في قلب مقولات الاستشراق وسلمان رشدي:
 
في عام 1997، استشهدت في كلمة ألقيتها في مؤتمر نظمه معهد السلام في واشنطون حول الدين والقومية في السودان بعبارة وردت على لسان الراوي في حوار بين الراوي في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" وبين بطل الرواية مصطفى سعيد في ثاني لقاء بين الرجلين. في ذلك الحوار يستفسر سعيد، الرجل الغريب الذي استوطن في القرية في غياب الراوي، عن دراسته في الغرب، وعندما يسمع أنه حصل على شهادة دكتوراه في الأدب الإنجليزي عن دراسة في أعمال شاعر إنجليزي مغمور، يجيء الرد الذي أغاظ الراوي أشد الغيظ. ولم يكن ما أغاظ الأخير استخفاف سعيد بمؤهله وقوله ألا حاجة بنا إلى الشعر هنا، فلو كنت درست الزراعة أو الهندسة أو الطب لكان ذلك أنفع. ولكن ما أغاظه كان استخدام سعيد لصيغة الجمع للتحدث عن نفسه باعتباره الممثل لأهل القرية، دون أن يشمل محدثه فيها. يقول الراوي في نفسه: أنظر كيف يدعي الانتماء إلى القرية ويخرجني من هذا الانتماء، في حين أنه هو الغريب وأنا ابن البلد!
ولعل هذه اللمحة من الرواية تصلح المدخل إذ نعود كما وعدنا إلى تذكر فقيد الأمة والأدب الطيب صالح رحمه الله وأحسن إليه، وفاءً لبعض حق ذلك الفارس الذي ترجل بعد أن أدى ما عليه وزاد. فهاهنا نجد أحد المفاتيح لفهم سر الأثر الصاقع والباقي الذي خلفته كتابات الطيب في قراء ذلك العصر. فقد كان الطيب مهموماً منذ كتابة مجموعته القصصية الأولى "دومة ود حامد" بالتحدي الذي فرضته الحداثة على المجتمع التقليدي الذي تمثله في هذه الحالة القرية السودانية النائية في الشمال السوداني الأقصى. وكما فعل شينوا أشيبي في روايته "الأشياء تتداعى"، جعل صالح من القرية مسرحاً للصراع الملحمي بين قوى الحداثة ومؤثراتها الواردة من الغرب، وبين التقاليد الراسخة للمجتمعات الشرقية.
في هذه اللحظة، لم يكن الراوي يعرف خلفية سعيد، الذي كان مشبعاً مثله، بل أكثر منه بكثير، بقيم الحداثة وتناقضاتها، ولكنه لم يملك إلا أن يحسد هذا الغريب الذي اندمج في حياة القرية وأصبح يخاطبه هو ابن القرية على أنه الغريب.وكان سعيد قد سافر إلى الغرب وهو شاب، وأكمل دراسته الجامعية هناك، وحصل على دكتوراه في الاقتصاد، وأصبح من كبار ومشاهير المنظرين الراديكاليين المعادين للرأسمالية. ولكن سعيد كانت له أيضاً حياة سرية، تمثلت في إدمانه إغواء الفتيات والنساء حتى يقعن في حبه، ثم هجرانهن، مما دفع عدداً منهن للانتحار. كان سعيد غاية في الذكاء، ولكنه كان رجلاً بلا قلب ولاضمير، لا يهتم بالعلاقات الإنسانية ولا يحفل حتى بوالدته، كما أنه كان دعياً يمارس الدجل وحب الشهرة في حياته العلمية. وفي نهاية الأمر انهار عالمه المبني على الأكاذيب والخداع فوق رأسه حين تعرف على جين موريس التي لم تقع في حبائله كبقية الفتيات، وظلت تصده حتى ملت من مطاردته فقبلت الزواج منه، ولكنها ظلت تسومه سوء العذاب وتواصل صده، بل تخونه علناً، حتى دفعته إلى قتلها وهو في حالة تشبه الجنون.
وبعد أن أمضى عقوبة السجن سبع سنوات عاد قافلاً إلى بلده السودان وأخفى هويته وسعى إلى الاندماج في القرية كما لو كان لم يهاجر قط ولم يذق من ثمرة الحداثة المحرمة. وبالفعل ينجح في ما أراد، ويتزوج فتاة من القرية وينجب منها طفلين ويشتغل فيها بالزراعة ويمارس الحياة التقليدية. ولكن الراوي يشك في هويته حين يقبل الأخير على مضض دعوته لشرب الخمر، ثم يردد وهو ثمل كلمات أغنية انجليزية. وعندما يدرك أن أمره انكشف يفضي للراوي بحكايته كاملة ثم يختفي من القرية في زمن الفيضان، حيث يعتقد أنه غرق. ولكن حكايته لا تنتهي هنا، لأن أرملته تقتل الرجل الذي أجبرت على الزواج منه ثم تنتحر، مما مثل فضيحة لا سابقة لها هزب كيان القرية. وتنتهي الرواية بغموض مقصود حول مصير سعيد، ومحاولة القرية أن تستفيق من الصدمات التي خلفها ظهوره ثم غيابه.
