عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في البدء نعتذر للقارىء الكريم عن سهوٍ غير مقصود أسقط ترقيم الجزء الأول من هذا المقال مما أوحى لقارئه بأنه لا شريك له، ولكني على ثقةٍ في كثير من القراء الذين أدركوا ضمناً أن للحديث بقية، لا سيما، وإن الأمثلة التي اوردناها بُغية تأكيد وتبيين وتظهير الحسد كظاهرة سالبة متوافرة بكثرة في سلوكنا السياسي السوداني، كانت تُوحي بأن لها ما بعدها. ومن المؤكد أن المثالين اللذين ذكرناهما من قبل كانا نموذجاً عن كثرة لا حصر لها، فلا دكتور منصور خالد هو وحيد زمانه، ولا دكتور عوض الجاز وحيد العصبة ذوي البأس، لكن الأول هو السياسي الوحيد الذي أعلن صراحة أنه ”محسود“ من حاسدين لم يفصح عن هويتهم، في حين اننا اعزينا ما يشعر به - سواء كان صدقاً أم إدعاءً - إلى اسباب أخرى لا علاقة لها بالحسد وشروره، وقُلنا إن آفة منصور في الكتابة التوثيقية أنه يحلو له أن يستثني نفسه ”كما الشعرة من العجين“ وذلك عندما يسلخ معارضيه بـ ”أقلام حِداد“ فيما كان، ثم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فيما سيكون. أما الجاز الذي خشى عين حُسادٍ صوَّبوها على نعمة البترول يوم أن كان يقف حارساً آباره، لم يجد بداً من تنبيههم من داخل قبة البرلمان كممثلين للشعب بضرورة الكف عن ”النِقَّة“ التي تذهب بالنِعم على حد تعبيره، ولم يدلهم على أي وسيلة أخرى تساعدهم في المراقبة والمحاسبة، ومن المفارقات أن السادة النواب المبجلين توقفوا يومذاك عن النقد المباح وصمتوا خشية أن يوصموا فعلياً بداء الحسد، ولا أدري ما الذي قاله الجاز يومئذٍ، أى بعد أن عصفت الأزمة الاقتصادية العالمية بالبترول و”سنينه“ ولم ير الشعب الصابر منه شيئاً غير ”الزفت“ الذي سوَّد شوارعهم وقلوب العصبة ذوي البأس معاً!
على كلٍ نحن نقف إزاء ظاهرة تمددت سياسياً بعدما استفحلت اجتماعياً، ومن عجبٍ أن السياسيوي والاجتماعي إختلطا وتمازجا حتى بات الفصل عصياً بينهما، وكُنا قد تساءلنا دون أن نتوصل لاجابة قاطعة حول ما إذا كان للحسد تصنيفات وتوصيفات بحسب ثلاثية حياة البشر الموزعة بين السياسة والاقتصاد والاجتماع، ولعله من نافلة القول التأكيد على أن الاجابة ستبحر بنا نحو لُجج لا قِبل لنا بأعماقها، لكن صديقنا وزميلنا البحاثة بدر الدين الهاشمي أبحر بالفعل في مقال مماثل عن الحسد من وجهة نظر علمية، ثم ارسل لنا مقال طويل لكيمائي أمريكي منشور في دورية ”العلم” وهي أكبر دورية علمية متخصصة، ولعل أسمها كافٍ في أنها لا تأتيتها الهرطقات من بين يديها ولا من خلفها، وجاء المقال بعنوان مسجوع ”حينما يكون مكسبك مصدر كدري، وكدرك في مكسبي“ When your gain is my pain, and your pain in my gain والعياذ بالله من شوفينية كهذه، لكن الجديد في البحث خلاصته التي تؤكد أن الحسد يُحدِّث تأثيرات كيمائية في أدمغة البشر، الأمر الذي يُحرضنا على إقتراح يقضي بضرورة إجراء كشف دوري على أدمغة سياسيينا، ونزيد الاقتراح بحتمية إضافة سلامة دماغ أي راغبٍ في تولي منصب دستوري من الحسد، ولا بأس من إلحاقه بالدستور وقوانين التحول الديمقراطي التي تحلم بالاجازة!
