تمثل إذاعة لندن في ذاكرة السودانيين المستمعين وما أكثرهم , إذ إن السودانيين تملأ شهرتهم آفاق المنطقة المجاورة في إحسانهم الإصغاء والاستماع وإذاعة لندن عندهم تعني التجويد علي مستوي " قتل" الخبر من جميع أطرافه وكذلك التجويد اللغوي والرصانة ولا يفوتهم الافتخار بأن أسماء من السودانيين المتميزين في الإذاعة تظل في سجلها خلودا أحياءً وأمواتا من لدن الطيب صالح , علي أبوسن, إسماعيل طه  وأيوب صديق .
وبجانب ذلك فإن الإذاعة ارتبطت عند السودانيين بأنها " تُضبط عليها الساعات" حيث الدقة في المواعيد ويؤخذ في الاعتبار الفارق في الساعتين حسب توقيت جرينتش قبل أن يطال التمديد توقيتنا في لغة توظيف الزمن أو إدارة الوقت وربطه بالإنتاج حسب نظرية الدكتور عصام صديق في البكور .
لم تكتفِ ذاكرة غمار الناس من السودانيين خاصة في الأرياف بالتقدير والحفاوة لمنسوبي بلادهم فقط بل تجدهم يبجّلون من أفسحوا لهم مساحات مقدّرة في سجل هذه الإذاعة حيث تجد أكثرهم لا ينسي الراحل ماجد سرحان ,مديحة رشيد المدفعي, رشاد رمضان , حسن معوّض ,عارف الحجاوي,جميل عازر,محمد صالح الصيد وآخرين. كما أن الإذاعة لعبت دورا كبيرا في تثقيف هؤلاء الغمار في السياسة وغيرها فالإذاعة علي الرغم من إعلائها في التناول للشأن الإخباري الذي تطغي عليه المسحة السياسية إلا أن هناك القدر الوافر في المادة الإذاعية  في الثقافة والأدب والعلوم والصحة العامة والبيئة وغيرها . وأصبح بفضلها طبيعيا أن تتحدث إلي أحدهم من الغمار ويغمرك ببحر من المعلومات عن ارتفاع درجة حرارة الأرض وتداخل الفصول ويسوق الأسباب حيث ثقب طبقة الأوزون وظاهرة الاحتباس الحراري ويقرن ذلك بمعاييره التي اكتسبها بالبصيرة والمتمثلة في " الضّل الذي مال شمالا" و " برودة ماء الزير" في غير وقت برودتها فالبرودة مقامات حيث برودة الماء في كل فصل تتميز بمذاق وكذلك حركة النجوم والشمس والقمر .
في دوائر بعض المثقفين الليبراليين العرب والنقاد من ينظر إلي الإذاعة علي أنها ذراع يدعم الثقافة العربية ولا يتسم بالحياد تجاه المادة الإعلامية التي يتم تناولها وذلك عبر المواد التي يتم بثها وكذلك الكادر العامل إذ إن الغلبة فيهم لمن يدينون بالإسلام علي حساب الديانات الأخري وعلي رأسها المسيحية علي عكس ما تنتهجه إذاعة مونت كارلو وحسب هذا الرأي تكون الأخيرة بمثابة معادل لإذاعة لندن.
بالإضافة لذلك فالبعض يتهم القاموس اللغوي المستخدم بالتحيز أحيانا وهو اتهام يتجاوز الإذاعة للغة العربية نفسها وهو غير ذاك الذي يتناوله النقاد المتخصصون في اللغة العربية ب "ذكوريتها" في بعض أوجه الخطاب.
