عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
دخلت مصر منذ زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس في عام 1977 إلى نفق مظلم، وتحولت من دولة عربية إلى "أزمة عربية". ويكاد كل ما شهده العالم العربي من كوارث منذ ذلك التاريخ عبارة عن نتائج جانبية وهوامش على هذا التحول. فباستقالة مصر من العروبة تحولت إسرائيل، حليف مصر الأوحد حينها، إلى القوة الكبرى الوحيدة في المنطقة. وبسند مصري صامت وناطق، بادرت إسرائيل بغزو لبنان بعد أقل من شهرين على توقيع اتفاقيات كامب دايفيد في ابريل عام 1978، ثم أعادت الكرة في عام 1982، قبل أن تضم القدس والجولان بدون رادع، وتقصف مفاعل العراق. وعموماً مارست الهيمنة في المنطقة بديلاً عن مصر التي ذابت في الكيان الصهيوني، وبغطاء منها.

كنتيجة لهذه المأساة، تقدمت بغداد لملء الفراغ الذي تركته القاهرة، وبنتائج كارثية إضافية. فمع تفجر الثورة الإيرانية، دخلت بغداد في صراع مع حلف طهران-دمشق الذي كان يسعى بدوره للهيمنة في المنطقة. انحاز الخليج إلى بغداد وقتها لانعدام البدائل، ودخلت مصر في ذلك الحلف كتابع لا قائد. وعندما وقعت كارثة غزو الكويت، ظهرت فرصة لمصر لتستعيد مكانتها، ولكنها بدلاً من ذلك ساهمت في تدمير العراق وسلمت الخليج للولايات المتحدة.

وهكذا ظلت مصر الدولة-الأزمة طوال العقود الماضية تنشر عدوى الفشل والتبعية، وتقديم المصالح الضيقة على الأهداف الاستراتيجية. فبعد أن كانت عندنا أزمة واحدة (فلسطين) وعشرين دولة عربية، تحولت الدول العربية تباعاً إلى أزمات: لبنان، السودان، الصومال، العراق، الجزائر، وأخيراً سوريا، والعملية مستمرة. وعندما تفجرت ثورة 25 يناير المباركة في عام 2011، اسبتشر العرب والعالم بعودة مصر إلى دورها الريادي، ولكنها انتكست بعد انقلاب الثالث من يوليو الماضي نكسة جعلت عهد مبارك يبدو عصراً ذهبياً بالمقابل.

كانت مصر في عهد مبارك دولة المخابرات وخادم أمريكا في المنطقة، وكانت تكمم أفواه شعبها ولكنها تطعم ذلك الشعب من عائد بيع قرارها السيادي. أما مصر اليوم فإنها جمهورية البلطجية التي تقتل شعبها وتصنع في سيناء ما كانت أمريكا تصنع في أفغانستان والعراق، وإسرائيل في لبنان وغزة. مع الفارق، بالطبع، وهو أن أولئك كانوا يستخدمون أسلحة ذكية، بينما سلاح بلطجية مصر اليوم هو الغباء مجسداً. ولو كانت الأساليب المتبعة في سيناء والقاهرة اليوم ذات نفع، لكانت أمريكا ما تزال تحكم فيتنام، وروسيا ما تزال تسود في أفغانستان، ولما خرج شارون من غزة. وبعد أن كانت مصر خادم أمريكا في المنطقة، حصلت على ترقية فأصبحت خادم خدام أمريكا.

مصر المباركية كانت باهتة بلا لون ولا طعم ولا رائحة، وكان إعلامها باهتاً سقيماً يبعث على الإغماء ضجراً. ولكن مصر اليوم فاقعة بلون الدم، وإعلامها يروج لهيستريا هي خليط بين الجنون الهتلري وهوس كوريا الشمالية. مصر مبارك غابت عن الخارطة مثل أمريكا قبل كولومبوس، ولكن مصر النازية الجديدة تفرض وجودها على الخارطة بكتلة نار تحرق كل شيء. مصر اليوم تصحو على الرعب وتنام على الكذب، وتلتهم أبناءها وأرضها وتوشك أن تلتهم جيرانها كما نرى من النزاع المفتعل مع غزة المحاصرة التي تتهم بأنها تصدر السلاح والرجال إلى مصر التي يقترب عدد سكانها بسرعة من المائة مليون وتصنع السلاح وتصدره، بينما غزة لا تجد –بفضل مصر الجديدة- ما تأكله!

مصر اليوم دولة-أزمة بامتياز، تتأرجح بخطورة شديدة بين نماذج الجزائر والصومال وسوريا، وتشتعل ناراً من لهيب البنادق، وأخطر من ذلك من لهيب الكراهية والأحقاء التي تأكل الصدور، وتفيض على الفضاء الإعلامي الأحادي في مرضه وسقمه. وعندما تجد دولة –او قرية- نفسها في وضع كهذا، من الواجب أن يهب رجال الإطفاء للتعامل مع الحريق. وليس المهم عندها السؤال عن هوية أو جنسية رجل الإطفاء، وإنما عن قدراته ومهاراته وما إذا كان يمتلك الأدوات اللازمة لأداء مهمته. وليس الأمر كذلك إلى أهل الدار وحدهم لكي يحددوا متى يجب إطفاء الحريق وأي المناطق يجب أن يسمح له بالتهامها. فهناك آراء تشبه تلك التي تبلورت حول سوريا (وكما تبلورت كذلك حول العراق قبل غزوه) ترى أن ما تلتهمه النار يستحق الالتهام، مثل النار التي يشعلها المزارعون عمداً لحرق الأشجار حتى يزرعوا مكانها. ولعل المثل الأقرب هو مثل إخوة يوسف حين زينت لهم أنفسهم قتل أخيهم، فقال قائلهم: لنرتكب هذه الجريمة الواحدة، ثم نكون من بعدها "قوماً صالحين".

