أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
إن كان الأصل في الدبلوماسية، هو إدارة العلاقات الثنائية بين دولة وأخرى، فإن تزايد الحاجة لتعاون دولي في مجالات مشتركة بين الدول ، بعد ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، صار أمراً لازماً . إتخذت الممارسة الدبلوماسية ومنذ السنوات الوسيطة في القرن العشرين، شكلاً جديداً، تطلبته ضروراتُ التشاور بين الدّول حول القضايا المشتركة ، مثل قضايا الصحة والتعليم والبيئة والمناخ وفض النزاعات والتقليل من مهددات السلم والاستقرار الدوليين، وغيرها من القضايا . وإن بدأت تلك الدبلوماسية في التحوّل، إلا أنه وفي العقود الأخيرة ، بات التعاون الدولي يأخذ شكلاً جدياً، وتزايدت المؤتمرات الدولية، ونشأت منظمات دولية وإقليمية ، فكان أن توطّدت ورسختْ الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف ، أو ما يسمى بالدبلوماسية الجماعية.
تراجعتْ الدبلوماسية الثنائية المهموسة، أمام دبلوماسية عالية الصوت في المحافل الدولية، تعالج بشفافية قضايا مشتركة تهم البشر أجمعين . تقوم هذه الدبلوماسية المتعددة الأطراف على موائد الحوار وآليات التفاوض، وجميعها من الفضائل المفضية إلى تعاون دولي منشود، قننته المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية. ولعلّ أهمّ ما يقوم عليه الحوار والتفاوض بين الدول، هو احترام الندية والمساواة والعدالة والحرية.

(2)
تلك مُقدّمة لازمة ، تدفعنا لطرح تساؤل بريء عن الدبلوماسية التي فارقت التقاليد المرعيّة في التعاون بين الدول، تلك التي عهدناها سائدة منذ أكثر من خمسة عقود خلتْ، ورسخت أسسها منذ قرون. إنّ مبادرة الرئاسة الأمريكية بتنظيم قِممٍ رئاسية إقليمية، بناءاً على رغبتها، أخذت شكلاً مُبتدعاً لا يقوم على حوارٍ أو تفاوض، بل أقرب وصفٍ لها هو أنها دبلوماسية القويّ مقابل الضعيف . هيَ دبلوماسية الغطرسة والإملاءات، لا دبلوماسية الحوار والتفاوض المثمر. .
ولأحدّث القاريء المتابع عمّا عنيتُ هنا، فإني أورد جملة ملاحظات من وجهة نظر مراسمية بحتة، مستصحباً شيئاً ممّا أكتسبت من خبراتٍ متواضعة، خلال ممارستي مهنتي الدبلوماسية قبل سنوات. في نظري أنّ الدبلوماسية التي ابتدعتها الإدارة الأمريكية في طلبها عقد قِمم إقليمية ووفق رغبتها ، أمراً ينبغي أن ننظر إليه بعين تفحص ما وراء الممارسة ، وأن لا ننشغل بمحتواها فحسب، بل بإجرائياتها المراسمية أيضاً .
الممارسة الطبيعية وفق التقاليد الدبلوماسية المرعية، ووفق اتفاقيتي فيينا اللتين نظّمتا العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، أن يتم الحوار بين الدول على نحو ثنائي مٌحدّد المعالم، أو على نحوٍ جماعيّ، عبر محافل دولية ومؤتمرات ، تنظّم بتوافق الدول ووفق إرادتها ورغبتها ، وفي احترام للسيادة وللرأي الآخر وباعترافٍ بالندية في التعامل ، ليكون الحوار مثمراً ويخلص بتوافق إلى نهايات إيجابية، أو ينفضّ ويتأجّل الحوار، إن أسفرَ عن سلبيات.

(3)
الملاحظة الأولى تتصل بالتقاليد البروتوكولية لعقد القِمم السياسية. الممارسة التقليدية للمنظمات الإقليمية، والتي رسختْ منذ عقود ، هي أن تعقد مؤتمراتها الراتبة في مواقيت محدّدة ومعروفة، و تبادر بإرادتها ووفق نظمها لحضورها. القِمم التي طلبتها – فيما يبدو- الإدارة الأمريكية للرئيس الأمريكي ترامب، تجاوزت المنظمات الإقليمية المعروفة، بغَضّ النظر عن رأينا في فعاليتها. تجاهلت تلك الرغبة الجامعة العربية، مثلما تجاهلت الإتحاد الأفريقي والمنظمة الإسلامية. جميع الرؤساء الذين شاركوا في تلك القِمم ، لدولهم عضوية في المنظمات التي ذكرنا. ولنا أن نسأل: أما كان من المناسب والمنطقيّ، أن تعقد القِمم الإقليمية المذكورة في مواقيتها الراتبة، وللرئيس الأمريكي المبجّل أن يُرتّب برنامجه للمشاركة بالحضور، فيما إذا تمّت دعوته لمخاطبة أيٍّ من هذه القمم. .؟

