(1)

يذكرنا القرآن بأن موسى عليه السلام جاء إلى فرعون برسالة بسيطة لا لبس فيها فحواها: "فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى." فالمطلب هو السماح لبني إسرائيل بمغادرة مصر ووقف جرائم الإبادة في حقهم. ولكن فرعون ووزراءه ومستشاريه كان لهم تفسير آخر لهذه الرسالة، حيث ردوا قائلين: "أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى؟"

(2)

هذا القلب العجيب للأمور يمثل لب الظاهرة الفرعونية التي ترى في مطلب وقف الظلم "تهديداً للأمن القومي". أنظر كيف صور فرعون وسحرته في دعايتهم  طلب الإذن بالخروج من مصر على أنه محاولة لطرد المصريين من أرضهم! وبحسب فرعون وجهازه الإعلامي فإن الآيات التي قدمها موسى دليلاً على تفويضه الإلهي (وبطلب من فرعون الذي رفض تصديقه) كانت محاولة لتدمير الهوية الثقافية ("ويذهبا بطريقتكم المثلى") وتقويض الأمن واستلاب السلطة ("أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ"؟).

(3)

استذكرت هذه الظاهرة وأنا أتابع بالكثير من الصدمة انحدار مصر إلى قاع جديد من البربرية بعد قيام النظام الانقلابي الحاكم بارتكاب سلسلة من المجازر في حق المتظاهرين السلميين. فقد كان الخطاب الرسمي ودعاية المؤيدين للقمع تتبع المنهج الفرعوني في وصف الاحتجاج السلمي بأنه تهديد للأمن القومي، ومحاولة لفرض الراي على الغير. وكما في الحالة الفرعونية، يتهم المستبد القاتل الضحية بأنها هي المعتدي والمهدد للآخر. فالدكتاتور المغتصب للسلطة هو المدافع عن الديمقراطية، والمحتج الأعزل هو القاتل (لماذا بقوا في مكانهم بعد أن هددناهم بالقتل؟)، ومن يكمم الأفواه هو راعي الحرية، أما من يصرخ من الالم فهو المعتدي الذي يرفض أن يموت بصمت، وأن يعذب بهدوء، وعليه "يشوه صورة مصر" عند الجيران الذين يسمعون صراخه. ويالها من خيانة للوطن!

(4)

لعل المفارقة هي أنني كنت قضيت اليومين السابقين للمجزرة في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا حيث شاركت في حوار بين قيادات وشخصيات افريقية بارزة ساده القلق على الأوضاع في مصر. وكان المتحاورون يقلبون الرأي فيما يمكن للاتحاد الافريقي أن يفعله من أجل إنقاذ الأوضاع، خاصة أن بعضهم عبر عن توجسه لأن الخطاب الإعلامي المصري يذكر بالخطاب التي ساد في رواندا عشية إطلاق حملة الإبادة الجماعية هناك. وقد ضاعف من قلق القيادات الافريقية أن النظام المصري رفض المساعي الافريقية الحميدة للمساعدة في تجاوز الأزمة، وأبلغ الاتحاد الافريقي رسمياً أنه لا يريد استقبال لجنة الحكماء الافريقية مجدداً، كما أنه أعلن "فشل" جهود الوساطة الأخرى، مما ينذر بتطورات كارثية.

(5)

وصلت إلى مطار هثيرو في السابعة والنصف صباح الأربعاء الماضي، ولم أكد أصل إلى السيارة حتى فوجئت بالمذياع ينقل أنباء هي أبشع بكثير من أسوأ السيناريوهات التي كنا نتداولها. فكان الأمر أشبه بمن استيقظ من كابوس ليجد أنه لم يكن يحلم، وإنما كان في حالة يقظة طوال الوقت. ولكن أسوأ ما في هذا الكابوس ليس فقط وقوع المجازر، ولكن التبرير "الفرعوني" لها عبر اتهام الضحايا والمستضعفين بأنهم من يهدد حملة السلاح! إن الحالة تذكر باتهامات غلاة الصهاينة للفلسطينيين بأنهم سبب نكبتهم لأنهم لم يستسلموا بحماس كافٍ للهيمنة الصهيونية!


(6)

في حالة فرعون يتراوح الخطاب الإجرامي بين التباهي بالقتل والتنكيل في وجه تحريض من الأنصار لمزيد من القمع ("قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُوَن"، أو "إن هؤلاء لشرذمة قليلون")، وبين تضخيم الخطر المزعوم: ("وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"). كذلك في الفرعونية المعاصرة يوصم تجمع لمئات الآلاف من الأسر بأنه "وكر إرهابي" ويتم الاحتفال بتقتيل الأبرياء باعتباره نصراً مبيناً على خطر يتهدد العالم بأسره! ويتهم الإخوان بأنهم معزولون ("شرذمة قليلون")، بينما يقال في نفس الوقت أنهم مؤيدون من العالم كله، بدءاً من حماس في غزة وأوباما في واشنطون، وبالطبع قطر. فهم يريدون الهيمنة على العالم كله!

(7)

لم تنزل نقمة سماوية على فئة كما نزلت على فرعون وأنصاره، لأن نوع الجرائم التي ارتكبها اعتبرت عند المولى جل وعلا من أكبر الكبائر. وقد وقعت عليه العقوبة الدنيوية قبل الأخروية لأنه تمادى في غيه وصدق بعض كذبه ودعاية إعلامه. فعندما فر بنو إسرائيل تاركين أرض مصر خلفهم، لم ير في هذا نقضاً لزعمه بأنهم يشكلون "تهديداً لأمن مصر"، فقرر أن يطاردهم من أجل "إثبات هيبة الدولة". أذ كيف يجرؤ هؤلاء على الفرار من بطشه، تماماً كما آمن السحرة قبل أن يأذن لهم؟ فالإيمان يحتاج إلى إذن، وكذلك الفرار! وهكذا سعى إلى حتفه بظلفه شأن كل الطغاة والمجرمين.

(8)

فراعنة مصر الجدد ورطوا أنفسهم بدون داع في ملاحقة ضحاياهم بعد أن اكتفى هؤلاء بركن قصي يندبون فيه حظهم بعد أن سرقت منهم –ومن الشعب- السلطة. ولكن الفراعنة رأوا في هذا الاحتجاج تذكيراً لهم بما اقترفت أيديهم، فأرادوا محو هذه التذكيرة بجريمة أكبر منها. وكما حدث لفرعون وجنوده، فإن هؤلاء قضوا غرقاً، ولكن هذه المرة في بحر من الدماء والخزي والعار، وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة. أما يوم القيامة، فعلمه عند من أهلك فرعون وجنوده.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////////