(1)

لا نكاد في السودان نجزم باستحالة تدهور الأوضاع أكثر، حتى نكتشف تحت القاع السحيق هاوية أخرى تنحدر نحوها الأمور في تعجل أهوج.بالكاد فرغنا من تأمل ما كشف عنه هجوم بعض قوى التمرد على بعض مدن وقرى ولايات كردفان من تقصير أمني من جهة الحكومة وجرائم مرعبة من قبل المعارضة، وإذا بفجيعة أخرى تأتيفي الرابع من هذا الشهر من حيث لم يحتسب أحد. وقد كانت هذه الكارثة حادثة مقتل السلطان كوال دينغ مجوك زعيم قبيلة دينكا نوك في جنوب كردفان على يد مسلحين من قبيلة المسيرية المنافسة في منطقة أبيي.

(2)

ليست القضية هنا في عظم الحدث الذي يهدد بتفجير المنطقة ونسف جهود التقارب بين السودان وجنوب السودان، ولكن في عبثية الأحداث التي أدت إلى الكارثة. فلم تكن هناك نية عند زعماء قبيلة المسيرية لاستهداف زعيم كان مشهوداً له بالاعتدال والحكمة في جو ساده التوتر. فقد كان المسيرية أحوج إلى أمثال السلطان كوال من عشيرته دينكا نوك، لأنه كان رجل سلام ووفاق وسط أجواء عاصفة، بينما يفتح غيابه الباب لمن هم أكثر تطرفاً. أما تغييبه بهذه الطريقة فهو الطامة الكبرى. وبحسب كل الروايات فإن مقتل السلطان كوال جاء نيتجة شجار عابر بين مجموعة من شباب ورجال المسيرية وقوات حفظ السلام الاثيوبية، وقع فيه تبادل إطلاق نار، ولم يكن السلطان طرفاً أو مقصوداً.

(3)

حينما تقع كوارث بهذا الحجم بهذه العشوائية، فإن المصيبة تكون أفدح مما لو كان مخططاً لها، لأن هذا الوضع يظهر بوضوح أن الوضع لم يخرج فقط عن سيطرة الحكومة لصالح القبائل، بل كذلك عن سيطرة القبائل، وأصبح الأمر أشبه بفوضى غير خلاقة. ويؤكد هذا تكرار مثل هذه الأحداث في صراعات القبائل، وحتى داخل القبيلة الواحدة بدون أي سبب معقول. فخلال هذا العام وحده وقعت مصادمات في يناير بين بطنين من قبيلة المسيرية في جنوب كردفان راح ضحيتها 14 قتيلاً، وأخرى في فبراير بين قبيلتي بني حسين والأبالة في منطقة جبل عامر راح ضحيتها العشرات وأدت إلى نزوح عشرات الآلاف.


(4)

نحن إذن أمام كارثة من هذا النوع كل شهر، مع العلم بأنه حتى موظفي الحكومة في تلك المناطق لا يتلقون رواتبهم كل شهر. كل هذا في غياب كامل للدولة التي لاتظهر إلا بعد وقوع الكارثة، ولا يتجاوز إسهامها سوى عقد مؤتمرات الصلح، تماماً كما لو كانت جهة أجنبية أو مدنية.


(5)

مهمة الدولة الأساس هي توفير الأمن للمواطنين عبر احتكار استخدام العنف المشروع داخل حدودها. وهذا يستوحب أن وقاية المواطن من العنف عبر نزع السلاح من أي جهة غير شرعية، مع ردع كل معتدٍ وتطبيق العدالة على البغاة حتى يأمن الجميع. ولكن في الواقع يفتقد المواطنون الثقة في حيادية الدولة، وكثير منهم لا يلتفت لها، حتى أصبحت القبائل تتصرف كأنها دول ذات سيادة، توفر الحماية لنفسها بأدواتها الخاصة، وتطبق "العدالة" بما يحلو لها، وتسمع الحكومة بذلك خبراً مثل غيرها.