شغلت هيئة الإذاعة البريطانية حّيزا في دائرة النقد في الشهور الماضية إبان الاجتياح الإسرائيلي لغزة فقد طلب إلي إذاعة لندن بث إعلان يشمل نداءات للعالم أجمع بتقديم الإغاثة والعون لأهل غزة وقد رفضت الهيئة ذلك بمزاعم الحياد في عملها علي الرغم من أنها هيئة حكومية والإذاعة جزء منها فهل يمكن في مثل هذا الموقف يؤخذ علي الإذاعة عدم الحياد إن فعلت أم أنّ للقضية وجه سياسي وإن كان الأمر كذلك فلم يكن لبريطانيا موقفا يوصف بأنه مع الغزو !! أم أن ذلك يمثل محاولة لفك الارتباط بين الإذاعة وتمثيل دعم الثقافة العربية حسب القائلين بهذا الرأي يبعد عنها شبهة ذلك؟
أصبحت العولمة بوصفها مصطلحا جديدا ذا أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية واقعا ملموسا منذ انهيار حائط برلين في 1989 وما رافق ذلك من انهيار للنظم الشيوعية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي ,واتجه العالم من بعد نحو الاقتصاد الحر والاندغام في الأسواق الكبيرة والاستفادة من المنجزات العلمية والتكنولوجيا الهائلة والمتطورة التي ولدت مع النظام العالمي الجديد.
في أبسط تعريفات العولمة عرفت بأنها " نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والاقتصادية علي نطاق العالم كله " وبما أن الدعوة إلي العولمة هبت رياحها من الولايات المتحدة الأمريكية فمن المفترض نظريا أنها تعني تبني النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة وفي طرق الحياة عامة ويدخل في ذلك الثقافة والفكر والإعلام ,ويري المعنيون بما يترتب علي العولمة وانعكاساتها أن تقنياتها ونظمها الثقافية قد تؤدي إلي ضياع أو إضعاف مئات اللغات وتدفع التطور العالمي في اتجاه اللغة الواحدة والثقافة الواحدة واللسان الواحد .
ما نهتم به في هذا المنحي أثر العولمة علي اللغة من احتمالات الضياع أو الضعف فقد شهدت إذاعة لندن للمستمع الجيد في الآونة الأخيرة تراجعا في التجويد اللغوي وضعف الأداء في قراءة التقارير والتحليلات وفي كثير من الأحيان تتجاوز الأخطاء حدود الهنّات لدرجة لا تقارن مع الأداء في الفترات السابقة فهل يمثل ذلك واحدا من آثار العولمة علي اللغة من عدم التقيد بالقواعد والنحو والإملاء التي تتمثلها اللغة الإنجليزية " الأمريكانية" التي تعني بتوصيل المضامين والمعاني دونما تقيد بتلك الضوابط الصارمة علي نقيض ما يأخذ به البريطانيون من عناية بلغتهم الأصلية ؟ يمتد ذلك ليطال المراسلين في بعض المدن العربية حيث لا يتقيدون بضوابط التقرير وتلاوته بالشكل المتعارف عليه ويكتفون بنقل المضمون المراد نقله في شكل نقاط أو مانشيتات علي نسق الجرائد الحائطية في الجامعات السودانية في العقدين الأخيرين
ومن الملاحظ أن التعدد الجغرافي للمذيعين والإذاعيين شهد تراجعا في الآونة الأخيرة أيضا ففي السابق كانت إذاعة لندن بها إذاعيون من سوريا وفلسطين ومصر والسودان وليبيا أما الآن يلاحظ المتابع طغيان العنصر المصري وقلة العنصر النسائي في المواد الإخبارية كما لا يخفي علي المتابع عدم التميز والإجادة المتناهية حيث لا تجد من يخلد في الذاكرة مثل ماجد سرحان أو مديحة رشيد المدفعي .
هل يمكن أن يكون الظل السياسي للمسألة يصل درجة أن تكون بريطانيا تابعا للولايات المتحدة الأمريكية وتلعب دورا في العلاقة بين اللغة والعولمة علي حساب لغتها الأصل والتي عرفت بالأخذ فيها بمبدأ الصرامة والالتزام بالقواعد أم أن للعولمة القدرة بأن تنبسط دائرتها وتصبح عقيدة عبر أدواتها ؟ أم أن قواعد الانتساب للإذاعة هي التي اختلت وابتعدت عن معيار الصرامة والعناية بالتجويد في اللغة والأداء؟
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.