من أجل هذا دعونا نستبقي أنفسنا في كهف واقعنا البالي وما أكثر نماذجه، والغريب في الأمر أنك كلما تأملت في حقبة من الحقب وأزمعت تفكيك مكونات أزمتها، وجدت الحسد بأشكاله المتعددة يقف متربصاً ما بين الصلب والترائب. من هذا المنطلق يرى الكثيرون أن المذكرة التي رفعها زعماء الطوائف الثلاث السادة عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني ويوسف الهندي (1925) والتي طالبوا فيها المستعمر بالابقاء على مؤسسة الرق بدعوى أن «تسريحهم سيجلب الشر على المجتمع» وطالبوه بإلغاء ”ورقة الحرية“ التي شرع المستعمرون بموجبها في عتق الارقاء، لكن الزعماء رأوا أن «مصلحة كل الأطراف المعنية والحكومة ومُلاك الأرض والأرقاء في الابقاء عليهم للعمل في الزراعة» تلك مما يُعدُّ ضرباً من ضروب ”الحسد الاجتماعي“ إن شئت، وتُضاهيه بالقدر نفسه المذكرة المُشينة التي وقعها 38 من صفوة المجتمع يتزعمهم السيد عبد الرحمن المهدي أيضاً، والتي كانت تؤيد الاحتلال وتقف ضد ثورة 1924 ولربما فَسرت لك يا عزيزي القارىء التركيبة الاثنية لبعض قادة هذه الثورة، الأسباب التي دفعت الزعماء الثلاثة لتوقيع ”مذكرة الرق“ وتتعضد المقاربة أكثر فيما سُمي بـ ”مذكرة كرام المواطنين“ الموقعة من قيادات اتحادية إلى الطغمة العسكرية الأولى تأييداً لديكتاتوريتها الوليدة، وذلك بذريعة الانعتاق من ربقة الطائفية، في حين أنها جاءت كحصاد لفساد المناخ السياسي الذي سبق الاستقلال واتخذ فيه الحسد السياسي موقعاً وسطاً، ومعلوم فيها أن العلاقة بين السيدين أنفسهم شابها الحسد بشتى أنواعه، وفي هذا الصدد أورد صديقنا الدكتور عبد الماجد بوب أمس في مقال له على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث14/2/2009) مثالاً عن الراحل حسن نجيله في كتابه الموسوم بـ ”ملامح من المجتمع السوداني“ والذي جاء فيه أن السيد على ردَّ على الارهاصات التي أشارت إلى عزم السيد عبد الرحمن تنصيب نفسه ملكاً إنه «يُفضل أن يرى هيلاسلاسى إمبراطور الحبشة ملكاً على السودان من أن يرى عبدالرحمن المهدى فى ذلك المنصب» وعلى متن هذا وذاك جرت بين الطرفين أشهر خصومة في التاريخ السوداني، والتي استمرت لأكثر من نصف قرن إلى أن إنتهت باللقاء الشهير المُسمى بـ ”لقاء السيدين“ العام 1955 والغريب في الأمر أن البيان التاريخي اعتبر أن المصالحة جاءت «إبتغاء مرضاة الله»! وهو الله الذي نهي رسوله الكريم عن هجر المسلم لأخيه المسلم لأكثر من ثلاث ليالٍ، فما بالك لو كان هذا المسلم زعيماً لطائفة دينية؟!
