وصل الصراع حول السلطة في السودان إلى منعطفٍ خطير، ومفترق طرقٍ بين توجّهٍ ديمقراطي سليم، ينتقل بالبلاد إلى رحاب سلام واستقرار، وانحدارٍ إلى هوة حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. هذا على الرغم من وجود توافقٍ على ضرورة تفكيك النظام الاستبدادي القائم، والانتقال بخطى ثابتة نحو المستقبل المشرق الذي يطمح إليه الجميع. هناك أيضاً توافق على أن أركان النظام القديم وحزبه الحاكم لا يمكن أن يكونوا جزءاً من هذا الانتقال، فقد أخذ القوم فرصتهم، ولم ينجحوا لا في كسب غالبية الرأي العام، ولا في الوصول إلى حلول لمشكلات البلاد المستعصية. بل بالعكس، أضاعوا كل فرصةٍ أتيحت للبلاد، بما في ذلك فرصة اتفاقية السلام الشاملة الواعدة في 2005، والثروات النفطية التي تدفقت على البلاد نهاية القرن الماضي، وكل عرضٍ للتوصل إلى وفاق وطني، بما في ذلك إجراءات ما سمي "الحوار الوطني" الذي ابتدره النظام بنفسه في عام 2014. وعليه، لا بد أن تحمل الراية الآن فئةٌ جديدة، يقع اختبارها وامتحان الرؤى التي تحملها، عسى أن يكون فيها الخير للبلاد. وقد تكون هناك حجة أيضاً لاستبعاد بعض قيادات تجربة حزب المؤتمر الوطني حتى بعد مرحلة الانتقال، ربما خلال السنوات الخمس التي تليها. وربما لن يحتاج الناس لقانون أو منع رسمي لذلك، لأن الشعب قد يقوم بالواجب. ولا بد كذلك من آلية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة خلال العهد الماضي (ويشمل ذلك منسوبي الحركات المسلحة ممن تجب مساءلتهم على جرائم الحرب وغيرها من الممارسات).

يُستثنى كذلك من الإشراف على الفترة الانتقالية قادة الحركات المسلحة لأنهم أيضا عسكر، ولا بد أن تفحص سجلاتهم بعناية، كما تفحص سجلات أهل "الإنقاذ". وإن كان لا محالة، فيمكن أن يمثلوا في المجلس العسكري. يستثنى أيضا كل من ارتمى في أحضان أنظمةٍ قمعيةٍ أجنبية، وبارك مذابحها وبطشها بشعوبها، فكيف يؤتمن على ديمقراطيتنا من أيد قتل مئات المتظاهرين السلميين في مصر، وزج عشرات الآلاف في السجون لمجرد خلاف في الرأي، وقتل مئات بالتعذيب، والأحكام الجماعية بالإعدام على من نجوا من المذابح. كذلك لا يمكن أن نقبل بمن اتخذ الإمارات نموذجاً وسنداً، ولاذ بصاحب المنشار ولياً، فمن يعتقد أن الإمارات والسعودية ومصر السيسي حلفاء مقبولون لا يفضل صلاح قوش (مدير جهاز المخابرات السابق) وعلي عثمان طه (النائب الأسبق للرئيس المخلوع) بشيء، فمهما كانت سيئات نظام الإنقاذ، فإنه كان يسمح لأحزابٍ وصحفٍ كثيرة بالعمل تحت مضايقات كثيرة. أما الأنظمة التي يتعبد في محرابها بعضهم، فتحكم بالسجن المؤبد على دعاة حقوق الإنسان والمغرّدين، بل وطلبت لبعضهم حكم الإعدام! وقد عوقب مغرّدون بالفعل بما يشبه الإعدام من سجن طويل وغرامات باهظة وحرمان من العمل، فلا يمكن أن نُقصي قوش ونافع علي نافع (القيادي البارز في "المؤتمر الوطني")، ثم نأتي بمن يؤيد من هم أسوأ منهم، ويجمع إلى تأييد الدكتاتورية الخانقة الارتهان لقوى أجنبية.

ولا يعني هذا الإقصاء الواجب بأي حال، السماح بدكتاتورية جديدة تمارس "التمكين" بصورةٍ أخرى، وتستبدل طائفةً انفردت بالسلطان بأخرى تمارس القمع والانتهاكات والتصفيات وعمليات الانتقام تحت أي مبرّر، فنعود إلى حلقةٍ مفرغةٍ من الانتهاكات والجرائم، فلا بد من وضع ضوابط تحول دون قيام دكتاتورية "ثورية" على الطريقة اللينينية أو طريقة اليعاقبة في فرنسا. ولا نحتاج الذهاب بعيداً، فلدينا في جنوب السودان تجربة حية أمام أعيننا، لحركة قامت ثائرةً على ما رأته ظلماً، فأخجلت من ثارت ضدهم بما ارتكبته من فظائع في حق أهلها. وعليه، فإن المشكلة في السودان اليوم ليست هي من يتولى إدارة الفترة الانتقالية، ولكن من يتولى الرقابة على أهل السلطة، فالحاجة هي إلى آليات وضوابط تحول دون تكرار تجارب الانفراد بالسلطة المطلقة، وتمنع أي جهةٍ حاكمة من التصرّف على هواها.

وهذا يستدعي، أولاً، إعادة العمل بالدستور، ووضع النظام القضائي في أيدٍ أمينة من الكفاءات القانونية ذات الخبرة والنزاهة والاحترام والتجرّد من الولاءات الحزبية و"الطائفية" (بكل معانيها). يجب كذلك سن قانون صارم لاحترام حقوق الإنسان، يستند إلى الدستور، مع إعطاء النيابة العامة استقلالية كاملة عن القيادة السياسية. كذلك يجب وضع ضوابط لحماية مؤسسات الدولة، خصوصا القضاء والمؤسسات العدلية من التدخلات السياسية، وإرساء أسس الشفافية في كل القرارات السياسية التي تمس هذه المؤسسات، وإحياء رقابة الإعلام الحر والمؤسسات المدنية على السلطة التنفيذية.