وبخلاف الروايات الأخرى التي تناولت علاقة الغرب والشرق في الأدب العربي (مثل "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، "الحي اللاتيني" لسهيل ادريس، "وقنديل أم هاشم" ليحيى حقي) فإننا هنا أمام رحلتين إلى الغرب وعودتين منه. فمن جهة هناك رحلة الراوي التي أتم فيها دراسته كما هو متوقع منه، ولم يحدث حدثاً أو يفلت من عقال، ثم عاد إلى أهله في شوق للديار، واستمرار في احترام التقاليد. ولكن هذه العودة تظل مع ذلك عودة ملتبسة. فالراوي لم يعد بإمكانه، وقد درس الأدب الانجليزي وشرب من مناهل الثقافة الغربية وعايش حضارتها، أن يعود إلى الاندماج الكامل في المجتمع اندماجاً تاماً كما فعل سعيد في الظاهر على الأقل.
هنا نجد أن سعيد قد حقق أمنية دفينة تراود كل المثقفين من المجتمعات التقليدية، وهي أمنية العودة الكاملة إلى الجذور، والاندماج من جديد في المجتمع، ولكنها كما نعلم جميعاً أمنية مستحيلة. فحين تتحقق هذه الأمنية في حالة اسماعيل في "قنديل أم هاشم" الذي ينقلب من الثورة على التقاليد والاحتضان الكامل لقيم الغرب (بما في ذلك المغامرات العاطفية) ويعود إلى الاعتناق الكامل للتقاليد والإيمان بكرامات أهم هاشم وينجح عن طريق استخدام زيت القنديل في معالجة فاطمة ثم يتزوجها، عندما تتحقق بهذا الشكل لا يستطيع أي مثقف أن يرى نفسه في مثل هذا التحول اللامعقول. حتى مصطفى سعيد لم يحقق الاندماج حقيقة، وإنما فعل ذلك بإخفاء هويته وكان يعيش حياة مزدوجة يعود فيها ليلاً إلى الغرفة السرية التي بناها على الطراز الغربي وأودعها كتبه وأوراقه وحولها إلى محراب يتعبد فيه للحداثة التي لم يستطع التحرر منها.
 ولكن هذه لم تكن الأمنية الدفينة الوحيدة التي كانت تعشعش داخل قلوب مثقفي الخمسينات والستينات وحققها سعيد نيابة عنهم، بل كانت هناك أيضاً أمنية "الانتقام الجنسي" (إن صح التعبير) من الهيمنة الاستعمارية الغربية عبر غزو الغرب جنسياً والتمتع بنسائه. ويحقق سعيد هذا "الفتح" عبر استغلال الجهل الغربي بالشرق والخرافات المتداولة عنه في مخيلات الغربيين. وفي سخرية مقصودة من مقولات الاستشراق يستغل سعيد المعتقدات السخيفة عن افريقيا (حين يزعم لإحدى السيدات أن التماسيح تتجول في شوراع مدينته) والشرق العربي (حين يجعل غرفته صورة نمطية عن البيت الشرقي، فيزينها بالتحف المجلوبة منها وجلود الحيوانات ويعطرها بالبخور)، كأداة من أهم أدواته للإغواء والإيقاع بالنساء. وهكذا يقلب سعيد مقولات الاستشرق التي استخدمت كأداة لإخضاع الشرق إلى واحدة من أدواته للإخضاع المضاد.
وفي أثناء محاكمته يعيد سعيد اللعب على نقاط الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، حين يقول في دفاعه إنه لم يقتل جين موريس، وإنما قتلتها جرثومة عمرها ألف عام، قتلها "السم الذي حقنتم به أوردة التاريخ". والإشارة هنا كما لا يخفى هي إلى الحروب الصليبية باعتبارها بداية الصراع بين الشرق والغرب. فهنا يقلب صالح عبر شخصية سعيد مقولات الاستشراق ضد نفسها مرتين: مرة حين يسخر منها ويظهر سذاجتها وغبائها عبر استخدامها ضد أصحابها، ومرة أخرى (كما أشار إدوارد سعيد في نقده للرواية) حين صور رحلة سعيد من مجاهل افريقيا إلى قلب لندن كرحلة معاكسة لرحلة كيرتز (والراوي) إلى "قلب الظلام" في رواية جوزيف كونراد المشهورة.
