Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]


(1)

"أنشغل الرأي العام هذه الأيام بالمشكلة القائمة بين الرزيقات والمعالية والتي تطورت في الأونة الأخيرة وأودت بحياة المئات من أبناء القبيلتين. وهذه المشكلة التي أضيفت إلى حصيلة السودان من المشاكل... هي مشكلة قبيلة تشكل اقلية في المنطقة تطالب بأن تكون لها السيادة الكاملة... وكثير من الناس... افترض أن حزب الأمة الممثل في وزير الداخلية ينحاز لجانب الرزيقات في هذه المشكلة- وكل هذه فروض ينقصها التدقيق. والملاحظ ان الصحف كان لها دور فعال في إصرام نار الفتنة بما تنشره من أكاذيب."

(2)

"إن مأساة الضعين...التي  لم نجد لها مثيلا في تاريخنا المعاصر ( نتجت) من غياب السلطة المتعمد ممثلاً في لجنة الأمن بالضعين والشرطة والمسؤول الإداري بالمنطقة... واللامبالاة والاستخفاف من وزير الداخلية. (ونطالب) بإقالة وزير الداخلية فوراً لفشله في حفظ أرواح المواطنين... وموقفه غير المسؤول تجاه الحادث... والاسراع في تكوين لجنة تحقيق محايدة من خارج الإقليم برئاسة قاض وتقديم الجناة للمحاكمة... (ونرفض) اتجاه الحكومة لتكوين الميليشيات القبلية (لأن) مواجهة الخوارج وحفظ النظام العام تقع مسؤوليته على القوات المسلحة والشرطة."

(3)

"نحن لا نستغرب أن تنسج الأساطير حول دارفور في هذه الآونة بالذات ودارفور تتكاتف وتقف قوة واحدة لتشق طريقها الديمقراطي الطبيعي في المجتمع السوداني الواحد والأمة السودانية الواحدة.... فإننا حين نتكتل من أجل نهضة دارفور سياسياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً لا نرى هذا خطراً على الديمقراطية في بلادنا، بل بالعكس إننا نسهم مساهمة فعالة في استتباب الاستقرار السياسي في هذا البلد، لأنه بعدم توحيد الكلمة ينقسم المجتمع أشلاء تتطاحن في نعرات ضيقة كلنا يعرف عقباها."

(4)

ليست هذه الاقتباسات من بنات افكار العبد الفقير إلى مولاه تعليقاً على ما يقع في دارفور هذه الأيام من صراعات قبلية، ولا هي مقتبسات من صحف هذه الأيام وأراء الساسة في السودان حول جذور الأزمة والحلول المقترحة لها. بل إن الماساة هي أن هذه مقتبسات من الصحف السودانية في منتصف الستينات من القرن الماضي ثم منتصف الثمانينات. بمعنى آخر، إن عمق المأساة في البلاد ينعكس في أننا لم نتقدم خطوة خلال أكثر من نصف قرن من الزمان!

(5)

الاقتباس الاول لتعليق نشر في جريدة "كردفان" بتاريخ 29 أبريل 1966 بقلم شخص يتعاطف بشكل واضح مع قبيلة الرزيقات ضد قبيلة المعاليا في صراع القبيلتين الذي تجدد للأسف في الأيام القليلة الماضية، مرة أخرى بأسباب عبثية وببنتائج مأساوية. وكما كان الحال وقتها، هناك اتهامات للدولة محلياً ومركزياً بالانحياز لطرف دون آخر. أما الاقتباس الثاني فهو من وقائع مؤتمر صحفي للجبهة القومية الإسلامية في مايو 1987 ينتقد فيه مسؤولوها مجزرة الضعين التي راح ضحيتها أكثر من أربعمائة مدني من قبيلة الدينكا على أيدي أفراد من قبيلة الرزيقات، ويطالبون بمعاقبة المسؤولين في الدولة بسبب التقصير، ومحاكمة المجرمين. أما الاقتباس الاخير  فهو من بيان لجبهة نهضة دارفور نشر في جريدة "كردفان" في الأول من فبراير عام 1965، أي بعد فترة قصيرة من تشكيل تلك الجبهة التي وحدت جهود أهل دارفور حول أهداف النهضة ومجابهة التخلف وأسبابه.

(6)

الذي يوحد بين كل هذه الاقتباسات ليس فقط الطابع السريالي ل "أخبار" الماضي التي هي أيضاً أخبار اليوم، بل الترحم على ذلك الماضي، حين كان المتحدثون باسمها يبشرون بدارفور الموحدة في إطار الأمة السودانية الموحدة. أما اليوم، فإن الوحدة تكاد تنعدم حتى داخل البيت الواحد في دارفور. أما عن باقي السودان، فحدث ولا حرج. هناك أيضاً الإشارات الدائمة إلى الدور السلبي للدولة وقياداتها، بالغياب أحياناً وبالانحياز لطرف حيناً آخر، بحيث أصبحت الدولة المشكلة لا الحل.

(7)

للأسف تحقق ما حذر منه قادة نهضة دارفور من نتائج للانقسام والتشرذم ولعب الساسة بنار الصراعات القبلية والعرقية طلباً لمكسب عاجل، فكان ما كان، وبالفعل " انقسم المجتمع أشلاء تتطاحن في نعرات ضيقة" نرى عقباها ظاهرة كما رآها أولئك القوم بعين البصيرة قبل نصف قرن من الزمان. نعوذ بالله من عمى الأبصار والقلوب.

(8)

مأساة لا تقل عن هذا هي تحول الإسلاميين من موقف صحيح ومبدئي في إدانة المجازر ورفض دور الميليشيات القبلية والدعوة إلى محاسبة المسؤولين حتى بالتقصير، إلى موقف من يأمر الناس بالبر وينسى نفسه. فقد غذى هؤلاء القبلية ودعموا الميليشيات ولم يحاسبوا المجرمين، ناهيك عن المقصرين. فإذا كانت إقالة وزير الداخلية مطلوبة لأنه فقط قصر في حماية أربعمائة شخص، فاي وزير أو مسؤول حوسب بعد أن وصل القتلى في دارفور والمشردين إلى مئات الآلاف؟ إنها حقاً مأساة كبرى وانحدار أخلاقي مريع!

(9)

ليست مصادفة أن تعيش بلاد ماضيها مثل كابوس متجدد لأن الدولة قصرت في واجبها، ولم تقدم نموذج القيادة الرشيدة، وتبسط العدل بين الناس. بل بالعكس، نجدها أصبحت شريكاً لبعض المجرمين في إجرامهم. فالنزاعات بين الأفراد أو المجموعات هي من طبيعة الأشياء، وإنما وجدت الدولة والحكومات حتى تحكم بين الناس بالقسط. وأول واجبات الدولة أن تمنع عدوان أي فرد أو جماعة على غيرها، وأن تفرض التحاكم إلى شريعة العدل والإنصاف، لا إلى شريعة الغاب. وأضعف الإيمان ممن كان على رأس الدولة وقصر في تحقيق ذلك أن يعتذر ويعتزل.
//////////