izzalarab giwey [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

أن تختار الحركة الشعبية مدينة جوبا كي تكون منبرا لانطلاق أول مؤتمر جامع تتبني الدعوة له بعد أن اعتمدتها اتفاقية نيفاشا شريكا للمؤتمر الوطني في الحكم ففي ذلك براعة أعادت إلي الذهن السياسي شراكة الجنوب في القضايا الوطنية الكبرى التي تهم الوطن في حال كونه واحدا دون زعزعة في القناعات ودون انتظار لاستفتاء مجهول النتيجة والعواقب, فإن كانت الحركة قد شاركت في الحكم بعد رهق في الحرب دفعها إلي طاولة المفاوضات وانتهي بها إلي أن تضع البندقية وتنتقل إلي الإسهام في بناء الدولة " السودان الجديد" برعاية دولية فلا يزال المؤتمر الوطني يقفز ب"الزانة" فوق هذه الرعاية مستخدما ميكانيزمات " حد السيف" وسيلة للاستمرار في علاقة الشراكة ظاهريا بغرض الرضا الدولي وممارسة كل ما من شأنه توسيع الشّقة بينه وشريكه المفترض.

بذل المؤتمر الوطني قصارى جهده لوضع العراقيل أمام الحركة الشعبية بغرض إفشال المؤتمر بدعوي أنه لا يعدو أن يكون تجميعا لأحزاب المعارضة ثم سعي من بعد بتقديم طلب للتأجيل بغية المشاركة ولكن حساباته الداعمة لعدم قيام المؤتمر دفعت به للتلكؤ في إبداء الرأي بالمشاركة من عدمها ظنا منه بأن الحركة الشعبية غير قادرة علي ذلك ولكن المؤتمر انعقد له اللواء بنجاح في غياب المؤتمر الوطني و الاتحادي الديمقراطي الأصل الذي رأي زعيمه الذي وقع اتفاقا إطاريا مع زعيم الحركة الشعبية جون قرنق في 1988 عدم المشاركة في المؤتمر ليعزز بهذا المنطق الملتوي إحدي لاءاته التي تبرّج بها للمؤتمر الوطني في حين انتصرت إرادة الأستاذ علي محمود حسنين الذي ظل يتخذ الموقف الذي يتسق مع جماهير الحزب الذي ينتمي إليه في حين ظلت القيادة ممثلة في مولانا الميرغني تتجه غربا حين تيمم الجماهير شطر الشرق" فبأي آلاء هذه المشاترة تكذبان".

تجاوزت الحركة الشعبية في دعوتها للمؤتمر ما عرف بأحزاب التوالي وحسنا فعلت فهذه الأحزاب ليست لديها القدرة علي الخروج من جلباب أبيها ثم إنها إذا دُعيت فلن يكون لها لسان إلا لسان من اصطنعته لنفسها.

الأحزاب الجنوبية كان أمامها أن تستدعي علي الأقل ما لم ترفضه حكومة الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة حين سمّت نفسها بكتلة الأحزاب الأفريقية دون أن يردعها الشماليون في الجمعية التأسيسية بأن السودان كله بلد أفريقي وليس الجنوبيين وحدهم

فارتضت ما اتهمته بها الحركة الشعبية بموالاتها للمؤتمر الوطني حين انسحب بعضها من المؤتمر بزعم أن المؤتمر لم يلتزم بأجندته فبنت بذلك جدارا بينها والحركة ووضعت الأحزاب الشمالية المشاركة في المؤتمر في خانة تصنيفها بموالاة المؤتمر الوطني .

انعقد المؤتمر تحت ألوية الاجتهاد  في جدلية" البحث عن نصير" التي تحكم العلاقة بين الحركة الشعبية وأحزاب المعارضة فبينما تبحث الحركة وهي تسبح في ثنايا الشراكة الملتهبة "التهابا مرضيا" عن قشة تمسك بها لتدعم  تجربتها الخديج في العمل الديواني في حالة كونها جزءا من الحكومة ليقينها بأن علاقة الشراكة  مع المؤتمر الوطني أساسها "صنعة لبوس" وتقرّبها كثير من الوشائج مع أحزاب المعارضة. في المقابل فإن أحزاب المعارضة المفردة منها وذات النطاقين تريد استثمار بعض مخرجات نيفاشا حين أعيتها الحيلة ذات نضال كما أنها معنيّة بالدرجة الأولي في ان تبني سبيل الرشاد السياسي للحركة الشعبية عطفا علي ما سبق من علاقات سواء علي المستوي الحزبي الكامل أو علي مستوي العلاقات الفردية أو الشخصية وتوظيف ذلك لخدمة الأجندة الوطنية .

