(1)

من واجب الحكومات في أي بلد النظر في مطالب الشعب والمسارعة بتحقيقها. ولا يمكن لوم الحكومة السودانية على أي تقصير في هذا المجال، لأنها بقرارها الحكيم برفع الدعم عن الضروريات من وقود وخبز ونحوها فإنها تحقق مطلباً عزيزاً للشعب السوداني، ألا وهو زوال النظام.

(2)

منذ أشهر ظلت الحكومة السودانية تهدد برفع الدعم عن المحروقات والخبز، وتطرح المبررات الاقتصادية لذلك، وهي معروفة ولا تحتاج لتكرار. وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات ضرورية لتوفير قرابة أربعة مليارات دولار تصرف على الدعم، ومعالجة عجز ميزان المدفوعات الذي يقترب من خمسة بلايين دولار بعد أن ارتفعت قيمة واردات السودان إلى ما يقرب من ضعف صادراته.

(3)

ولكن قضية دعم السلع ليس قضية اقتصادية صرفة. وفي حقيقة الأمر فإنه لا توجد قضية اقتصادية صرفة، لأن كل شأن اقتصادي هو مسألة اجتماعية وسياسية تتعبق بأسس توزيع موارد الدولة على مستحقيها (وغير مستحقيها). والدور الصحيح لأي حكومة هو أن تسهر على العدالة بين الناس، فتحمي الضعفاء من الأقوياء وتأخذ للفقراء من الأغنياء.

(4)

النظام الحالي متهم بأنه لم يراع العدالة في التوزيع ولا حسن الإدارة لموارد البلاد، وكلها تهم لها ما يبررها. فقد تدفقت على البلاد خلال العقد الماضي موارد مقدرة من عائدات النفط وغيرها، إلا أنها لم تستثمر بحكمة، وإنما أنفقت بكثير اللامبالاة لتحقيق أهداف سياسية، بينما أهدرت موارد كثيرة على الحروب والمغامرات الخارجية. وحتى في زمن الوفرة لم توزع الموارد بالعدل، حيث وجه ثلاثة أرباع الصرف الحكومي للإنفاق الأمني والعسكري ومخصصات كبار المسؤولين.

(5)

يتحدث كثير من منتقدي الحكومة عن فساد ينخر في أجهزة الدولة، وفي حقيقة الأمر فإن أكبر الفساد هو الممارسة الرسمية التي توجه الموارد إلى غير أهلها وغير مصارفها فليست المشكلة في أن يختلس هذا الموظف أو ذاك بضع دريهمات، وإنما الفساد الأكبر هو توسيد الأمر إلى غير أهله.


(6)

من المفهوم أن تتخذ دولة ما إجراءات اقتصادية تمليها ضرورات حسن إدارة المال العام. ولكن الحكومة المعنية يجب أن تكون شرعية أولاً ومرضية من الشعب، كما يجب أن تكون قد اتخذت كافة الإجراءات الضرورية لترشيد الإنفاق وحسن توزيع الموارد. ثم بعد ذلك كله وقبله، لا بد أن تمارس الشفافية وتطلع كل الشعب على تفاصيل الأمور.

(7)

المؤكد أن الحكومة بقرارها المزمع لرفع الدعم عن الأسعار ستفجر الأوضاع، وهي أوضاع متفجرة سلفا كما نرى في نواحي كثيرة من البلاد، آخرها ولايات جنوب وشرق دارفور التي تشهد حروباً قبلية واضطرابات وعمليات احتجاج وتدهور أمني. والمرجح أن هذا سيؤدي إلى إسقاط النظام، وهو ما يريده الشعب.

(8)

من الأفضل للبلاد وللجميع أن تختصر الحكومة الطريق وتدخل في مفاوضات مباشرة مع المعارضة لتشكيل حكومة تقود البلاد بسلام نحو مرحلة انتقالية، وتمهد لتحول ديمقراطي بالتراضي بين كافة الأطراف السودانية، وتنهي الحروب الدائرة في أرجاء البلاد. ذلك أن البديل لن يكون أفضل للنظام ولا للبلاد. فلن تستفيد البلاد شيئاً من اضطرابات تعم أرجاءها وتدمر القليل الموجود ثم تعيدنا إلى نقطة الصفر، وقد تفرض الحاجة إلى إجراءات تقشفية أشد صرامة.

(9)

ولكن هذا هو بالضبط ما سيحدث إذا ركبت الحكومة رأسها، واستمرت في الانفراد بالأمر. فليس بالاقتصاد وحده يحيا الإنسان، والكرامة لا تقل عند أي إنسان قيمة من المكاسب الاقتصادية. فالناس تضحي بالأرواح من أجل الكرامة. فالأمر الآن بيد الحكومة: إما أن تعطي الشعب مايريد برفع الأسعار وتفجير ثورة شعبية تقتلعها، أو تتوخى الحكمة فتسلم الأمر لأهله قبل فوات الأوان وخراب ما بقي من البلاد. الأول قرار حكيم، والثاني أحكم.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]