عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في الضجة التي ما زال غبارها معتكراً حول قرار المحكمة الجنائية الدولية توجيه الاتهام إلى الرئيس السوداني بالضلوع في طائفة من جرائم الحرب، يبدو طرفا النزاع كما لو أن كل منهما يعيش في كوكب مختلف. فهناك من جهة حديث المعارضين عن مؤامرات دولية وعدالة انتقائية (أو عرجاء بحسب وصف الأخ عبدالباري عطوان) واستهداف للمستضعفين من قوى الاستكبار. أما من الجهة الأخرى فهناك الاستبشار ببزوغ فجر العدالة الدولية للمستضعفين ونهاية الحصانة لمرتكبي جرائم الحرب.
ولعل أبلغ تجسيد لهذا الاستقطاب الحاد يظهر في افتتاحيتين لصحيفتين كنديتين، الأولى هي "بوسطون غلوب" التي رحبت في افتتاحيتها بتاريخ التاسع من مارس بالقرار، قائلة إن قضاة المحكمة نطقوا باسم كل شخص في العالم راقب في هلع ارتكاب هذه الجرائم بينما العالم يتفرج. وأضافت إن هذا القرار يرسل رسالة للبشير وكل زعيم آخر داخل وخارج السودان ألا حصانة لمن يرتكب المجازر في حق الأبرياء. وانتقدت الصحيفة من وصفتهم بحسني النية ممن عارضوا القرار من منطلق إنساني باعتباره يزيد معاناة الضحايا ويهدد السلام، قائلة إن مثل هذه الاعتبارات لا يجب أن تطغى على مطلب العدالة. أما الصحيفة الأخرى فهي "كالغاري هيرالد" التي كتبت في افتتاحيتها في الثامن من مارس تنتقد القرار وتقول إن المحكمة قد قفزب فوق حدود إمكانياتها. وأضافت الصحيفة تقول إن القرار سيزيد من معاناة أهل دارفور، كما أن تطبيقه مستحيل. ورفضت الصحيفة المقارنة بين وضع ميلوسوفيتش في يوغسلافيا، ذلك أن الأخير كان يواجه هجوماً مباشراً من قوات حلف الأطلسي، وقد فقد الكثير من سنده الخارجي والداخلي، بينما البشير لا زال يتمتع بسند داخلي وخارجي قوي (أضافت الصحيفة تقول إنه غير مستحق). ولكن الصحيفة رأت إن الإشكال الأكبر هو إن مفهوم المحكمة الجنائية مختل من الأساس، لأن المحكمة التي لا تملك السلطة والقوة لتنفيذ قراراتها لا بد أن تصبح في نظر الجميع محكمة القوى الكبرى المهيمنة، مما يقدح في حيادها ونزاهتها. وخلصت تقول إنه في غياب الإرادة لتدخل عسكري فإن إصدار قرارات ذات طابع رمزي لن يجلب سوى الضرر.
في هذا الاستقطاب وقفت مجموعة الأزمات الدولية (مقرها بروكسيل) إلى جانب المذكرة، كما جاء في تصريح على لسان نائب رئيسها نيك غرونو في نفس يوم صدور قرار مذكرة الاتهام وصفت فيه القرار بأنه نقطة تحول في إنهاء حالة الإفلات من العقاب، وبأنه يُشكّل "اعترافاً قانونيّاً مستقلاّ" بالجرائم الكبرى المرتكبة بحق الملايين من أهل دارفور. ولكن المجموعة تستدرك بالقول بأن كون هذه نقطة تحول نحو الأفضل سيعتمد على تصرف الحزب الحاكم، ثم تنغمس بعد ذلك في سلسلة من التمنيات (أن يدرك المؤتمر الوطني أنه خسر هذه المواجهة ولا بد من أن يستسلم، وأن تتصرف الفئة المتنفذة فيه بما يحفظ مصالحها فتتخلص من البشير، وأن يتخلى حلفاء النظام عنه أيضاً للحفاظ على مصالحهم، أن تنسلخ الحركة الشعبية من الحكومة) والتوسلات (أن يمارس النظام ضبط النفس، وأن تضغط الدول الحليفة للسودان على الحكومة لتنصاع للإرادة الدولية، أن تضغط الحركة الشعبية حتى لا تعلن حالة الطوارئ) والتوصيات (أن يقدم المجتمع الدولي حوافز للخرطوم إذا اتخذت خطوات جادة لتحقيق العدالة والسلام في دارفور، مع التهديد بتنفيذ أمر القبض إذا لم تفعل، وأيضاً فرض شروط صارمة من أجل تأجيل أمر القبض على البشير، أن يتم تطبيق اتفاقية السلام الشامل بما يضمن التحول الديمقراطي، وألا يترشح البشير للرئاسة في الانتخابات القادمة).