يجب سن قانون صارم لاحترام حقوق الإنسان، يستند إلى الدستور، مع إعطاء النيابة العامة استقلالية كاملة عن القيادة السياسية" دستورية، وغرفة برلمانية إضافية، أو مجلس حكماء، يكون قوامها أيضاً الشخصيات ذات الاحترام والصدقية، والممثلين لكل قطاعات المجتمع وثقافاته، فالحكمة لا تقتصر على المثقفين وأدعياء العلم، ففي مجتمعاتنا حكماء وحكيمات لهم قدرات كبيرة على فهم تعقيدات الخلاف والصراعات، وسبل التوفيق بين الناس بالتي هي أحسن.

وقد تمثلت إحدى أكبر إشكالات الديمقراطية السودانية، خلال الفترة التي سبقت الاستقلال وتبعته، في الاستقطاب الحاد وعدم وجود حكم مستقل بين المتخاصمين. تجلى ذلك في الصراع المستدام بين أنصار الوحدة مع مصر والاستقلال وبين الطوائف، ثم بين الجنوب والشمال، وبين أنصار التشريع الإسلامي وخصومه، وفي أزمة حل الحزب الشيوعي عام 1965، ثم الصراع بين المركز والأقاليم، وفي هيمنة الحزبين الكبيرين على السلطة وعدم وجود آلية للتغيير أو لإسماع الصوت البديل.

والديمقراطية بمعنى حكم الشعب لا تكفي وحدها للاستقرار والحكم الرشيد. وقد قضيت جل الأسبوع الماضي في مؤتمر رابطة الدراسات السياسية في مدينة نوتنغهام البريطانية، حيث ساد في المداولات وموضوع معظم الأوراق، نقاش بشأن أزمة الديمقراطية في الغرب، في ظل صعود التيارات الشعبوية وأزمة البريكست في بريطانيا. وكان محور سجالاتٍ عديدة كيفية حماية الحريات من "الديمقراطية"، حين تعني الشعبوية وصعود الدعوات العنصرية والغوغائية. فلم تعد هناك، في عصر الاتصالات المفتوحة، الحصانة نفسها للرأي العام من التضليل وترويج الخوف ورهاب الأجانب التي كانت تحمي الديمقراطيات المستقرة. في الوقت نفسه، وصلت الثقة بالنخب إلى مرحلة متدنية، بعد الأزمات الكثيرة التي ضربت اقتصاد الدول الكبرى في السنوات الأخيرة، وراح ضحيتها كثيرون ممن أصبحوا يخافون على معاشهم. كذلك فإن الأحزاب التقليدية تصدعت وفقدت شعبيتها وبوصلتها معاً.

وكانت المنظّرة السياسية حنا أرندت، قد عزت نجاح الثورة الأميركية في تأمين الاستقرار والحفاظ على الديمقراطية والحريات، في مقابل سقوط روسيا وفرنسا في الدكتاتورية والنزاع الدموي، عزته إلى دور المحكمة العليا ضابطا وميزانا دستوريا نجح في تأمين البلاد ضد تقلبات السياسة. وقد شهدنا كيف أن النظام القانوني الأميركي نجح في لجم تطرّف الرئيس دونالد ترامب، حين أبطل الكثير من قراراته المتطرفة.

نحن أحوج ما نكون، في منطقتنا وبلادنا، إلى دعائم استقرار تضمن الديمقراطية، ولا تؤدي إلى تقويضها" إلى تقويضها. ويتحقق هذا الهدف في الفترة الحالية في السودان بتنصيب حكومة مدنية واسعة الصلاحيات، ومجلس عسكري تضم إليه بعض قيادات الحركات المسلحة، مع إجراء تعديل دستوري يحول معظم صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء. ويجب أن تكون للمجلس العسكري سلطة مكملة وضابطة لسلطة الحكومة. في الوقت نفسه، ينبغي إنشاء مجلس "حكماء" من الشخصيات التي تتمتع بالاحترام وطنياً، وكذلك ممثلين لمكونات المجتمع، على ألا يزيد عدده على الثلاثين. وليس هناك داعٍ في المرحلة الانتقالية لجهاز تشريعي، لأن أي جهةٍ غير منتخبةٍ لن تكون لها شرعية، وهناك حاجةٌ إلى التحرّك في إطار إجماعي. وإنما يمكن إنشاء مجلس دستوري، وتعزيز الجهاز القضائي كما أسلفنا، وإنشاء لجنة تظلمٍ ذات صفة قضائية، يلجأ إليها المواطن الذي يتضرّر مباشرة من قرارات الحكومة.

ويجب أن تكون مهمة الحكومة الانتقالية معالجة الأزمات القائمة، بدءاً بتحقيق السلام وإنقاذ الاقتصاد وإصلاح مؤسسات الدولة، وتوفير الحريات والضمانات التي تسمح بحياةٍ سياسيةٍ صحية. ويكون من المناسب، خلال العام الأول، انتخاب جمعية تأسيسية مهمتها وضع دستور توافقي، يعزّز الحريات ويضمنها، ويكرّس أسس الاستقرار السياسي، وحق الاستدراك على أي نظام سياسي قائم، وضمان التوازن لصالح الفئات التي قد تكون أقصيت أو أضيرت، بسبب آليات الديمقراطية نفسها.. والله المستعان.

نقلا عن العربي الجديد
/////////////