عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 في مطلع الأسبوع الماضي، وصلتني مقالة واحدة من أربع مصادر مختلفة، وهي حالة نادرة تظهر أن هذه المقالة لمست وتراً حساساً عند عدد كبير من القراء. المقالة التي نشرت في موقع صحيفة "سودان تريبيون" يوم الاثنين 22 مارس كانت بعنوان "أليكس دوفال ومسألة الإبادة الجماعية في دارفور"، وشملت انتقادات مكثفة للناشط الحقوقي المعروف أليكسن دوفال بسبب موقفه من قضية دعاوى الإبادة الجماعية في دارفور، وخاصة رفضه لهذه الدعاوى. ويتركز الانتقاد على أن دوفال نفسه كان حتى وقت قريب من أشد المتحمسين لدعوى الإبادة الجماعية، والمنافحين عن التهمة قانونياً وسياسياً، ولكنه تحول في الآونة الأخيرة إلى واحد من أشد المنتقدين لمدعى الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، قائلاً في أحد مداخلاته إنه لو كان أوكامبو من تلاميذه لطلب منه إعادة كتابة مذكرته عدة مرات قبل أن يمنحه درجة الرسوب. وتورد المقالة بإسهاب حجج دوفال السابقة في دعم تهمة الإبادة الجماعية، ثم تثني بعد انتقاد موقفه الجديد بالغمز واللمز بأن الرجل ربما يكون قبض ثمناً من البشير لقاء تغير موقفه الجديد، بل تصرح بأنه كان قدم للبشير تحذيراً مبكراً حول قرار المحكمة الجنائية.بالنسبة لي كان وصول هذه المقالة إلى بريدي الالكتروني يشير إلى مفارقة لها دلالاتها. فقد عرفت أليكس في مطلع التسعينات خصماً عنيداً من موقعه في منظمة "أفريكا ووتش" إحدى منابر منظمة "هيومان رايتس ووتش" التي تتخذ من نيويورك مقراً لها. وبحكم تخصصه (كان قد أعد دراسته للدكتوراه حول المجاعة في دارفور) فإن افريقيا بالنسبة له كانت تكاد تعني السودان، وكانت لنا بحكم موقعينا المتباينين منازلات ساخنة ومتعددة حول تقارير منظمته حول السودان. وكان يجمع بيننا في ذلك أن كلانا كان مقاتلاً شرساً عنيداً لا يألو جهداً في الدفاع عما يؤمن به. وقد ظهرت شراسة دوفال في التمسك بمبادئه حين أعلن استقالته من منصبه في "أفريكا ووتش" بعد فصل زميلته في المنظمة راقية عمر على خلفية انتقادها للتدخل الأمريكي في الصومال عام 1992، وقام مع راقية بتشكيل منظمة جديدة باسم "أفريكان رايتس" واصلت جهادها ضد الحكومة السودانية بنفس الشراسة. في وقت لاحق انتقل دوفال إلى العمل الإغاثي والإنساني الميداني، حيث عمل لدعم مناطق الجيش الشعبي لتحرير السودان في جبال النوبة وأقام علاقة وثيقة مع د. لام أكول وحركته المنشقة عن الجيش الشعبي. وفي نفس الوقت شارك في الحملة الدولية لنزع الألغام قبل أن يتحول في عام 2001 لدعم نشاط مكافحة الأيدز في افريقيا.وفي عدد من هذه المحافل تقاطعت سبلنا، كما حدث حين دعاني دوفال وثلة من صحبه ممن كانت لي معهم مناكفات ساخنة لمخاطبة مؤتمر نظموه في أوكسفورد عام 1995 للحديث عن التحكم في الإعلام (والتلاعب به) في مناطق الكوارث. وقد لمست في هذا المؤتمر توجهاً إلى مراجعة ونقد الذات من قبل بعض المشتغلين بالعمل الإنساني، وهي خطوة لها دلالاتها من طائفة كانت (وما يزال كثير من أفرادها) يعتبرون أنفسهم ملائكة يمشون على الأرض. وقد كانت هذه نقطة تقارب أخرى، حيث كنت من جانبي أيضاً منهمكاً في نقد الذات (فقد صادف انعقاد ذلك المؤتمر صدور كتابي عن :الثورة والإصلاح السياسي، وهو ما لم يكن معروفاً عند دوفال وأصحابه، وماكان لينفعهم شيئاً لوعرفوا لأن الكتاب كان بالعربية). وقد تجلى هذا التوجه النقدي بوضوح في كتاب دوفال الصادر عام 1997 "جرائم المجاعات: السياسة وصناعة الإغاثة في افريقيا".