ليت القارىء الكريم يتفق معي في أن الشحناء والبغضاء والشماته والغيرة السالبة والفجور في الخصومة كلها ضرب من ضروب الحسد، ووفق هذا المنظور شهدت الفترة المشار إليها آنفاً تشكُّل الحركة السياسية الوطنية لمجابهة المستعمر، وهي ذات الفترة التي كان الحسد السياسي فيها وميض نار تحت الرماد، وقد أضرمت نيرانه الخصومة التاريخية المشار إليها، ولم أعجب إلى أن السيد أحمد محمد يسن أعزى في مذكراته المنشورة مطلع هذه الألفية مشاكلها إلى «الخصومات والخلافات الشخصية، فضلاً عن الاختلافات في الهدف والوسيلة كانت سبباً في تحامل الكتاب على خصومهم» وقد أخذ يسن على السيد أحمد خير وهو من أكثر شخصيات تلك الفترة إثارة للجدل إنه «كان عنيفاً في خصوماته شأنه في ذلك شأن يحيي الفضلي» وزاد مأخذاً آخراً على أحمد خير وهو «طموحه الجامح للقيادة والزعامة»! أياً كان التفسير فهي ذات الأسباب التي أدت إلي إنقسام الحركة الوطنية إلى ما سمى بـ ”الشوقيين والفيللين“ بداية مؤتمر الخريجين، وتمرحلت إلى أن أنتجت ضبابية في الهدف بين الاستقلاليين والاتحاديين، ثم ضخَّت أحزاباً سياسية إعتلى الحسد مرتبة علوية في برامجها السياسية، ولو أنك أمعنت النظر في ظاهرة الانقسامات في الأحزاب التقليدية والعقائدية فيمكنك أن تضيف بكل ثقة الحسد السياسي إلى انعدام الديمقراطية وغياب المؤسسية!
أما الظاهرة الأخرى التي كبلت الحياة السياسية السودانية والتي لا تخضع لأي معايير سوى ما يمكن تسميته بـ ”الحسد العسكري“ فقد تجلت في ثلاثة إنقلابات عسكرية ناجحة أفضت إلى ثلاثة ديكتاتوريات مدنية قميئة، إضافةً إلى أكثر من عشرين إنقلاباً عسكرياً فاشلاً منذ الاستقلال، جميعها كرست ثقافة العنف والدم والتخلف في الحياة السودانية، وكانت ظاهرة الانقلابات داخل الانقلاب قد دشنتها طغمة انقلاب عبود، فقد قام ضابطان من عضوية المجلس الأعلى الحاكم هما الأميرلاي عبد الرحيم شنان قائد المنطقة الشمالية والأميرلاي محي الدين أحمد عبد الله قائد المنطقة الشرقية، بتحريك قواتهما نحو الخرطوم والمطالبة بإعادة تشكيل المجلس، وكان من المعروف أن للأميرلاي شنان علاقات بحزب الشعب الديمقراطي وللأميرلاي محي الدين علاقات بالحزب الوطني الاتحادي، وكان يبدو أن هدفهما الرئيسي مواجهة صعود نجم اللواء أحمد عبد الوهاب. وفي الأحداث التي تلت ذلك أعيد تشكيل المجلس الأعلى وانضم إليه شنان ومحي الدين وتم فصل اللواء أحمد عبد الوهاب، وبالرغم من أن كليهما قد فصلا من المجلس في مايو 1959 حين حاولا إقصاء ضابط آخر قريب الصلة بحزب الأمة هو اللواء حسن بشير نصر من المجلس الأعلى إلا أن فقد أحمد عبد الوهاب لموقعه أضعف العلاقات بين النظام ودوائر حزب الأمة، فلا توجع دماغك يا عزيزي القارىء، فعلى مثل هذا المنوال جرت كل السيناريوهات اللاحقة بدوافع ”الحسد العسكري“ المذكور وإن لبس لبوس الأجندة الوطنية إفتئاتاً وتضليلاً!  
