أقرب إلى القلب:
يتولّى وكلاء الأمين العام للأمم المتحدة إدارة لجان إقتصادية وإجتماعية لمختلف القارات والمناطق . ولقد كان السودان من أول المنضمين للجنة الاقتصادية والإجتماعية لأفريقيا (ECA)، وقد كان أوّل رئيس لها أوائل الستينات من القرن العشرين ، هو السيد/ مكّي عباس ، أبرز إقتصاديّ القارة الأفريقية ، في زمانه.
حينَ توليتُ رئاسة السفارة السودانية في لبنان أواخر عام 2006م، وجدتُ اقتراحاً من السفير الذي سبقني في بيروت، لإحلاق السودان بعضوية اللجنة الإقتصادية والأجتماعية لغربي آسيا، المعروفة اختصاراً بـ"الإسكوا"( ESCWA)، وتضمّ عدداً من البلدان العربية والإسلامية، بلغ عددها ثلاثة عشر بلداً ، في غربي آسيا وشرقي "الشرق الأوسط" . ليست لمثل هذه التقسيمات معايير قاطعة يعتدّ بها، وأكثرها جرى اعتماده عشوائياً ، ولكن يظلّ عرضة لمراجعات سياسية، قد تطرأ بين الفينة والأخرى.

(2)
ولعلّ الذي حدا بصديقي السفير البخيت، للمضي قدماً باقتراحه ضمِّ السودان لـ"الإســكوا"، هو وجود هذا العدد الكبير من البلدان العربية في "الإسكوا". وأكثر ما شجّعه على المقترح، هو انضمام مصر إلى "اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا"، وهي أيضاً تتمتع بعضوية اللجنة الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا. ليس ذلك فحسب، بل آلت الرئاسة في إحدى دوراتها لوزيرة مصرية سابقة. وثمّة مبرّر مهمّ، هو قلة عدد الدول الأعضاء في اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا (ثلاثة عشر دولة)، مقارنة بالدول الأعضاء في اللجنة الإقتصادية والاجتماعية لأفريقيا الـ (ECA)، وعدد أعضائها يتجاوز الخمسين. من الواضح أن فرص الاستفادة من برامح لجنة دول غربي آسيا هي ما نسبته 1إلى13، مقارناً بما نسبته 1إلى50 في اللجنة الأفريقية.
تلخّصت حجّة السودان، في أنّ لها ذات المبرّرات التي أفضت إلى اعتماد مصر عضواً في "الإسكوا"، كما أن للسودان جوارٌ بحريّ مع أكبر دولة في "الإسكوا"، هي المملكة السعودية . من لجنة إقتصادية واجتماعية للقارة الأفريقية تضمّ أكثر من خمسين عضواً، لن يكون نصيب مصر أو السودان، شيئاً يذكر.

(3)
هكذا مضينا في المبادرة الخاصة بإلحاق السودان بعضوية اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا "الإســـكوا"، ونحمد للسفير السابق في لبنان الأخ السفير سيد أحمد البخيت ، حماسه للمقترح ، منذ أوائل عام 2006م.
خلال فترة عملي سفيراً في بيروت، بين 2006م إلى 2009م، وضعت خطة لتحرّك دبلوماسي فاعل، قدّرتُ أننا إنْ نجحنا في كسب تعاطف البلدان العربية الأعضاء في "الإســكوا"، والتي لها بعثات دبلوماسية في بيروت ، فإننا قد نضمن دخولاً سلساً إليها، وقد يكون بإجماع الدول الثلاثة عشر الأعضاء فيها. وحتى أستهل حملتي الدبلوماسية، فقد طلبتُ لقاءاً مع وزير الخارجية اللبناني، الأستاذ صلّـوخ. من الطبيعي والمناسب، أن أبدأ برئيس الدبلوماسية اللبنانية الذي أنا معتمد لديه. قابلني الرجل مرحباً ، وتسلم منّي رسالة وزير خارجية السودان د.لام أكول أجاوين، حول طلب السودان. إطلع الرّجل على الرسالة، وأجابني في لحظته قائلاً:
- (يرحب لبنان بالسودان الشقيق عضواً في "الإسكوا"، ويدعم طلبه . .)
عبّرت للوزير صلّوخ عن شكري وتقديري لموقف بلاده، وهو موقف مبدئي وثابت من لبنان تجاه السودان.

