لم يعد السؤال في السودان هل سيستطيع النظام القائم في السودان البقاء إذا استمر البشير رئيساً، بل هل ستبقى الدولة السودانية وتتجنب الانهيار تحت قيادة البشير؟ فالنظام الحالي لن يسقط في غياب تحرك شعبي سلمي موحد (لم تتوفر شروطه حالياً) إلا إذا انهار الجيش السوداني وهزم. وعندها ستحل محله ميليشيات قبلية وعقائدية (بما فيها ميليشيات إسلامية على نحو ما نشهده في سوريا وليبيا هذه الأيام). وهذا بدوره سيعني انهيار وتفكك الدولة، وعندها لن يكون هناك معنى لشعارات تقاسم السلطة والثروة، وإنما سيكون التنافس حول تقاسم الشقاء والعذاب تحت حكم الميليشيات.

مؤشر فشل الدول الذي تنشره سنوياً مجلة "فورين بوليسي" يحكم سلفاً بأن الدولة السودانية فاشلة ومنهارة. فقد ظل المؤشر منذ إطلاقه في عام 2005 يضع السودان بين ثلاث أفشل دول في العالم، حيث يتبادل الأدوار في الصدارة مع دول مثل الصومال وتشاد وافريقيا الوسطى ونحوها. ولا شك أن هذا يشير إلى خلل كبير في منهجية هذا المؤشر، لأن السودان لا يمكن أن يقارن بحال بالصومال والدول المنهارة الأخرى. فحين كان المؤشر يصنف السودان باعتباره أفشل من الصومال كان اقتصاد البلاد الأسرع نمواً في افريقيا، وكانت معظم أنحاء البلاد، بما فيها غالب مناطق دارفور، تتمتع بأمن واستقرار ملحوظين.

ولا شك أنها علامة  قوة في الدولة السودانية قدرتها على استيعاب وامتصاص عمليات تمرد متعددة المواقع ومصادر الدعم، كما حدث خلال العقدين الماضيين، والحفاظ مع ذلك على اقتصاد سليم، وأمن وسلام في معظم نواحي القطر، بما في ذلك المدن الرئيسة في قلب مناطق الصراع، مثل واوا وملكال وجوبا والفاشر وكادوقلي والدمازين وغيرها. ويمكن هنا مقارنة الدولة السودانية مع جاراتها مثل اثيوبيا وتشاد، حيث كان السودان يدعم عمليات التمرد ضد الأولى وهي تقابله بالمثل. ولكن النظام الاثيوبي هو الذي انهار رغم أنه كان يتلقى الدعم من أمريكا والاتحاد السوفيتي معاً. أما دولة تشاد فقد انهار نظامها الذي كان يتلقى دعماً غربياً قوياً لمجرد أن السودان أمر معارضيه بمغادرة البلاد. أما النظام السوداني فقد صمد رغم أن المعارضة له كانت مدعومة من كل دول الجوار تقريباً، بما فيها مصر وليبيا، إضافة إلى الدول الغربية الكبرى وعدد من دول الخليج بعد حرب الكويت.

لم يكن في السودان حينها نفط، وكان يواجه الحصار الاقتصادي، بينما نجحت حكومته عندها في توحيد المعارضة ومعظم دول العالم ضدها. ولكن في السنوات الأخيرة، تغيرت أشياء كثيرة. تدفق النفط، وأصلح السودان علاقاته مع كل دول الجوار، بحيث أن المعارضة المسلحة ضده لا تتلقى اليوم الدعم إلا من دولة جنوب السودان، ولكن بدون المساندة التي كانت "دول المواجهة" (بحسب تعبير أمريكي مشهور) تتلقاها من الخارج. أما فيما يتعلق بالمعارضة السلمية، فقد انخرطت كثير من القوى السياسية في النظام، بينما دخل الحزبان الكبيران عملياً في تحالف معه. وحتى المعارضة الراديكالية والرافضة، فهي عملياً تعمل في إطار النظام وتلتزم القوانين التي سنها، وبالتالي هي أصبحت بدورها جزءاً من النظام القائم.
وقد كانت هذه فرصة نادرة لتحقيق انتقال سلس نحو الديمقراطية في السودان، خاصة وأن الاستحقاق الرئاسي والحاجة إلى إعداد دستور جديد تشكلان معاً سانحة لبناء وفاق وطني شامل حول الانتقال السياسي. وقد نصح كثير من الحادبين على البلاد الرئيس السوداني بأن يختار النهج الذي سلكه رجال عظام مثل أولوشون أوباسنجو وعبدالسلام أبوبكر في نيجريا، وبول بويويا في بوروندي، ونيلسون مانديلا في جنوب افريقيا، أشرفوا جميعاً على انتقال سياسي مشرف نحو الديمقراطية، فكسبوا الحمد والثناء، وكسبت بلدانهم الاستقرار والتقدم. ولكن الرئيس السوداني اختار على ما يبدو الطريق الآخر الذي سلكه من قبله منغستو هايلي مريام وسياد بري وحسين هبري وعيدي أمين وموبوتو وغيرهم، وهو الطريق المؤدي إلى انهيار النظام والدولة معاً.