وفي هذا الصدد نجد أن تعامل الطيب صالح مع مقولات الاستشراق تقف على أحد طرفي نقيض من استخدام سلمان رشدي للمقولات الاستشراقية في روايته سيئة الذكر "آيات شيطانية"، حيث استعاد رشدي تلك المقولات وروج لها واحتفى بها، بينما نجد صالح سخر منها وأظهر تهافتها دون أن يتكلف كبير جهد في ذلك. وهذا أيضاً ما جعل الحبكة الروائية عند صالح تظهر مقدرات فنية عالية، مقابل كثافة (حتى لا نقول فجاجة) تناول رشدي الذي ينقل بالحرف من المصادر الاستشراقية مع معالجة فنية ضعيفة وكسولة.
الاستقبال الحار الذي لقيته رواية موسم الهجرة إلى الشمال كان له إذن ما يبرره لأنها لامست قضايا وأحاسيس قريبة من قلوب الكثيرين، خاصة بالنظر إلى توقيت صدورها. فقد نشرت الرواية أول مرة في عام 1966، وانتشرت في تلك الحقبة المحورية من صراع الشرق والغرب التي صادفت كارثة حزيران (يونيو) عام 1967. فقد كان الوقت مناسباً لمثل هذا التناول الذي يظهر الصراع بين الشرق والغرب على أحد ما يكون، وبعيداً عن أي تناول ساذج. ففي الرواية لا نجد سعيد في مقام محسن في "عصفور من الشرق" الذي يمثل عاطفية الشرقي وسذاجته أمام مادية وتحرر الغرب، ولا في مقام بطل "الحي اللاتيني" الذي يعيش التنازع بين ولائه للتقاليد وحبه لجانين، بل هو بالعكس يسقي الغربيين من كأسهم، ولا يحفل بتقاليد شرق ولا غرب.
ولم يكن موضوع الصراع بين الشرق والغرب هو عامل الجذب الوحيد في الرواية، حيث قدمت أيضاً للقارئ مشهد المجتمع التقليدي (ممثلاً في القرية السودانية) باعتباره منظومة متكاملة من القيم والممارسات ذات الجذور الراسخة، في مقابل العالم الغربي المضطرب المليء بالصراع (الذي ينتقل عبر سعيد إلى القرية، ولكنها في النهاية تنجح في استعادة هدوئها ومتانة نسيجها الاجتماعي). ولكن صالح يبتعد في تناوله لكل هذه القضايا عن التسطيح والتبسيط. فالصراع بين الشرق والغرب ليس صراع شر محض وخير محض. ذلك أن مصطفى سعيد لا يظهر باعتباره البطل الخير الذي يدافع عن الشرق، بل هو رجل أناني مهووس برغباته ومصالحه، حتى وهو يتشدق بمقولات الصراع أو يحاضر عن الاقتصاد والتنمية. وبنفس القدر نجد أن الراوي يتميز بكثير من التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار، بينما لا تظهر القرية السودانية على أنها واحة استقرار صرفة أو مرتع للفضيلة، بل هي كذلك مسرح للصراعات وللصالح والطالح من الممارسات.
ما حققه صالح في هذه الرواية القصيرة لم يكن فقط كشف ضحالة وتهافت بعض الأطروحات الغربية عن الشرق، بل أيضاً نفاق وازدواجية المثقفين الشرقيين الذين يتحللون بمجرد أن تطأ أقدامهم الأرض في الغرب من كل تقاليدهم وقيمهم، ويغلفون هذا التحلل في أوهام النضال، ثم يتنكرون لنفس المجتمعات التي جاءوا منها، ويتحولون إلى غرباء عنها.
ولهذه القصة جانب آخر، يتعلق بموقف صالح الحقيقي من القضايا التي يطرحها هنا. فمن جهة اعترف صالح في بعض حواراته وشذرات مذكراته بأن بعض أفكار بطله سعيد راودت بعض أفراد جيله ولم تخل ممارساتهم منها. ولكنه من جهة أخرى كان محافظاً معتدلاً في فكره، يؤمن بالحوار بين الشرق إيمانه بالاختلاف الجذري بينهما. وكان يتمسك بهويته السودانية بما يشبه الهوس، حتى أنه رفض أن يتقدم للحصول على جواز بريطاني رغم أنه عاش في بريطانيا أكثر من خمسة وخمسين عاماً وتزوج من بريطانية. وكان دأب حين ينزل إلى قريته في شمال السودان، على التحول إلى "مصطفي سعيد" آخر، حيث يخلع زيه الافرنجي ويشتغل بالزراعة ورعاية نخله وحقله تماماً كما فعل بطله. وفي آخر أيامه أعلن ندامته على الهجرة إلى الغرب، داعياً الناس للبقاء في أوطانهم ومستشهداً في ذلك بمقولة الشاعر المبدع عبدالرحمن الأبنودي:
" فى الفجر قال الادان، كما كل يوم بيقول
قالّك: بلاد الكافرين ماتساع، غير كافرين
مهما الزمن يقصر، ومهما يطول"
ألا رحم الله الطيب وعوضه عن الحرقة بفقدان الوطن داراً خيراً من داره.