في عام 2005 كان دوفال من المدعوين في مؤتمر عهد إلى بتنظيمه في الخرطوم من قبل منظمة الإيغاد لتقييم جهود المنظمة في مجال السلم والأمن. ولم تكن تلك أول زيارة له للخرطوم، حيث كان قد زارها من قبل عدة مرات حتى قبل اتفاق السلام. وكان اندلاع الحرب في دارفور مناسبة ليتسعيد اهتمامه بالاقليم فأصدر مع مراسلة الغارديان السابقة جولي فلينت كتاباً في ذلك العام حول الأزمة مايزال أحد أهم المراجع حول خلفياتها. وفي نفس العام تم تعيينه مستشاراً لجهاز الوساطة في الاتحاد الافريقي حيث ساهم بقوة في صياغة اتفاقية أبوجا التي وقعت في مايو 2006 ثم أصبح وجولي فلينت من أقوى المدافعين عنها.ويمكن التأريخ لبداية تحول نظرة دوفال إلى الطريقة للتعامل مع أزمة دارفور من تلك الفترة. فقد قضى مع المجموعة التي شاركت في صياغة الاتفاقية أشهراً طويلة في تعامل مباشر مع قادة حركات التمرد، وكانت نظرته سلبية لكثيرين منهم. وقد سعى بعد الاتفاقية إلى تسويقها لأهل دارفور عبر مداخلات مطولة نشرها في تلك الفترة، ولعل الصد الذي ووجهت به توسلاته أثر أيضاً في نظرته. وبحسب دوفال نفسه (نشر الرجل رده على المقالة بعد ساعات من صدورها) فإن تفسير تغيير موقفه بسيط جداً: إذا تغيرت الحقائق وجب تغيير الموقف. وأشلر دوفال إلى أن إحصائيات القتلى في دارفور خلال خلال العام الماضي انخفضت إلى معدل 150 في الشهر، معظمهم من العرب، وألمح إلى أن مسؤولية حركات التمرد عن هذه الوفيات أكبر من مسؤولية الحكومة مما يقلب الطاولة حول من يجب اتهامه بالإبادة. وكرر اتهام المدعي العام بقلة الكفاءة، قائلاً إن خرقه سيؤدي إلى تبرئة البشير.وكان دوفال قد عبر عن تحفظاته قبل ذلك في المناظرة التي عقدتها مجلة "نيوزويك" في نوفمبر 2007 بينه وبين جون برندرغاست، رئيس منظمة "كفاية" وعضو مجلس إدارة منظمة إنقاذ دارفور، حيث اتهم الناشطين الغربيين حول دارفور بالإضرر بأهل الإقليم من حيث أرادوا الإصلاح، خاصة حين أوهموا قيادات التمرد قليلة الخبرة بأنها لو صمدت قليلاً ربما سيأتي تدخل أجنبي لصالحها. علاوة على ذلك فإن كثرة الحديث عن الإبادة الجماعية في وقت تضاءل فيه العنف في دارفور أعطى تفسيراً خاطئاً للوضع وأدى أيضاً إلى تعامل خاطئ معه، كما أن الخطاب المتشدد الذي تبنته إدارة بوش بتأثير من ناشطي قضية دارفور قد يكون دفع الحكومة السودانية إلى تشدد مضاد. وأخيراً فإن التركيز على دارفور قد يكون صرف الانتباه عن السلام الهش في الجنوب مما يهدد بانهيار ذي عواقب غير محسوبة.في رده على دوفال صدق برندرغاست بصورة غير مباشرة الاتهام بلامسؤولية الناشطين وعدم تدبرهم في عواقب أعمالهم حين قال إن الناشطين غير مسؤولين عما حدث على أرض الواقع، فمهمتهم هي تنبيه السياسيين وصانعي السياسة إلى القضايا، وهؤلاء هم من قصر ولم يتصد للإبادة في وقتها. وأضاف يقول إن العيب ليس في الخطاب المتشدد للإدارة الأمريكية ولكن في أنها لم تتبع القول بالعمل. وعليه فإن الخطاب المتشدد لم يجرئ المتمردين فقط  حين أوهمهم بقرب التدخل العسكري، ولكنه جرأ الحكومة كذلك، لأن تحديها لتهديدات بوش دون عواقب أظهرها بمظهر المنتصر. وختم برندرغاست بالقول إن الفضل كل الفضل يعود للناشطين الذي لولاهم لما أنجز شيء مما أنجز مثل قرار إرسال القوات وتحويل القضية إلى محكمة الجنايات الدولية، ولكن التقصير جاء من غيرهم.هناك مفارقة أخرى تفتح البصائر حول هذا السجال الذي يستعيد سجالاً مماثلاً دار في أروقة صنع القرار في واشنطون حين كان برندرغاست (مع سوزان رايس من موقعهما في مجلس الأمن القومي) يمثل الصقور في إدراة كلينتون. وقد كنت شاهداً على بعض هذه السجالات التي سلق فيها برندرغاست وشيعته من كانوا يوصفون بالبراغماتيين في الخارجية الأمريكية بألسنة حداد، واصفين إياهم بالتقاعس وممالأة حكومة الخرطوم، ومطالبين بخطوات حاسمة ضد الحكومة. وكان نتيجة هذا أن أبعد حمائم الخارجية وجيء برايس إلى الخارجية، فتم في عهدها قصف مصنع الشفاء وفرض عقوبات على السودان، قبل أن تعود ومعها الإدارة إلى سياسات الحمائم، حيث تم في عهدها تعيين مبعوث رئاسي لعملية السلام وبدأ التعاون المخابراتي بين البلدين.