إلا أن المشكلة هي أن كل جريمة تصبح سلسلة من الجرائم. فجريمة خطف يوسف تم التمهيد لها بكذبة، ثم كان لا بد من اختراع سلسلة أكاذيب أخرى للتستر عليها. وكذلك جريمة العدوان على  الشرعية في مصر، تم اختراع أكاذيب لا تحصى للتمهيد لها وتبريرها، وكذلك ارتكاب جرائم لا تغتفر من حرق وقتل وتدمير وبلطجة. ثم توالت الجرائم، وبدلاً من أي يكون القوم من بعدها "قوماً صالحين"، أصبحوا يزدادون كل يوم ولوغاً في إجرام يحتاج إلى مزيد من الجرائم لسترها ومن الأكاذيب لتبريرها، حتى أصبحوا يكذبون على أنفسهم!

المهم أن أمر مصر لا يخصها وحدها. وقد أسلفنا أن مصر عندما انزوت وتجمدت لبرهة من الزمان، تحول العالم العربي من حولها إلى مسرح من اللامعقول، وساحة للفوضى والاستهداف. أما اليوم وقد احترقت مصر وانهمكت في انتحار سياسي وأخلاقي معلن، فإن اللهيب لن يقف عند حدود سيناء والاسكندرية ومرسي مطروح وأسوان، وإنما سينتقل إلى بقية أرجاء المنطقة.

من هنا فإن الأمر لا يحتمل التفرج، وإن كانت بداية التحرك لا بد أن تأتي من أرض الكنانة نفسها، حيث يجب أن تبدأ سلسلة "انقلابات" مضادة تعيد الأمور إلى نصابها. ولعل البداية تكون من داخل حركة الإخوان المسلمين، كبرى الحركات الإسلامية في مصر والعالم. فهذه الحركة تحتاج إلى تغيير فوري وجوهري في القيادة والمنهج، وهو تغيير طال انتظاره، وظل الكثيرون من داخل الحركة وخارجها يدعون له. ولكن الآن لم يعد يحتمل التأخير.

حركة الإخوان مسؤولة أكثر من غيرها عن الواقع الحالي، لأنها تولت قيادة الدولة المصرية في مرحلة حرجة من تاريخها فعجزت أن توحد الإسلاميين حولها، ناهيك عن بقية أهل مصر، ووفرت لأعداء الديمقراطية الغطاء والمبررات للانقلاب عليها. ولا شك أن هناك فرقاً نوعياً بين مسؤولية الإخوان وحكومة مرسي ومسؤولية من قوض الديمقراطية متعمداً بالقول والفعل. فكما ذكرت في أحد أول تعليقاتي على الانقلاب، فإن مرسي ارتكب كثيراً من الحماقات والأعمال الغبية، ولكن خصومه بمالقابل ولغوا في الإجرام، وهناك فرق كبير بين الغباء والإجرام.

ولكن هذا لا يعني أن الغباء لا ينبغي أن يعاقب، خاصة حين يكون غباء من هم في قمة المسؤولية. ولعله من سنن الله في الأرض أن العقوبة تعجل على الغباء ولكنها قد تؤجل على الإجرام. وقد عوقب التنظيم على جنايته، ولكن العقوبة لا تعني المعافاة. وإذا لم يكن التنظيم بمجمله تجمعاً من الحمقى والأغبياء، وهو ما لا يقول به عاقل، فلا بد من أن يصلح شأنه. ولعل البداية تكون بأن يتقدم أعضاء مجلس الإرشاد استقالات جماعية، وفتح الطريق أمام قيادة جديدة تتولى معالجة ذيول الأزمة.

ولا عبرة هنا بما ظلت القيادات تردده منذ أيام عبدالناصر بضرورة الالتفاف حول القيادة القائمة بغض النظر عن أخطائها لأن الظروف لا تسمح بالتغيير. فقد ظل التنظيم يختار قياداته بطريقة ما، فلتستخدم هذه الطريقة لاختيار الأصلح بدلاً من الأفشل.

الانقلاب الثاني المطلوب هو ثورة شعبية شاملة لتطهير كل البلاد وكل مؤسسات الدولة من الفساد والتخريب. فقد كان الخطأ الأكبر بالنسبة لثوار 25 يناير هو التركيز على ما يحدث في قمة السلطة والغفلة عما يقبع في تضاريس الدولة والمؤسسات شبه الحكومية، خاصة الأمن والشرطة والقضاء والإعلام. فالقضاء المصري أثبت أنه نقطة الضعف في جدار الدفاع عن الثورة، لأنه استغل من قبل النظام القديم لتقويض مكاسب الثورة، وأصبح اليوم يوفر ورقة التوت لستر عورة الانقلاب. وبنفس القدر فإن الإعلام الرسمي أظهر أنه أشد بؤر الفساد فتكاً بالنسيج الأخلاقي للمجتمع. أما الأمن والشرطة والجيش والسلك الدبلوماسي فحدث ولا حرج. وعليه لا بد من تشكيل جبهة ديمقراطية عريضة تلتف حول مبادئ الشفافية والمساءلة، وتطهير وإصلاح القضاء وتطهير الشرطة والأجهزة الأمنية، وتحرير الإعلام وإنهاء أي هيمنة للدولة على أجهزة الإعلام. وهذا يتطلب بدوره نجاح الثورة في داخل مجمل الحركات الإسلامية واندماجها الكامل في إطار الحركة الديمقراطية الشاملة التي وحدها تضمن الثورة الحقيقية و "الانقلاب" الصحيح على من انقلب على الديمقراطية وعلى من فرط فيها.