(1)

شهد السودان خلال الأسابيع القليلة الماضية جولة أخرى من جولات العنف الدامي التي أوشكت أن تفقد قيمتها الخبرية بسبب التكرار الممل (إلا بالطبع لمن يبتلى بها مباشرة: دماراً وخراباً وقتلاً). بدأت هذه الجولة في أواخر شهر أبريل المنصرم بهجوم لقوات "الجبهة الثورية" المشكلة من تحالف حركات مسلحة من دارفور وولايات جنوب كردفان والنيل الأزرق على مدينة أم روابة في شمال كردفان  ثم احتلال ناحية أبو كرشولا في جنوب كردفان. وفي الرابع من مايو قتل الناظر كوال دينق زعيم قبيلة دنكا نوك في منطقة أبيي خلال تبادل إطلاق نار بين قوات الأمم المتحدة وبعض مسلحي قبيلة المسيرية التي تساكن دنكا نوك في منطقة أبيي وتنازعهم الولاية عليها. وقبل أن ينتصف الشهر اغتيل عدد من قادة الجناح المنشق عن حركة العدل والمساواة (ممن وقعوا على اتفاق الدوحة مع الحكومة في أبريل الماضي) في كمين نصب لهم عند الحدود مع تشاد.

(2)

جاء كل هذا التصعيد بعد يوم واحد من انفضاض المفاوضات بين الحكومة وقطاع الشمال في الحركة الشعبية، وبعد أقل من شهر على توصل السودان ودولة جنوب السودان على اتفاق شامل في مارس الماضي تم بموجبه التوافق على استئناف التعاون الاقتصادي وفتح الحدود والمعابر وإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح بين البلدين وإعادة ضخ النفط ووقف كل دعم لمتمردي الدولتين. وكان الاتفاق تعذر في الماضي بسبب إصرار الخرطوم على إعطاء الأولوية للترتيبات الأمنية ورسم الحدود ووقف الدعم للتمرد المسلح، في حين كانت جوبا تصر على أولوية التعاون الافتصادي وفتح الحدود. وقد كان الفهم أن التوافق تم بعد تعهدات قوية من جوبا (مدعومة دولياً وإقليمياً) بوقف كل أشكال الدعم لمتمردي شمال السودان.

(3)

بينما استغرب الكثيرون أن يتزامن التصعيد مع إبرام اتفاق التعاون بين البلدين، إلا أن هناك شواهد تاريخية من المنطقة كانت ترجح سلفاً احتمال التصعيد. فقد وقع تصعيد مماثل في الصومال بعد اتفاق الصومال واثيوبيا على وقف دعم التمرد بينهما في عام 1986، وما نتج عن ذلك من إخراج الحركات الصومالية المسلحة من اثيوبيا. وكانت النتيجة سقوط نظام سياد بري وانهيار الدولة. الأمر نفسه حدث في عام 1990 حين أمرت الحكومة السودانية قوات إدريس دبي المرابطة في دارفور بالخروج أو تسليم سلاحها، فخرجت إلى تشاد ودخلت في صدامات مع جيش الرئيس حسين هبري أدى إلى انهيار نظامه خلال أسبوع وتسلم دبي السلطة.




(4)


كان من المنتظر إذن إذا صدقت نوايا حكومة جنوب السودان في قطع الدعم لمتمردي الشمال أن تلزم هؤلاء بالخروج من أراضيها مع تزويدهم بمدد كبير من العتادو السلاح تعتقد أنه سيثبت أقدامهم في الشمال. وكان من المتوقع كذلك ألا يكون أمام هؤلاء خيار سوى الاستبسال في القتال لضمان موطيء قدم لهم، فالعدو أمامهم والحدود المغلقة وراءهم، وهو ما يبدو أنه حدث بالفعل.


(5)

ليس بالضرورة أن يتكرر في السودان ما حدث في تشاد أو الصومال، لأن ظروف كل بلد وواقعه وواقع الحركات فيه تختلف. ولكن لا يخفى أن المخاطر عظيمة، وأن استمرار الصراع إلا ما لانهاية يولد دايناميات سالبة تؤثر على الاستقرار على المدى الطويل.فالصراع يولد أعداداً كبيرة من المتضررين عبر التشرد وفقدان الأحبة وانقطاع الأرزاق، كما أنه يعمق الانقسامات القبلية والعرقية والجهوية ويثير الأحقاد. وشر من ذلك يخلق مجموعات تصبح القسوة وسفك الدماء وإشاعة الخراب عندها عادة، حتى لا نقول احترافاً، مما قد يجعل من الصعب إعادة دمجها في الحياة المدنية، وقبولها بقواعد اللعبة السياسية والقبول بالخسارة فيها. فكثير من المجندين أدخلوا في الصراع وهم أطفال، وشبوا في أتونه وشاب بعضهم فيه، وهو وضع غير سوي في نهاية المطاف.