(6)

كل هذا لأن من يقومون على أمر الدولة تخلوا أولاً عن واجبهم الأخلاقي عبر تخصيص العنف وإيكال أمر الدفاع عن بعض نواحي البلاد إلى ميليشيات على شاكلة شركة بلاكووتر. وهذا بدوره شكل نكوصاً عن الدور المعهود في معاملة المواطنين على قدم المساواة، والحكم بينهم بالسوية بدلاً من استغلال خلافاتهم لتغطية عجزها عن فرض سلطانها، بحيث تصبح طرفاً في الصراعات مثل أي ميليشيا أو عصابة، لا حكماً عدلاً فيها.

(7)

بسبب الفراغ الناتج عن غياب دور الدولة كحافظ للأمن وضامن للعدالة، أصبح كل من يثور عليها  يكتسب شرعية مهما كان مبرر تمرده. وأكدت الدولة الواعية بضعفها وإشكالية شرعيتها هذا المنحى عبر عقد صفقات حولت الدولة إلى تحالف لميليشيات مسلحة. وعجزت الدولة بالتاي عن حماية المواطن، حتى من الميليشيات الموالية التي أخذت تتصرف بعدم اكتراث للقانون، فتقوم بنهب الأسواق، أو الاعتداء على معسكرات النازحين أو المدارس، وحتى مرافق الدولة التي تكتفي بالتفرج.

(8)

لو عدنا إلى واقعة مقتل السلطان كوال نجد أنها تكشف عن جانب آخر، وهو دور القوات الأجنبية العاملة في إطار بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في أبيي، مما يذكرنا بأن النظام لم يتخل فقط عن مهام الدولة لصالح الميليشيات، بل كذلك لصالح قوى أجنبية كما هو الحال في دارفور وأبيي. وهذا يطرح أسئلة مهمة عن جدوى استمرار نظام يعطي أهم مهام الدولة "مقاولة" لأطراف داخلية وخارجية؟ أليس من الأفضل أن يعلن عن عجزه ويفسح المجال لمن هو أقدر على الدفاع عن سلطة الدولة وسيادتها على أراضيها؟


(9)

كشف التعامل مع قضية أبيي كذلك الخلل الجذري في رؤية أهل الحكم لمهمة النظام ودور الدولة، بدءاً من العجز عن إقناع سكان أبيي من دينكا نوك بأن مكانهم هو في السودان الذي كان خيارهم منذ عام 1905، واستمراراً بالمساومة على التراب، مروراً بالاعتراف بالحاجة لتدخل أجنبي عبر الوساطات والمحاكم الدولية ثم قوات حفظ السلام الأممية، وكلها إقرارات متتابعة بأن الدولة غير مؤهلة أو قادرة على حماية مواطنيها والاستجابة لتطلعاتهم.


(10)

في أبلغ تعبير عن هذه الرؤية القاصرة، خرج أحد وزراء الحكومة بعد إعلان هيئة التحكيم في لاهاي في صيف 2009 أن حقول النفط في هجليج تقع خارج الأراضي التي يحق لدينكا نوك المطالبة بها ليصرح على الملأ بأن هذا انتصار لحكومة السودان. يأتي هذا التصريح في وقت كان السودان لا يزال موحداً، وكل الوثائق تؤكد أن أبيي بكاملها تقع في شمال السودان المعترف به من الطرفين. ولكن الوزير بتصريحه هذا لم يؤكد فقط اعترافه بانفصال الجنوب، بل كذلك بأن النظام كان في حالة نزاع مع قبيلة حول ملكية الأراضي!! ولو كانت هناك دولة لما كانت هناك حاجة لتحكيم في لاهاي، ولقال قائلها، لو إن الدينكا والمسيرية مواطنون على قدم المساواة في بلادهم، وإن الحكومة هي الضامن لحقوقهم التاريخية في أراضيهم. ومن كان عاجزاً حتى في مجال القول يحسن به الانصراف راشداً –أو غير راشد.


Abdelwahab El-Affendi [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]