عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
في خطابه الذي ألقاه مساء الأربعاء الماضي وأعلن فيه حل البرلمان، حذر امير الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح مواطنيه بأنه أصبح  يستشعر "الخطر كل الخطر" بسبب ممارسات من البعض "تهدد سلامة الوطن واستقراره ووحدة ابنائه (وتعرض) شعبا بأكمله للخطر الذي ليس وراءه خطر." وقد حدد الأمير هؤلاء "البعض" في النواب الذين استمروا في تقديم استجوابات غير مبررة وأجهزة الإعلام التي أصبح بعضها يستغل "كمعاول هدم لمجتمعنا ولثوابتنا الوطنية".
 (2)
يبدو أن هذا "البعض" لايشمل رئيس مجلس الامة جاسم الخرافي الذي نقلت عنه الصحف الإشادة "بحكمة صاحب السمو في حل الازمة السياسية وبحرص سموه الدائم على المؤسسة الديمقراطية" مضيفاً ان قرار سموه يشكل الحل الامثل لما تمر به الكويت. ولا يشمل كذلك عدداً معتبراً من النواب تباروا في الإشادة بحكمة سموه وترديد انتقاداته للمخالفين.
  (3)
أجهزة الإعلام ذات المسالك المريبة غابت كذلك عن الساحة حيث كانت عناوين الصحف الكويتية الرئيسية في اليوم التالي وافتتاحياتها من نوع "الحكيم حكم الدستور"، أو "الأمير ينتصر للدستور"، أو "بيض الله وجهك" أو "ثقوا بالأمير". أما رئيس تحرير صحيفة السياسة أحمد الجار الله فقد بز الأقران في افتتاحية عنوانها "القرار لك... يا ولي الأمر" قال في مطلعها: "لن يعترض أحد على قرار ولي الأمر ومرئياته لحل مجلس الامة حلاً دستورياً أو غير دستوري، فالقرار قراره والمسؤولية مسؤوليته أمام شعبه ومصالح وطنه، وهو الذي سيسأل عنها اذا ما سأل احد يوماً عن هذا الأمر أو ذاك."
(4)
لو أخذنا استجوابات رئيس الوزراء باعتبارها مقياساً للخطر لكان من الواجب أن يتم حل البرلمان البريطاني كل عصر أربعاء، وهو اليوم الذي يتعرض فيه رئيس الوزراء لاستجوابات من المعارضة يهون أمامها استجواب المتهم في المحكمة. ولكن رئيس الحكومة البريطانية يرد ببلاغة واقتدار على أسئلة معارضيه ثم يعود إلى مكتبه بعد انتهاء نصف الساعة المقرر لهذه التلاسنات لممارسة الحكم. فما الذي يمنع رئيس الوزراء الكويتي من عمل الشيء نفسه؟ ولماذا يرى في توجيه أسئلة يعترف الأمير بأنها حق مشروع للنواب وهي مبرر وجود البرلمان في الأساس خطراً يتهدد الأمة والعالم؟
(5)
التجربة السياسية في الكويت ما تزال إلى حد كبير أسيرة تاريخ مضى، منذ استعان أحد أبرز أمرائها في نهاية القرن التاسع عشر بالبدو من خارج المدينة وبالبريطانيين لفرض سلطانه على أعيان المدينة ومنافسيه في الأسرة. وهي أيضاً أسيرة الجغرافيا، كونها شبه الديمقراطية الوحيدة في منطقة الخليج. وينعكس هذا التراث المزدوج على دأب الأسرة الحاكمة على مقاومة المد الديمقراطي المحتوم بالاستناد إلى الدعم الإقليمي والخارجي إضافة إلى الهيمنة على موارد النفط والاستعانة ببعض التحالفات الداخلية.
(6)
قبل غزو صدام للكويت كانت الكفة تميل دائماً لصالح الأسرة الحاكمة، خاصة وأن جيران الكويت كانوا يضغطون لوأد التجربة، كما كان السند الخارجي قوياً والأسرة متماسكة. ولهذا كان الحكام يستسهلون حل البرلمان بدون الدعوة إلى انتخاب بديل خلال شهرين كما ينص الدستور. ولكن بعد مغامرة صدام تصدع كل ذلك. الأمريكان الذي جاءوا لإنقاذ الأسرة ردوا على منتقديهم بالتعهد بدعم الديمقراطية، فلم يعد ممكناً وحراب الأشقاء من بني سام –نفع الله بهم- تحرس القصور من معسكراتها القريبة أن يصرف البرلمان في إجازة غير محددة الأجل، رغم تحريض الجار الله وغيره من أنصار الاستبداد.
(7)
الوجود الأمريكي ومعه خلافات الأسرة منح مختلف المعارضين الجرأة على تحدي إرادة الحكام في القضايا التي تهمهم. وبالمثل فإن ضعف وتراجع الهيمنة السعودية التي تم استبدالها بالوجود الأمريكي، إضافة إلى انشغال المنطقة بتحديات داخلية وخارجية، ونزوع معظم دول الخليج إلى اعتناق خطاب الديمقراطية في الظاهر، أضعف السند الإقليمي لتفرد الأسرة بالأمر.
(8)
كان الأمير على حق إذن وهو يستشعر الخطر، ولكنه ليس خطراً يتهدد البلاد بقدر ما يهدد استمرار تفرد الأسرة الحاكمة بالأمر. وقد وضع حزب الأمة (غير المعترف به لأن الأحزاب غير مسموح بها) يده على جوهر الأزمة حين أشار إلى أن المشكلة تكمن في تناقض دستور 1962 الذي ينص على ان نظام الحكم ديموقراطي وأن الامة مصدر السلطات جميعا، بينما يحتوي نصوصاً اخرى تصادر هذا الحق. وعليه دعا الحزب إلى وضع دستور جديد يكفل للشعب حق اختيار حكومة منتخبة وتعددية سياسية وتداول سلمي للحكومة.
(9)
الكويت أمام مفترق طرق بين عودة تكاد مستحيلة إلى استبداد كامل تتمناه الحكومة، وبين التحرك في اتجاه ديمقراطية حقيقية تحت نظام ملكي دستوري يحد من صلاحيات الحكومة والأمير لصالح برلمان منتخب كامل الصلاحيات. ولكن حتى يتحقق ذلك لا بد من توافق وإجماع وطني بين مختلف طوائف المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية. فلن تتحقق ديمقراطية في مجتمع تتمنى بعض طوائفه الاستعانة باستبداد الحاكم لقهر خصومها وتهلل للاستبداد وتدعو إلى حل البرلمان بخلاف الدستور.