(6)

أعلنت الحكومة مطلع هذا الأسبوع استعادة بلدة أبو كرشولا وبقية المناطق التي احتلتها الجبهة الثورية خلال هذا الشهر، وهللت وسائل الإعلام الرسمية لهذا "النصر المبين". ولكن في نهاية المطاف، فإن الخاسر الأول والأخير من "انتصار" الحكومة اليوم، وقبله "انتصار" الجبهة الثورية، هو الشعب السوداني والبلاد عموماً. فكل الدماء التي سفكت هي سودانية، وكل المقدرات التي دمرت والأموال التي أهدرت، والفرص التي ضاعت، هي سودانية. وكل استمرار لمثل هذا الصراع العنيف يعمق الشروخ في البنى الاجتماعية والسياسية، ويؤخر من فرص التوافق.

(7)

كررنا ونكرر أن المسؤولية الأساس في تردي الأوضاع تقع على عاتق الحكومة بسبب تقصيرها في واجب جمع الصف ووضع المؤسسات التي تتيج المشاركة السياسية للجميع على أساس توافقي عادل. ولكننا نكرر كذلك في نفس الوقت نكرر أن انتهاج العنف وسيلة للتغيير يؤخر قضية الإصلاح ولا يقدمها. ففوق ما أسلفنا من نتائج سلبية من دمار وتفرقة وتدمير لفرص الأجيال، فإنها تهزم نفسها بنفسها. يكفي أن انقلاب عام 1989 ما كان ليقع أو لينجح لو لا الظروف المواتية التي خلقها تمرد الحركة الشعبية في الجنوب وماشكلته تدخلاتها في العملية السياسية من مخاوف من هيمنة يسندها السلاح لأقلية لا تمثل الشعب.


(8)

يحتاج الجميع لإعادة تفكير جذرية في استراتيجياتهم وسياساتهم إذا كان الهدف هو بناء وطن موحد يكون التعايش فيه بالتراضي لا القهر من أي جانب. ومع أنه لا جدال في أن قيادة النظام الحالية غير راغبة ولا قادرة على طرح يوحد السودانيين، إلا أن تصدي عصبة هنا وعصبة هناك للتغيير بقوة السلاح يوطد من سلطان هذه القيادات الفاشلة، لأنه يظهرها لغالبية السودانيين على أنها أهون الشرين.


(9)

ليست الإشكالية فقط في لجوء المعارضة إلى السلاح، ولكن في خطابها المتشدد، الذي يراوح بين تبني مطالب الأقليات وما يسمى بالفئات المهمشة، وبين شيطنة الغالبية ووصمها بكل تهمة، وتحميلها وزر كل جبار عنيد، حتى حين تكون الغالبية أول الضحايا. فمن أراد أن يوحد لا بد أن يتحدث باسم كل السودانيين، ويراعي كل الآراء والمصالح. أما من يتحدث ويحارب باسم فئة واحدة، كبرت أو صغرت، فإنه يصبح جزءاً من المشكلة، لا الحل، حتى لو لم تكن الفئة عشيرة في حالة حرب مع أبناء العمومة، ناهيك بالأبعدين.


(10)

لا يحتاج السودان فقط إذن إلى وضع سلاح القتل والتدمير، بل كذلك إلى وضع سلاح القتل المعنوي والإقصاء اللفظي. فمن أراد التصدي للقيادة لا بد من أن يتبنى خطاب القادة، وأن يوطيء الأكناف، ويستمع للكل ويبتعد عن جارح القول وعنيف اللفظ. وهو بعد ذلك قد يواجه عقبات كثيرة في الطريق إلى لم الصف وجمع الشمل على كلمة سواء. أما من لا يفعل، فأولى به أن ينصرف إلى حرث البحر، فهو أكثر نفعاً بكثير مما هو فيه.
Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]