عبد الوهاب الأفندي
أكاديمي سوداني، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا

يبدو أن هناك استمرارية ذات مغزى في أساليب الاستبداد البشري وآلياته، بما في ذلك اللغة والخطاب. في الرواية القرآنية حول ظاهرة فرعون مصر الأصلي مثلاً، نجد تجلياتٍ لهذه الظاهرة في محاولة إعطاء مطالب المضطهدين معنىً هو نقيضها. فحينما يطالب موسى بالسماح لبني إسرائيل بالخروج من ذل العبودية ومغادرة مصر، تقدّم السلطة تفسيراً للشعب وللرأي العام بأن هدف "هذين الساحرين" هو إخراج أهل مصر من أرضهم، وطمس هويتهم (الذهاب بـ "طريقتكم المثلى"). وهنا يصبح مطلب الحرية للمضطهدين، بل ما هو أقل من ذلك، السماح لهم بمغادرة البلاد، هو محاولة لتقويض النظام وطرد "المواطنين" من بلادهم! وما أشبه هذا بموقف الكونفيدراليين في الحرب الأهلية الأميركية، حيث رأوا في تحرير العبيد وإعطاء السود حقوقهم كبشر كارثة إنسانية كبيرة، تستوجب امتشاق السيوف والدعوة إلى الجهاد.

وهذا قلب مدهش للحقائق والوقائع، يصبح فيه الضحايا هم المعتدين، ومطالبتهم بوقف العدوان هي العدوان بعينه. والقيادات تستخدم هذا التدليس، من أجل تهييج الغوغاء، وإيهامهم بأن مطالب الضعفاء المشروعة خطر على الهوية، والقيم، والمصالح، ما يوجب التصدي لها بحسم. ويكون الرد بمزيدٍ من القمع الوحشي والانتهاكات البشعة ("سنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم"). ولا بد فوق ذلك من الفخر الكاذب بالقوة، ("وإنا فوقهم قاهرون"). وهذا هو جوهر الحراك الشعبوي.
ويلاحظ التناقض المزدوج في هذا الخطاب، فادعاء القهر والتمكّن يتناقض مع دعوى خطورة
"من أهم خصائص الاستبداد خاصية التدمير الذاتي وارتداد المكر على الماكر" المجموعة المعنية على الكيان، مثلما تتناقض مطالب السماح بالهجرة مع دعوى تهجير من يُراد الفرار من ظلمهم. بالقدر نفسه، فإن تهمة طمس الهوية، وتقويض القيم، تتناقض مع تهمة التهجير، فمن يريد أن يهجر لا يحتاج التدخل في موضوع الهوية والقيم، فنحن هنا أمام كشكول لا متناهٍ من التناقضات.

ونجد أمثلة كثيرة لهذا في سلوك فراعنة عصرنا، فالحراك السلمي الفلسطيني للمهجرين المحاصرين في غزة هو تهديد لوجود إسرائيل. ومطالب ملايين العرب المحرومين بالحق في حياة إنسانية في حدها الأدنى، يمثل تقويضاً لـ "الدولة" (اقرأ سلطة المتفرعن)، و"إرهاباً"، وتهديداً للأمن والسلم. والصوت الحر وقول الحق هو الخطر والعدوان المبين، فمجرّد تغريدة أو ملاحظة على موقع إلكتروني تهدّد وجود الدول، ومجرّد محادثة بالهاتف تصبح تمرّداً لا بد أن يقابل بقمع باطش، و"قوة غاشمة". هذا في الوقت الذي تفخر فيه هذه الكيانات بأنها دول عملاقة، تتدخل في سياسات الدول الكبرى، وتبعث الأساطيل والجيوش شرقاً وغرباً، كما كانت روما تفعل في الماضي. ولكن أباطرة الكرتون هؤلاء يرتعدون من مجرّد عباراتٍ يسطرها ناشط على شاشته من كوخه المتواضع! ويصفون الدول الجارة بأنها "صغيرة جداً"، ولا شأن لها ولا خطر، لكنهم يجندون كل إعلامهم، واقتصادهم، ودبلوماسيتهم للصراخ بأن تلك الدولة خطر يتهدد وجودهم، لمجرد أنها لا تمالئ المجرمين في إجرامهم. وهذا أشبه بقول القرية الظالمة: "أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون"! فمجرد التنزّه عن المشاركة في الإثم يعتبر تهديداً، لأن التطهر يلقي ضوءاً كاشفاً على جريمة من يفتقده.