مثل كل مؤيدي القرار، فإن المجموعة تعلق كل آمالها على تحول داخلي (أي انقلاب في النظام) وهو ما راهنت عليه كذلك مجموعة "كفاية" في مركز التقدم الأمريكي (واشنطون) في تقرير صدر في الثاني عشر من فبراير الماضي واستبشرت فيه بالقرار قبل صدوره. ومرة أخرى استشهد التقرير بمثال ميلوسوفيتش في صربيا وشارلز تيلور في ليبريا، وقال ناطقون باسم المركز إن الخبرة السابقة تشير إلى أن إصدار مثل هذه القرارات يدفع عملية السلام ويساعد التغيير. وأضاف الناطق إن المتنفذين في المؤتمر الوطني الحاكم قد يقرروا أنه ليس من مصلحتهم العمل إلى جانب رئيس مطلوب في جرائم حرب، فيتخلصون منه لإنقاذ أنفسهم من اتهامات إضافية وللحفاظ على سلطتهم.
وبالمقابل فإن أليكس دوفال، الباحث في مجلس بحوث العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة، سفه هذه التوقعات، التي وصفها آخرون بأنها من قبيل التمنيات.  ويرفض دوفال كلا الطرحين (كون الخطوة تعتبر إما فتحاً مبيناً لقضية حقوق الإنسان وإما بداية امبريالية قضائية تستهدف فرض الهيمنة على الضعفاء) ويصنفها على أنها أزمة كبرى في طريق بناء نظام عدالة دولي سببها أن مدعي المحكمة مورينو أوكامبو قد ضل طريقه وقفز قفزة في المجهول بعد أن أغوته أضواء الشهرة.
ويوجه دوفال القسط الأكبر من اللوم في هذه الأزمة إلى مجلس الأمن الذي يعتقد أنه لم يشهد نقاشاً ذا بال لانعكاسات قرار الإحالة على الجنائية على السلام والاستقرار في السودان، كما أنه أصم آذانه عن مطالب الاتحاد الافريقي المتكررة بتأجيل الملاحقة ومراعاة العوامل المتعلقة بالسلام. ويفند دوفال ادعاءات مورينو أوكامبو باستقلال العدالة عن السياسة، مشيراً إلى مثال بريطانيا حيث لا يمكن لأوكامبو التحقيق في جرائم الحرب التي ارتكتب في أيرلندا الشمالية رغم أن بريطانيا عضو في المحكمة الجنائية الدولية. ويخلص دوفال إلى أن خطوة أوكامبو قد تنعكس سلباً على المحكمة مع تصاعد الدعوات في افريقيا للانسحاب منها، أو على الأقل تجميد التعاون معها.
وبنفس المنطق يفند دوفال نظرية المؤامرة حول قرارات الجنائية وأهدافها، مستنداً في ذلك إلى اعتقاده بأن اللاعبين الكبار لم ينسقوا فيما بينهم بما فيه الكفاية، ولكنه يعترف بأن موقف الدول الثلاث الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا) في مجلس الأمن أملته ظروف داخلية ونفوذ جماعات الضغط. وقد ثنى الأسقف ديزموند توتو الزعيم الافريقي المعروف بحجة أخرى ترد على نظرية المؤامرة، حيث ذكر بأن الضحايا في هذه الحالة أفارقة، مما لا يستقيم معه اتهام المحكمة بأنها تستهدف الأفارقة تحديداً. ونعى توتو على الزعماء الأفارقة الانحياز للسودان، وعلى مجموعة السبعة والسبعين (وهي في الحقيقة تتكون من 130 دولة) لأنها أعطت رئاستها للسودان بالرغم من معرفتها بقرب صدور قرار الإدانة في حق رئيسه، مضيفاً بأن تحقيق السلام غير ممكن بدون عدالة. وقد رد عليه دوفال بتذكيره بأنه هو (توتو) شخصياً قدم المصالحة والسلام على العدالة في جنوب افريقيا وسمح لقيادات النظام العنصري بالافلات من العقوبة، مستنكراً عليه أن يفعل في بلده ما ينهى عنه في السودان.
توتو ذكر أيضاً بأن عشرين دولة افريقية وقعت على نظام روما وكانت من المؤسسين للمحكمة الجنائية الدولية. ولكن توتو حين كتب تعليقه هذا في النيويورك تايمز قبل يومين من صدور قرار المحكمة لم يكن قد سمع بعد بأن الرئيس السنغالي عبدالله واحد، الذي كان من بين المؤسسين للمحكمة ومن أكبر الداعين لها، قد دعا إلى مؤتمر في عاصمته داكار للدول الموقعة على نظام روما للتباحث فيما آلت إليه المحكمة وفي ما إذا كانت قرارات المحكمة الأخيرة تنسجم مع فهم الأوضاع لدورها ومهمتها.
هذا المنحى يؤكد تخوف دوفال من الضرر الذي سيلحق بشرعية المحكمة الجنائية، وهو احتمال نبهنا عليه قبل أكثر من ثلاثة أشهر على هذه الصفحات. ذلك أن إصدار قرار غير قابل للتنفيذ ترفضه غالبية دول العالم، بما في ذلك الدول الموقعة على نظام روما، يهدد بجعل المحكمة أضحوكة. وفي هذا المقام فلعل إصدار قرار من مجلس الأمن بتأجيل الملاحقة يكون الملاذ الأخير لإنقاذ ماء الوجه عند القوى التي تقف وراء المحكمة اتباعاً لحكمة "بيدي لا بيد عمرو"، حتى لا يقال إن المحكمة سقطت.
