة وتعززت فيه نفوذ الضباط والأمن. وانتهى الأمر بكثير من قادة الحزب إلى المنافي والمعتقلات والتعذيب، وبعضهم أعدم او قتل بطرق أخرى.

(2)

لم تصل الأوضاع في السودان إلى الحدود التي وصلتها في سوريا والعراق وغيرها من تصفيات متبادلة بين رفاق الأمس، ولكن الاختلاف اختلاف درجة لا نوع. فمبجرد قيام حزب سياسي معين بالاستيلاء على السلطة بغير طريق ديمقراطي، يصبح من غير الممكن ممارسة الديمقراطية في داخل ذلك الحزب. ذلك أن أجهزة التحكم التي تبقي ذلك الحزب في السلطة تأخذ الأولوية على آليات التشاور في داخل مؤسساته، وتخضعها لسلطانها. فالزعيم السياسي لا يحكم بأجهزة الحزب وإنما بأجهزة الأمن.

(3)

ظهر ذلك جلياً في حالة المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم اسماً في السودان، منذ مراحله الأولى. فرغم أن الحزب له لوائحه ومؤسساته التي يتم اختيارها بالانتخاب في الظاهر، إلا أن الحزب كان من الأول صنيعة النظام: يحدد من ينتمي إليه كما يحدد من يتخذ القرار فيه وكيف. على سبيل المثال فإن اختًيار د. غازي صلاح الدين اميناً عاماً للحزب عام 1996، ثم استبداله بالشيخ حسن الترابي عام 1998 تم من قبل أجهزة الدولة ولم يكن الانتخاب إلا مسألة شكلية. بل هناك شهادات من داخل أروقة الحزب بأن الانتخابات زورت أكثر من مرة.

(4)

الأمر نفسه أثبتته "مذكرة العشرة" التي وقعها عشرة من أعضاء مجلس شورى المؤتمر الوطني عام 1998 وطالبوا فيها بتقليص صلاحيات الأمين العام وقتها الشيخ الترابي. فهذه المذكرة وقعت حسب لوائح الحزب، وتم تقديمها لمجلس الشورى الذي أجازها. وبالتالي لم تعتبر خروجاً على الحزب وإنما ممارسة للديمقراطية في إطاره. ولكن قيادة الحزب ممثلة في الشيخ الترابي، كانت أعلم بالأمور، وفهمت الخطوة بأنها تمرد، خاصة وأن بعض قيادات الدولة دعمتها سراً وعلناً. ففي الأحزاب التي تحكم استبدادياً ليست هناك ديمقراطية إلا بإذن.

(5)

بنفس القدر فإن ردة فعل النظام السوداني العنيفة على ما سمي بمذكرة الإصلاحيين في المؤتمر الوطني، ثم رسالتهم المفتوحة لرئيس الجمهورية بعد الاحتجاجات الأخيرة يجب ألا تكون مستغربة. فقد كان الإصلاحيون اعدوا مذكرات بمطالب ومقترحات أرادوا تقديمها لرئيس الحزب والدولة الرئيس البشير. ولكن الأخير كان أعلن أنه أعد لجنة برئاسة رئيس البرلمان أحمد ابراهيم الطاهر طلب أن تقدم كل المقترحات لها، وهو ما رفضه أصحاب المذكر، وأصروا على تقديمها للرئيس شخصياً. وبحسب علمي فإن طلبهم لقاء الرئيس لم تتم الاستجابة له حتى تفجر المظاهرات ضد سياسات الحكومة الاقتصادية، مما دفعهم لنشر رسالة مفتوحة للرئيس يطالبون فيها بتطبيق المطالب التي اشتملت عليها مذكرتهم.

(6)

اعتبر النظام هذا الموقف تمرداً، وشكل لجنة لمحاسبتهم أوصت بتجميد عضوية قادة المجموعة، ولكن المكتب القيادي برئاسة البشير أوصى في نهاية اجتماعه في الساعات الأولى من صباح أمس الخميس بفصل غازي وقياديين آخرين من عضية المؤتمر. وبحسب حيثيات القرار فإن المجموعة اعتبرت متمردة لأنها تعقد اجتماعات خاصة بها خارج أطر الحزب وتعقد لقاءات مع أحزاب المعارضة، وقد كان توقيت رسالتها للرئيس دعماً للمعارضة وتقاعساً عن دعم النظام في ساعة حرجة.

(7)

لا آتي بجديد إذا قلت أنني أتفق تماماً مع حيثيات القرار، لأن الإصلاحيين ارتكبوا أخطاء عدة، أولها الاعتقاد بأن الحزب فيه مساحة للحوار الديمقراطي، أو حتى أنه حزب وليس أداة سياسية في يد نظام قمعي استبدادي. أخطأوا كذلك حين اعتقدوا ان النظام قابل للإصلاح بأدواته الذاتية، أو أنه يريد الإصلاح أصلاً. ويصعب تبرير هذا الخطأ لمجموعة تعرف تماماً آليات عمل النظام، وقد خبرتها من الداخل، بل وساهمت في تفعيلها. فهذا النظام لن يسمح بأي تحرك مستقل فاعل من داخله كما لا يسمح بذلك من خارجه. وحتى الآن، فإن أي تغييرات تمت جاءت بضغط خارجي أو بضغط من الحركات المسلحة.
.

(8)

هناك نكتة كانت متداولة بين المصريين أيام حكم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر ملخصها أن رجلاً وقف في عرض الشارع وهو يدعو الله أن يأخذ الحاكم الظالم أخذ عزيز مقتدر، فاعتقلته الشرطة وقدم للمحاكمة. حكم القاضي على المتهم بستة أشهر سجناً بتهمة الإساءة لرئيس الجمهورية، فاعترض الرجل قائلاً: يا حضرة القاضي، إنني لم أتعرض لرئيس الجمهورية، وإنما دعوت على الحاكم الظالم! فرد القاضي: وهو في ظالم غيره؟ خذوه إلى السجن!

(9)

نفس الرد تقدمت به قيادة المؤتمر الوطني على مطالب الإصلاحيين: وهل هناك فاسد غيرنا؟ بمعنى آخر، إن الفساد والاستبداد هما السياسة الرسمية للحزب والنظام، وأي مطالبة لمحاربة الفساد وتوسيع المشاركة هي تمرد وخروج على الحزب والدولة، وتقويض لأسس النظام وانحياز إلى صفوف المعارضة. وعليه تجدنا نؤيد توقيع أقصى العقوبات على هذه الفئة المارقة على مبدأ: "أخرحوا آل لوطٍ من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون".
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]