د. عبد الوهاب الأفندي

أكاديمي سوداني، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا

تذكّرت بمناسبة الاضطرابات السياسية الأخيرة في إثيوبيا، واستقالة رئيس وزرائها هايله ميريام ديسالين، أول لقاء لي مع سلفه في رئاسة الوزارة الإثيوبية، الراحل ميليس زيناوي. (ولعل الدقة تستدعي أن أقول أول لقاء منفرد، فقد كان لي معه ورفاقه لقاء في لندن في الأيام الأولى لتوليه الحكم). كان ذلك في منتصف التسعينات في مدينة ماسترخت الهولندية، وكان الحديث كله عن السودان وعلاقاته مع إثيوبيا. عندها كان الغضب الإثيوبي بسبب الاشتباه في ضلوعٍ سوداني في محاولة اغتيال حسني مبارك لا يزال مشتعلاً، وتحدث زيناوي طويلاً، وبمرارةٍ وصراحة، عن خيبة أمله فيمن كان يظنهم حلفاء وأصدقاء.

دلف بعدها إلى الحديث عن تعنت النظام السوداني في التوصل إلى تسوياتٍ مع المتمردين في داخل البلاد، ومع الجهات الخارجية التي كانت له معها خلافات.

قال إن القوم يذكّرونه بنظام منغستو الذي قاتله وصحبه سنوات، لكنهم كانوا يتلهفون لأي مبادرة سلام تأتي منه، وكانوا مستعدين للهرولة تجاهه وقبول التسويات المعقولة. ولكن أي مبادرةٍ لم تأت من النظام، إلى أن بدأت مدافع الثوار تدكّ معاقله في العاصمة أديس أبابا. عندها أرسل منغستو يطلب التفاوض.
وبالطبع، لم يجد من يفاوضه. وختم يقول: جماعتكم يسيرون على الخطى نفسها.
المفارقة أن النظام السوداني كان هو الذي وضع زيناوي وحليفه أسياس أفورقي على مقعد الزعامة في إثيوبيا وإريتريا، عبر دعم عسكري وسياسي ودبلوماسي فاعل، في ظل مقاومة شرسة من أميركا وحلفائها، وغيابٍ لروسيا حليف منغستو السابق. وكان لهذا الانتصار مغزاه، لأن الولايات المتحدة كانت قد تبوأت قمة الأحادية القطبية في تلك اللحظة بالذات: الأشهر التي أعقبت هزيمة العراق في الكويت، وإظهار قدرات "الصدمة والترويع" التي أذهلت العالم. ولكن الانتصار تحول إلى إنجاز أجوف، حيث خسر السودان إثيوبيا وإريتريا معاً، بعد أن أصبح عبئاً وخصماً عليهما، ثم خصماً لهما عبر محاولته دعم فصائل معارضة أخرى.

وحتى الانتصار الكبير الذي تحقق بفقدان الحركة الشعبية لتحرير السودان قاعدتها الإثيوبية، ثم انشقاقها، لم يجر استثماره كما يجب، وتحول إلى خسارة.

في المقابل، أثبتت القيادات الإثيوبية والإريترية وقتها تميزاً في بناء الدولة في الداخل، وحنكة دبلوماسية جعلت من الثنائي فاعلاً قوياً على المستوى الأفريقي، وصوتاً يسمع باحترام دولياً. وقد تجلى ذلك في أن السودان نفسه قبل اقتراحهما بقيادة الوساطة الإقليمية في حرب الجنوب، وأصبح عملياً تحت وصايتهما. واستمر ذلك، حتى بعد قطع العلاقات الدبلوماسية، ودخول البلدين، مع جهاتٍ أخرى، طرفاً مباشراً في الحرب الأهلية في السودان. وبينما كان السودان استجلب غضب الولايات المتحدة، عندما رفض مقترحاتها حول الانتقال السلمي للسلطة في إثيوبيا، وعوق مجهوداتها الدبلوماسية لمنح حلفائه فرصة الحسم العسكري، فإن القادة الجدد أصبحوا من أخلص حلفاء أميركا. وكان هذا نموذجاً للتمايز بين من يلعب أوراقه الضعيفة بذكاء ومن يهدر أوراقه القوية عبر تصرفات خرقاء.

وقد كانت الأجهزة الأمنية (والعقلية التي تحرّكها وتحرّك من يستخدمها) في لب هذه المعمعة. فقد كان هناك صراع محتدم بين تيارين، كان يقود الأول العميد الفاتح عروة وعثمان السيد ومجموعة أخرى من المنتسبين السابقين لجهاز أمن نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري. والثاني كان بقيادة نافع علي نافع، ورئيس الجهاز المعاد تعيينه حديثاً صلاح عبدالله (قوش). انضمت إلى التيار الأول كوادر إسلامية، في مقدمتها سيف الدين محمد أحمد، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية وقتها، وكان مدعوماً من حسن الترابي، وإلى درجة ما من الرئيس عمر البشير. أما الثاني فكان يتمتع بدعم الرجل الثالث في الدولة وقتها، علي عثمان طه. وكان التيار الأول هو الذي قاد المعركة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية التي أدت إلى تغيير النظام في إثيوبيا، واستمر في دعم التعاون مع الحلفاء، وكات يفضل التقارب مع أميركا والدول العربية المهمة. أما التيار الآخر فهو الذي تولى القهر الداخلي، وروّج العداء مع أميركا ومصر، وكان وراء كارثة المحاولة الفاشلة لاغتيال حسني مبارك في أديس أبابا.