ولعلها سذاجة كبيرة من قبل أنصار قرار التوقيف أن يعلقوا كل آمالهم على انشقاق جديد في الحزب الحاكم يتولى نيابة عن المحكمة تنفيذ قرارها، أو على الأقل إبعاد البشير من الواجهة. وذلك أولاً لأن القوى والجهات التي يعول عليها هؤلاء متهمة أكثر من البشير بارتكاب التجاوزات في دارفور. فالتهمة ضد البشير هي في الأساس التستر على المجرمين، لأنه لم يسافر شخصياً إلى دارفور ليقود الحرب هناك. وعليه فليس من مصلحة جهة عسكرية أو أمنية في الوقت الحالي أن تتخلص من البشير. ولا يعني هذا أنه لا توجد خلافات داخل المؤتمر الوطني، ولا أن هناك غالبية تتمنى التخلص من الفئة المهيمنة حالياً، ولكن قرار المحكمة بالعكس أضعف من موقف هؤلاء. ففي الوقت الذي تصطف فيه كل القوى السياسية الرئيسية في المعارضة خلف النظام حول هذه المسألة، ويسانده الرأي العام الافريقي والعربي، فإن معارضي الرئيس داخل وخارج المؤتمر الوطني لا يجرؤون حالياً على مجرد انتقاده، ليس فقط خوفاً من تهديدات رئيس جهاز الأمن بتقطيع الأوصال، ولكن خشية أن يصنفوا من قبل الرأي العام بانهم ناقصي الوطنية.
التعلق بأوهام انحياز فئة داخل النظام لمعسكر مؤيدي المحكمة يؤكد من جهة أخرى عدم وجود أي خطة لدى المحكمة ومؤيديها سوى التعلق بالأوهام وانتظار الفرج. ولكن الإشكال أن مؤيدي القرار من أهل الداخل في السودان كانوا بدورهم ينتظرونه باعتباره الفرج الذي سيقلب المعادلات. وهكذا يبدو أن كل طرف من المؤيدين يعلق آماله بالإمكانيات السحرية المفترضة لقرار لا مجال لتنفيذه.
قبل أن نختم لا بد من التنبيه على نقطة أخرى، وهي أن ترديد الخطاب الرسمي الحكومي السوادني لمقولات نظرية المؤامرة حول الجنائية واتهام الدول الغربية بأنها وقفت وراء القرار للإضرار بالسودان وتمزيقه ثم نهب ثرواته ربما تصلح للتعبئة الداخلية ولكنها لا تجدي في مواجهة التحدي الذي تمثله المحكمة. صحيح أن المحكمة كما قالت "كالغاري هيرالد" هي بالضرورة ذراع القوى الكبرى لأنها فاقدة لأي قوة ذاتية. ولكن هناك نقطة أخرى أثارها دوفال ضد من رأوا في القرار وسيلة ضغط لتغيير سلوك النظام، قائلاً إن وسيلة الضغط تكون مفيدة حين يصبح من الممكن التحكم في القرار النهائي بناءً على تغير سلوك المضغوط عليه. ولكن في حالة المحكمة فإن الأمر سيان سواءً انصاع السودان لما طلب منه أم لم يفعل.
الفهم الصحيح إذن للمحكمة يجب أن ينطلق من أنها لا تشكل أداة سياسة خارجية مباشرة للقوى الكبرى، بل بالعكس فإن القوى الكبرى تكون في الواقع قد سلبت نفسها أهم وسيلة ضغط حين سلمت الأمر إلى محكمة سلطانها عليها محدود. ويمثل موقف هذه القوى من المحكمة من هي جهة انحناء لضغوط قوى داخلية وجماعات ضغط شعبية، ومن جهة أخرى تعبيراً عن العجز. ذلك أن إحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية جاء على أثر حملة إعلامية ضارية نظمتها جماعات ضغط نشطة ترفع شعار حقوق الإنسان ووقف الإبادة الجماعية، وهي شعارات لا تملك الدول الكبرى إلا الانحناء أمامها. وقد كان أصحاب هذه الحملات يطالبون بتحرك مباشر مثل فرض الحصار على السودان أو حظر الطيران في دارفور أو التدخل العسكري المباشر، وهي خطوات لم تكن تلك الدول قادرة عليها. وعليه كان قرار الإحالة على المحكمة هوخطوة للتغطية على هذا العجز وتهدئة خواطر الناشطين والإعلام، وتنطبق عليه فإن مقولة "مكره أخاك لا بطل". ويفسر هذا بدوره التناقض في مواقفها المؤيدة للعملية السلمية من جهة، وللقرارات التي تقوضها من جهة أخرى. ولعل التحرك الصحيح من قبل السودان يجب أن يكون مساعدة هذه الدول للخروج من ورطتها لا البحث عن صدام ومواجهة معها.