وهذا يفسر أيضاً هوس أنظمة الإجرام بالتحكّم بثنائي العلم - الإعلام. والبداية أيضاً من الفرعون الأصلي، في نزاعه الشهير مع السحرة، عندما أعلنوا إيمانهم بموسى. فقد اعتبر هذا تغولاً على سلطته في احتكار المعرفة والخطاب. فمنطق استخدام السحرة أداة إعلامية عبر إلحاق هزيمة "متلفزة" بالساحر الدّعي، وإبطال دعواه أمام الجماهير تفترض القدرة على التحكّم في نتيجة المسابقة المشهودة. وعليه، عندما فشلت المحاولة، وانقلب السحر على الساحر (حقيقةً لا مجازاً)، لم يكن مسموحاً للسحرة (باعتبارهم السلطة "العلمية" في هذا المقام) بإعلان الخبر وإصدار الأحكام حول الفائز والخاسر في هذه المنازلة، فمن غير المسموح به للحقائق أن تتحدث عن نفسها، ولا بد من أن يكون هناك "إخراج" سلطوي، وتصوير لهذه "النكسة" بأنها نصر مبين.

نجد الهوس نفسه عند فراعنة العصر في سعيهم المحموم إلى احتكار مؤسسات إنتاج المعرفة، وأدوات توزيعها. فهم من يسمي شخصاً أو جماعة بأنهم "إرهابيون"، أو من يُصدر التهم في حق ناشطي حقوق الإنسان بأنهم "عملاء". وهم من يحارب مؤسسات إنتاج العلم الحقيقية،
"من أهم خصائص الاستبداد خاصية التدمير الذاتي، وارتداد المكر على الماكر، وذهاب كل الجهد هباءً" مفضلاً بدلاً من ذلك مؤسسات تروج الجهل والنفاق. وفي الوقت نفسه، يجعلون همهم إسكات أي صوت مستقل في مجال العلم وفي المجال الإعلامي. ولهذا، فإن أشد حربهم هي على أهم المؤسسات الإعلامية المستقلة، وأقواها نفوذاً، وكذلك على أكثر المؤسسات العلمية تميزاً.

وهنا يعود أيضاً التناقض الذي شهدناه سابقاً، كما في تسفيه عمالقة الإعلام والعلم، وكيل التهم للأصوات المتميزة علمياً، في الوقت الذي تكرّس فيه موارد لا نهائية للحديث (لعله العويل) عن هذه الصروح آناء الليل وأطراف النهار، فكأنهم بفعلهم يشهدون لهذه المؤسسات بالتفوق والفعالية. وهذا أمر تتفهمه الجماهير، بما في ذلك جماهير بلدان الفراعنة الجدد، وهدف نزيفهم الإعلامي، وتقبل شهادتهم هذه، فكلما أكثروا من الحديث السالب عن شخصٍ أو مؤسسة، زاد تعلق الجماهير بها. ولأن الجماهير تعرف حقيقتهم، فإنها تحكم على كل من يزكّونه بأنه من الأشرار، وترى في من يهاجمونه الخير كله. ولهذا، فإن كل مجهودهم الدعائي يذهب هباءً، لأن البشر ليسوا من الغباء بما يعتقدون.

يمكن أن يقال إذن إن من أهم خصائص الاستبداد خاصية التدمير الذاتي، وارتداد المكر على الماكر، وذهاب كل الجهد هباءً. وغالباً ما يكون اجتهادهم سبب هلاكهم، فلو أن فرعون لم يصر على مطاردة ضحاياه الهاربين، لما كان مصيره الغرق، فقد كانت قمة التناقض مع الذات الإصرار على مطاردة الفارّين، على الرغم من التصريح بأن هؤلاء "شرذمة قليلون". وهم بهذا التعريف لا يشكلون خطراً على دولةٍ كبرى، حتى لو لم يكونوا هاربين. وهروبهم يعني بطلان تهمة نيتهم إخراج أهل البلاد منها، وتدمير كيانها الثقافي. ولكن هذا هو شأن المستبدين، وكونهم أعداء أنفسهم. وهذا هو في نهاية الأمر، أداة هلاكهم.