الأجندة الوطنية – الشعار الذي اتخذه الحاكمون والمعارضون ولكن بزوايا مختلفة ولكن الشعار يغدو عديم الجدوى إذا لم تتبعه الأفعال وهذا ما كتب له الخلود في ذاكرة الشعب إذ كيف يصدّق مثل هذه الشعارات وهو يري المال دُولة بين أرباب السلطة يتبعه التعافي والتعليم وأشياء أخري مفيدة والوطن أكثريته الفقر والمسغبة والإملاق .

لذا فإن المراقب العادي يريد أن يطمئن علي كل ذلك المجهود الوطني الذي بذل في مؤتمر جوبا أنه سيصبّ في الوطن كلّه عافية "وقمحا وتمنّي" بتغليب الأجندة الوطنية لكي ما يفوّت الفرصة علي المؤتمر الوطني ومزاعمه لذلك يكون مشروعا أن يتوجس البعض من أن يقفز حزب الأمة الإصلاح والتجديد بقيادة مبارك الفاضل إلي عضوية اللجنة التحضيرية دون غيره من الأحزاب التي تمثل عضوية تحالف القوي الوطنية المعارضة !!

كان أمام الأحزاب الموصوفة بأنها كبري بمعايير الحركة الشعبية والمعايير التي يقول بها مَن هم مِن غمار الناس أن تدافع عن مسألة النِسَب المتساوية في التمثيل في المؤتمر بدلا عن ان يدافع عن ذلك الأحزاب قليلة التمثيل هذا بالإضافة للفرص الممنوحة لبعض منظمات المجتمع المدني والاتحادات والنقابات التي يقوم فيها الاختيار بصورة انتقائية مما يؤدي إلي زيادة حصص بعض الأحزاب علي حساب أحزاب أخري وهذا السلوك موصول بالفعل المضارع لعدم توفّر الضمانات من تكراره في كثير من المناشط السياسية المزمع إقامتها باسم القوي المعارضة .

بعض القوي المعارضة شاركت في المؤتمر بفؤادين في جوفها "كُراع في الطوف وأخري في المركب" – أحزاب ذات عضوية في المجلس الوطني "بتاع المؤتمر الوطني" باسم التجمع وفي الوقت ذاته لها عضوية في التحالف المعارض , وحزب الأمة القومي يوقّع اتفاقا إطاريا مع حركة العدل والمساواة ومذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية ويتراضي مع المؤتمر الوطني ويبحث عن وزن الذهب في تحالف المعارضة ,والحزب الشيوعي بالإضافة ل"كُراعه" المشار إليها يبحث عن مسارب و"زُقاقات"  مع الحركة الشعبية بحثا عن صيغة فوق بنفسجية يمكن عبرها صياغة عمل معارض يقوم علي الثنائية دون ان يتعارض ذلك مع الصيغة التحالفية الجامعة, وكلهم يعلم أنه بذلك إنما يطعن في الظّل فقط أما الفيل فإنه :

يطأ الثري مترفّقا من تيهه   فكأنه آسٍ يجُسّ عليلا .

تدرك كل الأحزاب السودانية المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن إلا أن أمر المؤتمر الوطني بوصفه مُدركا أيضا لا يهمّنا كثيرا باعتبار أن كثيرا من الفرص قد أتيحت له ولم يغلّب الوطني العام وغلّب قضيته علي طريقته الخاصة وفق إدراكه ولكن المهم تلك الخطي التي يترسمها تحالف القوي الوطنية - أن تتحول مخرجات مؤتمر جوبا إلي قضايا يجتمع ويتفرق عليها هذا التحالف دون الالتفات لصغائر السياسة السودانية التي جعلتنا نعضّ الأنامل من الندم علي ما فات من فرص أضاعها الوطن بل الساسة, ومن الغيظ علي ما ضاع من أمجادنا.