ذلك أن العوامل التي ساعدت على تماسك الدولة في السابق رغم الشدائد والتحديات لم تعد كلها متوفرة اليوم. ذلك أن النخبة الحاكمة تشهد انقسامات حادة، والصف الإسلامي لم يعد كله متماسكاً وراء السلطة، كما أن الجيش لم يعد مقتنعاً بالدور المفروض عليه والأعباء الناتجة عن فشل السياسيين. وقد فقد النظام الكثير من رصيده السياسي الذي لم يكن كبيراً في الأصل، خاصة بعد شيوع الاتهامات له بالفساد، ولعدم اقتناع الغالبية بما يروجه من أنه صمام أمان ضد مخططات تستهدف هوية البلاد. ولعل استمرار النظام بصيغته الحالية يشكل التهديد الاكبر لاستقرار الدولة وتماسكها. صحيح أن الدعم الخارجي للتنظيمات المسلحة يقتصر اليوم على دولة جنوب السودان، وهي ليست في الوضع التي كانت فيه اثيوبيا واريتريا ويوغندا في السابق، لأن السودان لم يكن يمسك بخناق تلك الدول، كما أن الجنوب لا يتمتع بالدعم الخارجي الذي كانت تلك الدول تلقاه في حملاتها ضد السودان. ولكن هذا لا يمنع أن تنهار الدولتان معاً إذا استمر الاستنزاف على ما هو عليه.

في هذه الحالة، قد تصبح قدرة النظام على الصمود عاملاً سالباً، لأن استمرار نظام مرفوض من قبل قطاعات واسعة من الشعب، حتى لو لم تكن الغالبية، كما حدث لأنظمة مثل نظام صدام والأسد وموبوتو وعيدي أمين وغيرهم، يعمق التصدعات في أوساط المجتمع ويجعل من الصعب استعادة الوحدة الوطنية. ويعتبر أكبر خطر على البلاد اليوم هو فشل النظام في الاستفادة من الفرص التي أتيحت منذ اتفاقية السلام الشامل عام 2005 لتحقيق الاستقرار في البلاد عبر جمع الصف وتوحيد الكلمة وبناء المؤسسات الوفاقية. ولا يبدو النظام بقيادته الحالية راغباً في تحقيق مثل هذا الاختراق أو قادراً عليه. وبنفس القدر نجد المعارضة بدورها عاجزة عن بناء إجماع بديل، مما خلق حالة من الاستقطاب لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد.

وفي ظل هذا الغياب لوسط متماسك يجتمع حوله الناس، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بانفراط عقد البلاد و "تداعي الاشياء" وانهيار الدولة، حيث ستقاسم البلاد ميليشيات متشاكسة، ويسودها لوردات الحرب. ولا شك أن حكم الميليشيات أسوأ من الدكتاتوريات كما خبر الناس في العراق والصومال (وكما خبر السودانيون في قريضة وأبو كرشولا وغيرها)، ولكن حكم الميليشيات هو كذلك نتيجة حتمية للدكتاتوريات الفاشلة. ومما قد ينذر بتدهور الأوضاع ما نشهده من استقطاب وتدابر في أوساط النخبة السياسية عامة وأوساط الإسلاميين خاصة، وهو ما يزيد الأمور صعوبة وعسراً. فزيادة نطاق الصراعات وامتدادها شرقاً وغرباً، إضافة إلى امتداد الخلافات إلى داخل مؤسسات الدولة والجيش، قد يسرع وتيرة التصدع في بنيان الدولة.

لكل هذا وجب التحرك ممن لديهم القدرة على تلافي الأوضاع قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، إذا لم تكن هذه النقطة قد تم تجاوزها بالفعل. وكما كررنا مراراً فإن الطريق الأمثل هو أن تتبنى الحكومة مبادرة صادقة وحاسمة لجمع الكلمة وتوحيد الصف الوطني على أساس دستور جديد توافقي وانتخابات حرة نزيهة تؤسس لبناء دولة متماسكة وقوية. وما لم يتم هذا، فإن على قواعد المؤتمر الوطني وقياداته الوسيطة أن تتحرك لتغيير القيادة القائمة وفرض قيادة جديدة قادرة على الاضطلاع بمهام المرحلة المتمثلة في إدارة المرحلة الانتقالية بنجاح. وقبل ذلك وبعده لا بد على كل القوى المدنية من اتحادات ونقابات ومنظمات طلابية وشبابية ونسوية أن تتحرك للضغط على كل القوى السياسية للتوحد حول برنامج إنقاذ وطني، والتحرك شعبياً من أجل التغيير الذي لم يعد يحتمل الانتظار.

وفي نهاية المطاف فإن على مؤسسات الدولة المحورية، وعلى رأسها الجيش، أن تتحرك لفرض حل يجنب البلاد الفوضى ويلزم الأطراف السياسية بتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على صياغة دستور توافقي وعلى إجراء انتخابات على أساس مقبول لمختلف القوى السياسية. ذلك أنه بحسب المعطيات المتاحة، لم يعد في مصلحة البلاد –ولا النظام- استمرار الوضع الحالي على ما هو عليه من انسداد وتضعضع. وإذا كان النظام عاجزاً عن إصلاح نفسه، فضلاً عن إصلاح البلاد، فلا مفر إذن من أن يفرض الإصلاح والتغيير من تضافر ضغوط الشارع والمؤسسات الفاعلة معاً. فمن العجز القعود وانتظار الكارثة حتى تقع.

Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]