عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

 

في طرفة قديمة روي أن سودانياً ورد قاهرة المعز فأراد أن يسجل ذكرياته فيها عند مصور بارع. وعندما تسلم الصور لم تعجبه فذهب يشكو إلى المصور الذي أجاب قائلاً: إن الكاميرا لا تكذب، وإذا رأيت قبحاً فإن احتجاجك يجب أن يكون على الأصل لا الصورة.

 

(2)

 

تذكرت هذه الحكاية وأنا أراقب "الحرد" المصري الذي تجلى في مقاطعة قمة الدوحة احتجاجاً كما يقال على تغطية الجزيرة لدور مصر في حرب غزة. ونحن لا نوافق المصور المصري في دعواه، لأن التصوير فن وليس هو مسؤولية الكاميرا فقط. كذلك فإن التغطية الإعلامية لا يمكن أن تكون محايدة. ولكن بالمقابل فإن الجزيرة ليست القناة العربية التلفزيونية الوحيدة، كما أنها لم تحجب وجهة النظر المصرية عن شاشاتها، بل بالعكس أعطتها مساحة أكثر من اللازم.

 

(3)

 إذا كان الرأي العام العربي لم يقتنع بصواب الموقف المصري الرسمي فإن اللوم لا يقع على الجزيرة وحدها. ودليل ذلك أن الرأي العام المصري كما عبرت عنه القوى السياسية الأهم والصحافة المستقلة كان أيضاً سلبياً تجاه ذاك الموقف الرسمي. ولو أن الجزيرة تبنت موقف "تلفزيون الريادة الإعلامية" (بحسب تعبير الزميل سليم عزوز) فإن الجزيرة ستسقط دون أن يساعد ذلك في كسب الرأي العام العربي لصالح حكومة مبارك وموقفها المرفوض مصرياً قبل أن يرفض عربياً.

(4)

 بمقاطعته لقمة الدوحة أراد نظام مبارك ابتزاز قطر حتى تلجم الجزيرة لصالحه، ولكن ما حدث كان الكشف عن أن غياب مصر وعدمه سواء عن هذه القمة أو غيرها. وقد انعقدت خلال الشهرين الماضيين أربع قمم عربية (إذا أضفنا القمة العربية-اللاتينية) دون أن يلحظ المواطن العربي أثراً لها في تضامن عربي مستجد، سوى التضامن بين الحكام ضد الشعوب، وهو ما عبرت عنه "المصالحات" العربية المتكررة بين أنظمة هي أحوج إلى التصالح مع شعوبها أولاً.

(5)

 كنت قد كتبت منذ أكثر من ربع قرن (في مجلة "المستقبل") أقول إنني بصراحة ضد أي تضامن عربي في الظروف الحالية، لأنه لن يكون إلا تضامن الجلادين ضد الشعوب. ويمكن أن ندلل على صحة هذا الموقف بالفوائد التي جنتها مناطق أخرى من التضامن (مثل أوروبا، وافريقيا وجنوب شرق آسيا) حيث يتضح أن المكاسب من التضامن تتوافق طردياً مع درجة تصالح الأنظمة مع شعوبها والعكس بالعكس.

(6)

 في الحالة العربية فإن استمرار الشقاق العربي نعمة كبرى على الشعوب العربية، لأن اختلاف دكتاتور مع آخر يعني أن ينحاز كل منهما لعدو صاحبه، وهو الشعب، فتجد الشعوب المقهورة نصيراً من حيث لا تحتسب، ويسلط الله بعض الطغاة على بعضهم فيستفيد الضحايا. نسأل الله أن يديم هذه النعمة على الأمة ويزيدنا منها حتى تتحرر الشعوب من جلاديها، وحينها سنرى التضامن العربي الحقيقي، وهو تضامن قائم بين الشعوب ولكن الحواجز المصطنعة وحدها تحجبه.

(7)

 ما يحتاجه العرب كذلك ليس هو إلجام الجزيرة، ولكن المزيد من القنوات الحرة والمنفتحة في كل بلد عربي. فسياسة دفن الرأس في الرمال التي تمارسها الأنظمة عبر حجب صورتها الحقيقية في مرآة الإعلام وخلق صورة زائفة عن واقعها لا تساعد الأنظمة ولا الشعوب في مواجهة هذا الواقع واتخاذ القرارات المطلوبة للخروج من الوضع المتأزم الحالي. وما نسمعه من تغن لأبواق كل نظام بحكمة قيادته وصواب قراراتها هو ضحك على العقول لا يصدقه حتى كثير من قائليه.

(8)

 لو أن الجزيرة خضعت للابتزاز المصري كما يتمنى نظام مبارك (وكما خضعت للأسف للابتزار السعودي) فإن الخاسر لن يكون الجزيرة وحدها، بل النظام المصري أيضاً. وكنت قد عبرت في السابق عن الاعتقاد بأن الجزيرة بالعكس تخدم الأنظمة العربية لأنها تعطي انطباعاً خاطئاً بأن مجرد انتقاد الأنظمة على الأثير يغني عن النشاط المعارض الحقيقي. ولو أن الجزيرة صمتت لتكلم الشارع العربي بصوت يفهمه الحكام بصورة أفضل.

(9)

 قد رأينا في السعودية (كما في البحرين) بداية الانتفاضات الشعبية بعد أن صمتت الجزيرة وليس بسبب تغطيتها، تماماً كما رأينا الانتفاضة الفلسطينية بعد أن رحلت منظمة التحرير من بيروت وتوقفت عن تسويق أوهام كونها حركة منهمكة فعلاً في تحرير فلسطين. ولعل الحكومة السعودية تتوسل الآن لقناة الجزيرة حتى تعود لإعطاء المعارضين بضع دقائق على الهواء تقعنهم بالإنجاز وتلهيهم عن كل مكرمة ومعارضة حقيقية. فصداع الرأس التلفزيوني المؤقت أهون بكثير من البدائل.