بيد أن أحد القراء الكرام أرسل لنا مُذكِّراً أن حل الحزب الشيوعي في العام 1965 يعد دليلا آخراً على تفشي الظاهرة، ولا شك أننا نوافقه الرأى باعتباره ”حسداً ايدولوجياً“ وإن كانت العبرة بالنتائج فإن الحدث المشار إليه هو الذي فتح الباب لنجاح ”الحسد العسكري“ في إنقلابه وتأسيس الديكتاتورية الثانية، ولأننا قوم نعلن أحياناً كُرهِنا لبعضنا البعض (لله في لله) كما تقول ثقافتنا الشعبية، لم يجد التاريخ حرجاً في تكرار السيناريو السابق في زي مدني، فلعل البعض يذكر أن كلمة واحدة غيَّرت مجرى التاريخ السوداني وحشرته في مأزق ما زال يرجو منه خلاصاً، فعندما وافق السيد الصادق المهدي على اتفاقية السلام أو ما أصطلح بتسميتها باتفاقية الميرغني/ قرنق بـ ”توضيحاتها“ لم يكن يعلم أن التوضيح كان مثالاً ناصعاً للغيرة السالبة أو الحسد السياسي في أبهى معانيه، والأنكي أن التمنُّع والقبول اللذين استندا إلى تراث وافر من علاقة متهتكة بين الطائفتين بما ورد ذكره، كان مكلفاً كحل الحزب الشيوعي من قبل، فقد أفضى نجاح ”الحسد العسكري“ الثالث إلى إقامة دولة ثيوقراطية قوامها ديكتاتورية مزدوجة!
إن الحسد بأشكاله التي عدَّدناه دائماً ما يظهر ويتفاقم في ظل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية والتي تحسد مواطنيها أحياناً على نعم لم يروها بل قل لن يروها. ذلك لأنها لا تعبأ بإختلال موازيين العدالة الاجتماعية، ولا بتفشي المحسوبية وانتشار الفساد، ولا بانعدام الشفافية وغياب المحاسبة، ولا بتكريس العنف وسيلةً في حسم الخلافات السياسية، ولا بانتهاك الحريات العامة، ولا بالفجور في خصومة معارضيها، ولكن وفق هذه الحيثيات لا أظن أننا سنألوا جهداً أن قلنا إن العصبة ذوي البأس مثالاً دخل التاريخ من أسوأ أبوابه، وكمثال لثقافة الحسد التي أفشتها بين مواطنيها، يمكن القول أن العنف الذي صاحب جاهليتها الأولي كان مرده حسداً سياسياً واجتماعياً، وإن أردت مثالاً يا صاح على ”الحسد الوظيفي“ أو الاقتصادي فدونك ما سُمي زوراً وبهتاناً بـ ”الفصل للصالح العام“ والذي أنتج خللاً وظيفياً وتفاوتاً طبقياً، وقد زادت محاباة وإيثار أهل الولاء من ضغائن أهل الكفاءة وذلك مناخ يصعب فيه لجم خيول ”الحسد الاجتماعي“ بالطبع!
عندما تمِن الدولة على مواطنيها بحقوقهم فإنها تجعل للحسد السياسي والاجتماعي والثقافي منهجاً، ومن مفارقات ما يمكن أن تُسمعه لشعبها إن سألها عيشاً كريماً يحفظ ماء الوجه ويبعد ذُل السؤال، كان الجواب عليكم أن تحمدوا ربكم على النعمة التي أنتم فيها، ألم تروا كيف فتكت المجاعة بالآلاف في أثيوبيا والصومال وزمبابوي، وإذا طمحوا في تطور طبيعي ينقلهم من ظلمات العصور الوسطي إلى مرافىء الألفية الثالثة، قالوا لهم بئس ما طلبتم فهل هناك شعب في الدنيا نال مثل ما نلتموه من رفاهية وازدهار، وإذا سألوا عن الحريات بإعتبارها ركناً أساسياً في حياتهم، قالوا لهم ويلكم ليت عيدي أمين بُعث من القبر ليحكُمكم فتروا بأم أعينكم الحريات الحقيقة!
اللهم نسألك أن تبعد عنَّا حسد العصبة ذوي البأس إما حسد المواطنين العاديين فنحن كفيلين بإجتثاثه من جذوره...وإن عزَّ علينا إجتثاث العصبة من جذورها إلى حين!!
عن (الأحداث) 15/2/2009
للإطلاع على مزيد من مقالات الكاتب يرجى البحث في موقع الجالية السودانية الامريكية بمنطقة واشنطن الكبري، ولكم حرية تعميمه على قائمة مراسلاتكم إن رغبتم في ذلك
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=فتحى%20الضو&sacdoid=fathi.aldaw
مع الشكر