(4)
وعن زملائي السفراء العرب في بيروت، وكنتُ قد أرسلت إليهم تعميماً برسالتي ومرفق بها رسالة الوزير د.لام، فقد عبّر لي اكثرهم عن تأييدهم طلب السودان لعضوية "الإسكوا ".
شرعتٌ في التنسيق مع رئاسة وزارة الخارجية في الخرطوم، بشأن الاجتماع الوزاري الراتب لـ"الإسـكوا والمقرر عقده في منتصف عام 2008م. تم ، بسبب الظروف الأمنية الطارئة في بيروت، فقد تم تحويله منها ليعقد في العاصمة اليمنية صنعاء. التقيتُ بالسفير بدر الدفع مساعد الأمين العام المسئول عن "الإســكوا"، الذي طمأنني أن الطلب السوداني سيعرض على ذلك الاجتماع الوزاري في صنعاء. فهمتُ منه أن ليست ثمّة مشكلة في إجازته، برغم أن بعض الأعضاء في اللجنة، طلبوا المزيد من التوضيحات، حول الطلب السوداني خاصة وللسودان عضوية في اللجنة الأفريقية.
كان ذلك مدعاة لشيءٍ من القلق ، ضمّنته تقاريري لرئاسة الوزارة، مقترحاً لحسم الأمر، أن يشارك وزيرنا بشخصه في الإجتماع ، حتى يشكّل حضوره ضغطاً مطلوباً لإزالة تحفظات بعض أعضاء "الإسكوا".

(5)
كنا في صنعاء.. وتميّز شهرأغسطس عام 2008 ، بارتفاع استثنائي في حرارته. هو "آب اللهّــاب" ، كما يسميه الخليجيون. غير أن العاصمة اليمنية، كانت في حسن ألقها ، وليست كما الآن، مرحّبة بالوفود العربية ، والضيافة غاية في التميز والراحة . أوفد وزير الخارجية د.لام، نائبه وزير الدولة الأخ السماني الوسيلة، ليمثل السودان في الإجتماع الوزاري لـ"لإسكوا".
ولأن بعض بنود الأجندا، تحتاج لعقد جلسة تقتصر على الأعضاء، وبينها طلب السودان، فقد بقينا - الوزير السماني وبقية وفده وأنا- خارج قاعة الإجتماع المغلق، ننتظر القرار. قلتُ للسفير بدر الدفع، وهو يتهيأ لدخول القاعة ، وقد استبدّ بي القلق : "كأننا قد جلسنا إلى امتحان ونحن الآن ننتظر النتيجةّ!"
طمأنني الرجل مجاملاً بكلمات لطيفة، ثمّ دلف إلى القاعة المغلقة. شاركني وزير الدولة الأخ السماني ذات القلق. علمتُ ممن أثق فيهم من بين الأعضاء المشاركين في الاجتماع قبل إغلاقه، أن هنالك تحفظات من عضوٍ أو عضوين ، وأنّ ممثل دولة واحدة منهما، بدا أكثر تحفظاً في قبول طلب السودان، من الباقين. ألححتُ على الرجل ليقول لي من هما وأيهما الأكثر حدة في التحفظ . سكت هنيهة ثم أجابني بدبلوماسية ، فهمت معها من يقصد . قال الرجل :
- (علاقتكم الوثيقة مع إيران الإسلامية، قد تكلفكم بعض خسارة، لكن البقية من أعضاء "الإسكوا" معكم .. لا تقلق.. )
أفضيتُ للصديق الوزير السماني الوسيلة بما همسوا لي به، وأفدتُه أننا سننجح في الامتحان، حتى لو تحفظ على طلبنا عضوٌ واحد أو عضوان..
بعد نحو ساعة انفضّ الإجتماع المغلق، وتقدّم السفير الدفع نحونا منشرحاً، وقال :
- ( مبروك لكم ولنا . كسرنا عين الشيطان بتجاوز الرقم 13 وصار للإسكوا" 14 عضواً الآن . .

الخرطوم- 30 مايو 2017


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.