ولكن، وعلى الرغم من الانتكاسة المؤقتة التي تعرّض لها هذا التيار، بعد حادثة أديس أبابا، إلا أنه انتصر، في النهاية، عبر تصفية تيار الانفتاح. وكان ذاك التيار وراء كل الكوارث التي تلت، ومن أبرزها فصل الجنوب وإفشال العملية السلمية والانفتاح السياسي الذي صاحبها، ثم كارثة الكوارث في إقليم دارفور. ويتحمل صلاح قوش شخصياً المسؤولية الأكبر، إن لم تكن الكاملة، في كارثة دارفور، فقد كان هو من رفض مقترح الحل السلمي الذي جاء به والي دارفور وقتها ورئيس أركان الجيش الأسبق، الفريق إبراهيم سليمان، ووعد الرئيس بأنه سيحسم المسألة عسكرياً خلال أسبوع. وعندما فشل، حاول تغطية فشله بإدخال المليشيات غير المنضبطة في المعركة، فكانت المجازر التي دمرت سمعة السودان، في وقتٍ كان ينبغي أن ينعم فيه بالمردود الإيجابي بالسلام في الجنوب. وما تزال توابع تلك القرارات الكارثية تنخر مثل السرطان في البنية السياسية والاجتماعية والعسكرية للبلاد، وتهدّد مستقبلها.

من هنا، فإن القرارات التي اتخذت، أخيراً، في البلاد، وما رافقها من إرهاصات عودة "الحرس القديم"، أي المنظومة المسؤولة عن أفدح كوارث البلاد، من فصل الجنوب وجائحة دارفور، وانهيار الاقتصاد، وتعثر الانفتاح السياسي، وانغلاق المنظومة السياسية، كلها لا تبشر بخير. فمثل هذه الردة هي آخر ما تحتاجه البلاد حالياً. ولا يعني هذا أن الأمور كانت أفضل بكثير قبل ذلك، فرئيس جهاز الأمن الذي أقيل ينتمي إلى المنظومة نفسها التي جاء منها رئيس الجهاز الجديد - القديم. وما يزال لب المشكلة هو الهوس باستمرارية الرئيس إلى الأبد، بغض النظر عن الفشل وراء الفشل.

في المقابل، تشير المرونة التي أبداها النظام الاثيوبي، عبر استقالة رئيس الوزراء، إلى طريقٍ آخر إلى الأمام. كما يشير ما حدث في جنوب أفريقيا، في الأسبوع نفسه، من تغيير الرئيس الذي تسبب في أزماتٍ متراكبة في ذلك البلد الواعد، في الاتجاه الواعد نفسه. هذا على الرغم من قصر فترة حكم الزعيمين، وكون أزمة بلادهما لا تقارب في شيء أزمة السودان، حيث كلاهما منتعش اقتصادياً ومنفتح سياسياً (نسبياً في إثيوبيا) ومحفوظ المكانة إقليمياً ودولياً.

آن الأوان كذلك للسودان (وحتى نظامه القائم حالياً)، أن يلعب أفضل أوراقه، وأن يقدّم أفضل ما عنده، وأن يدفع إلى الصفوف الأمامية أفضل رجاله ونسائه، وليس أشرَّهم، وأن يتبنّى أذكى الاستراتيجيات، لا أغباها، وأن يبتعد عن تجريب المجرّب وإعادة تدوير الفشل. فالبلاد لا يمكنها أن تتحمل مزيداً من التجريب الغبي، والتخبط المكلف، وقصر النظر المهلك.

وبصراحة، إذا لم يكن من الممكن تغيير النظام، فإن أضعف الإيمان أن يأتي رئيس جديد يفهم معنى كلمة كفاية، ومنظومة أمنية وعسكرية جديدة منفتحة وعصرية ومهنية، وطاقم جديد يتميز بالكفاءة والفهم والبراءة من الفساد لإدارة الاقتصاد. وليس من الضرورة أن تُنتظر هذه التغييرات عام 2020، فخير البر عاجله. وهناك الآن ثلاثة نماذج أفريقية مجرّبة ناجحة وجاهزة للتطبيق، وكلها سلمية وناجعة، ولا تؤدي لأي هزّة للنظام القائم: نماذج زيمبابوي وإثيوبيا وجنوب أفريقيا.

نقلا عن العربي الجديد