(4)
أما الملاحظة الثانية فتتصل بترتيب المخاطبة، إذ كان واضحاً أن رئاسة القمّة الإسلامية الممثلة بمضيفها، لم تخرج عن الدور المرسوم لها، وهو تقديم الرئيس الأمريكي ليلقى الدرس المحدّد حول الإرهاب الدولي. إن البند الأساسي في القمّة هو مكافحة الإرهاب الدولي ، وأن الخطاب المُرتجل الذي ألقاه الرئيس الأمريكي تضمّن طرحاً لرؤيته للإرهاب الدولي، مواقعه الجغرافية، ومصادر تمويله ، والحاجة لتعاون إقليمي ودولي للقضاء عليه.. هي الدعوة لشراكة لمحاربة الإرهاب الدوليّ. منح المضيفُ كلاً من المملكة الأردنية ومصر، الفرصة لمخاطبة القمّة ، ولكن لم يكن واضحاً بأيّ معيار تمّ هذا الاختيار. فيما بدا خطاب العاهل الأردني متوازناً بقدرٍ ما ، لكن جنح خطاب الرئيس المصري ، في فقرات لن تغيب عن فهم أكثر المتابعين ، تلك اللهجة التحريضية الصريحة، حين أشار إلى أن البعض يمنح الملاذ الآمن للإرهاب والتطرّف، ويزوده بالتمويل. .

(5)
الملاحظة الثالثة وهيَ مهمّة، تتّصل بالنزاع العربيّ الإسرائيلي. ولعلّ المتابعين لاحظوا غياب هذه العبارة في خطابات القمّة. جهدتْ الدبلوماسية العربية وعبر سنوات طويلة، لتبيان أن هنالك بونٌ شاسع بين المقاومة المشروعة ضد مغتصب الأرض، وبين الإرهاب الدولي. تعريفات تقترب وأخرى يبتعد، ولازلنا نقف في هذه المحطة دون حسم، إذ بيننا - وعلى سبيل المثال- من يرى في "كارلوس" مناضلاً ناصر القضية الفلسطينية، ولكن بيننا أيضاً من يراه محض قاتل وإرهابيّ دوليّ . في هذه القِمم الثلاث ، لم يكن للمظلومية الفلسطينية من صوت، وإنْ كان محمود عباس حاضرا.

(6)
الملاحظة الرابعة ، أشير فيها إلى موقف السودان في قبول الدعوة، ثم الاعتذار الرئاسي عن المشاركة، وتكليف مدير مكاتب رئيس الجمهورية ليمثل السودان. . ثمّة ارتباك في النظر إلى الأمر برمته. يبدو جلياً ، وقد عكست ذلك تصريحات متضاربة صدرت على لسان مسئولين كبار هنا وهناك. كان واضحاً أن هنالك حاجة مُلحّة لتحديد الاختصاصات ، وإن بدا ذلك أمر بديهي ، لكن لابد من وضع وصف تفصيلي بالمهام والمسئوليات. إذا تجاوزنا عن كل جوانب أخرى في الموضوع ، فإنّ الجانب البروتوكولي وحده، لن يبيح إلا لوزير الخارجية، أو من يقوم مقامه تمثيل البلاد في تلك القمّة. لا أجد في تاريخ الدبلوماسية السودانية سابقة لمسئولٍ من خارج وزارة الخارجية، يمثل البلاد في مؤتمرات دولية أو إقليمية، يؤمّها وزراء، ناهيك عن تلك التي يعقدها ويشارك فيها رؤساء وملوك وأمراء.

(7)
الملاحظة الخامسة قد تغضب وزارة الخارجية.. ذلك أنها الجهة التي بيدها وبقلمها تقدم الاستشارة الدبلوماسية، وفق الوقائع الجارية في الساحتين الدولية والإقليمية، تُحسن قراءتها ثم تقوم بتحليلها ، وعليها عبء أن تفصح آخر الأمر، عن الخيارات المُتاحة، وايّها الذي ينبغي اتباعه، وأيّها يتم تجنّبه. لقد أزاحت الإدارة الأمريكية بعض العقبات التي تعترض رفع عقوبات "تاريخية" فرضتها المؤسسات الدستورية الأمريكية على السودان، وأنّ رفعها وإلغاءها بالكامل ، مرتبط بتاريخٍ معيّن، قصد منه أن يكون السودان تحت التقييم . ينبغي على السودان أن يركز على تجاوز فترة الاختبار في علاقاته مع الولايات المتحدة، وأن لا يندفع لحضور محفل ، رُتبَ أصلاً على غير ما هو معروف من تقاليد دبلوماسية، فتكون التوصية بالاعتذار عن قبول الدعوة منذ وصولها إلى القيادة السودانية بلباقة، لا تثير حرجاً مع السعودية راعية القِمم الثلاث. وزارة الخارجية هي الوزارة المعنية - بحسب توصيف مهامها في الدستور الانتقالي الساري - لأن تقدم مثل هذه التوصية الملزمة لقيادة الدولة، ولا توصية أخرى من أية جهة أخرى تعلو عليها.

(8)
قد يرى البعض أن مظاهر البروتوكول، أمورٌ هينة وغير ذات بال. وذلك البعض لن يكون إلا في العالم الثالث أو الرابع الذي- وقت أن ابتدعت تلك التفاصيل المراسمية المرعية ، قبل نحو قرنين من الزمان- كان ذلك العالم نهباً للقوى الاستعمارية التي نكّلتْ به واستنزفتْ موارده الطبيعية والبشرية، ولم يكن الناس وقتها، سواسية كأسنانِ المشط.
ترى هل تريد دبلوماسية الغطرسة والإملاءات ، أن تعيدنا قروناً إلى الوراء..؟

الخرطوم- 22 مايو 2017