ولعل دوفال الذي كان بدوره أحد صقور الناشطين في أيامه السالفة يستقي العبرة هنا من تجربته الشخصية في حث العواصم الغربية بما فيها واشنطون للتشدد تجاه الخرطوم، ثم العودة إلى المساهمة في دعم عملية السلام في الجنوب ثم في دارفور. ولعله يريد أن يسوق لزملائه الناشطين عبرة الحديث الشريف أن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وأن المتطرفين من كل ملة يحلقون بحماس فوق الأودية السحيقة قبل أن يهبطوا اضطرارياً إلى أرض الواقع، كما حدث لبوش وشيعته حين تحدوا العالم وغزوا العراق ثم أصبحوا يتوسلون لمن ينقذهم من وحله.من جهة أخرى فإن موقف دوفال لم يتغير كثيراً، لأنه كان منذ البداية متشككاً في تهمة الإبادة الجماعية. على سبيل المثال فإن المقولة الذي استشهد بها منتقده في "سودان تريبيون" حول عدم ضرورة إثبات نية الإبادة لثبات التهمة بحجة أن محكمة رواندا الخاصة أثبتت وجود النية من سلوك المتهمين رافضة دفعهم بعدم وجود مثل هذه النية لا تكتمل بدون الإشارة إلى إيراد دوفال في نفس المقالة (نشرت في سبتمبر 2005) لنتائج تحقيق لجنة الأمم المتحدة التي نفت حدوث الإبادة الجماعية. ويضيف دوفال كذلك أنه كان من الأفضل البدء بتهم أخرى أكثر قابلية للإثبات، ويختم بأن من الأفضل اللجوء لحل سلمي تساهم فيه الأطراف السودانية بدلاً من اللجوء إلى المحاكم الخارجية.هذا الموقف الذي سبق مشاركة دوفال في مفاوضات أبوجا يشير إلى أن التغيير في موقفه لم يكن بالحدة التي أشار إليها منتقدوه. هذا مع العمل بأن دوفال لم يبرئ الحكومة السودانية من تهمة التجاوزات، بل استغرب احتفالها بقرار لجنة الأمم المتحدة التي برأتها من تهمة الإبادة الجماعية ولكنها أثبتت في حقها ارتكاب الكثير من عظائم الأمور. ولكن هذا لا يمنع من دوفال قد أصبح إلى حد كبير يمثل "صوت المعارضة" في أوساط الناشطين مما جعله هدفاً لسهام المنتقدين في جو ساده الاستقطاب وتصلب المواقف. وهذا بدوره يشير إلى غرابة الوضع الذي أصبح فيه مجرد الاختلاف حول الطريقة الأمثل لحل مشكل دارفور سبباً للتجريح والتجريم والقدح في الذمم من قبل أصحاب المواقف المتطرفة والغلاة.في تغطية لتعامل الناشطين مع أزمة دارفور سبقت استضافتها للمناظرة بين دوفال وبرندرغاست قالت مجلة "نيوزويك" إن عدداُ متزايداً من صناع السياسة في واشنطون بدأوا ينتقدون الناشطين (ويخصون بالنقد تحالف إنقاذ دارفور) لأنهم بزعمهم يعوقون وصول المساعدات ويعرقلون الدبلوماسية الأمريكية ويحولون دون التوصل إلى حل سياسي للأزمة. ولكن أي من هؤلاء المسؤولين لم يملك الجرأة، بحسب "نيوزويك"، لكي يصرح بهذا النقد علناً خوفاً من نفوذ التحالف الذي يضم منظمات ذات نفوذ واسع في واشنطون. دوفالدوفال كان الوحيد الذي قبل أن يخرج علناً بنقده. وقد كشف ما حدث له لماذا يفضل الآخرون أن يكون نقدهم من وراء حجاب.ولا يحتاج المرء للاتفاق مع موقف دوفال لكي يرحب بتعدد الآراء والاجتهادات حول أزمة معقدة مثل أزمة دارفور لا تتحمل تبسيط الأمور إلى أبيض وأسود، خاصة حين يتعلق الأمر بأرواح الخلق ومصائرهم. فعندما يكون الخلاف حول أولوية إنقاذ أرواح المواطنين التي قد تزهق باستمرار الاحتراب، وبين التضحية بآلاف آخرين من أجل تحقيق أهداف سياسية، يجب أن يسمح بحرية الحوار وتعدد الاجتهادات. ولكن القرار الأخير يجب أن يكون بيد الضحايا المحتملين للصراع، لا بيد ناشطين وسياسيين من وراء الحدود.عن "القدس العربي" 31 مارس 2009