أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
أينَ موقع ثورة أكتوبر عام 1964 في الذاكرة السودانية، إذ انّ الشعوب تبني وتشكل وجدانها وهويتها مِن وقائع تاريخها..؟ حين تطربنا أناشيد الثورة التي وثقت تلك الوقائع في ربيع 21 أكتوبر، والتي سبقت كل ثورات الربيع التي وقعت بعد أو في عام 2011. لا نكاد نستحضر أحداث تلك الثورة الظافرة، أو نتعرّف على تفاصيلها، بل نظل مأسورين لأناشيدها وتجلياتها الشعرية. أتكون تلك الثورة حالة رومانسية محضة. .؟
لا أطيق طرح أسئلة لا تريحني إجاباتٌ ناقصةٌ عليها. أعرف أن الأمريكي "كليف تومبسون" هو أوّل مؤرّخٍ محايدٍ لتلك الثورة، وقد كان شاهد عيان رأى بأمّ عينيه وقائعها ، منذ استشهاد الطالب الجامعي أحمد القرشي طه في حرم جامعة الخرطوم، وحتى أفول بريق الثورة خلال الأعوام القليلة التي تلتْ. ظلّ الرجل يُدرّس أحوال تلك الثورة السودانية لطلابه في الجامعة الأمريكية بعد اعتماد كتابه/شهادته ، ضمن مناهج العلوم السياسية فيها. فهل يدلني أحدٌ على كتاب اعتمدته جامعاتنا يعالج أحوال ثورة 21 أكتوبر السودانية في عام 1964م ، ويحلل تداعياتها ويحدّث عن رموزها وقياداتها. .؟

(2)
من بينَ أبرز قيادات تلك المرحلة، سفيران من وزارة الخارجية، أبليا في الدبلوماسية البلاء الحسن ، وسجلا في سفاراتها بالخارج إسماً وصيتاً بائنين، هما السفيران "عبدالكريم ميرغني" و "رحمة الله عبد الله". تولّى الأوّل وزارة التجارة في حكومة "سرالختم الخليفة" عام 1964م، وتولى الثاني وزارة التربية والتعليم.
في اليوم الثالث من مايو 2017م، رحل السفير الوزير "رحمة الله عبد الله" إلى بارئه، بعد أن خلّف وراءه سيرة عطرة، وترك إسماً شامخاً ينبغي أن تحفظه الذاكرة، ليبقى في الوجدان. كان يقيم في أخريات أيامه، بجوار بيوت أسرتنا جنوبي خور ابوعنجة في أم درمان، برفقة إبنه "أمير رحمة الله". لم ينقطع عن الحضور راجلاً في مناسبات الحيّ ، ويشارك في أفراحه وفي أتراحه بقدر ما تسمح به ظروفه وصحته. قِلة ممّن يرونه يتذكرونه على أيامه وزيراً، وكثيرون من فرط تواضعه، لا يأبهون ويحسبونه مستأجراً جاءت به الصدف ليقيم في حيّ "أبو كدوك"، أو موظفاً متقاعداً لا يهتم بشيء. حين ألتقيه في بعض مرّات، كنتً أقترب منه ونتبادل الحديث عن الدبلوماسية، ووزارة الخارجية على أيامه. كثيراً ما كنتُ أحثه لتدوين شيء من ذكرياته الدبلوماسية، ولكني لمستُ منهُ عزوفاً، يبرّره باقتراب الذاكرة من الأفول. أما عن الحاحي لمعرفة سبب خروجه من وزارة الخارجية أوائل سبعينات القرن الماضي، فما سمعتُ منه غير همهمةٍ تفيد أنّ من أخرجوه هم وحدهم من يعرفون سرّ خروجه. كان ضنيناً بالحديث عمّن آذوه أيامه تلك، وفي ذلك نبل يماثل نبل فارس جريح من فرسان العصور الوسطى. . لم يسأل أحد أين انكفأ الرّجل على ذاته كلّ سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات، وحتى سنواتنا هذه. حين سعتْ وزارة الخارجية لتكريمه ، كنتُ الوحيد الذي عرف مكان إقامته.

(3)
رسختْ قناعتي أنّ ذلك التواضع وذلك النبل، لا يصدرا إلّا عن قلبٍ كبيرٍ يسعَ مَن عرفوه ومَن لم يعرفوه، وَعَن عقلٍ مسامحٍ تجاوز مفردات الحقد والضغائن، فلم يخُض بلسانه العفيف في الترّهات، وكسب بذلك ودّ الجميع واحترامهم . بعض الناسِ يحمل شيئاً من اســمِهِ الذي يعرفهُ بهِ الناس، غير أنّ "رحمة الله عبد الله"، حمل الرحمة كلّها من إسـمِهِ المُكلّل بإسم الجلالة مرّتين . نحنُ جيلٌ من الدبلوماسيين عملنا طويلا وبلغنا التقاعد، وما عاصرنا السفير الكبير "رحمة الله عبد الله" في سنواته بوزارة الخارجية، ولكن سيرته العطرة كانت على ألسنة مَن عملوا معه، وتواضعه الجَـمّ وتعفّفه عن الصغائر، كان مضربَ المثلِ.
عرفتُ عن الرّجل بداياته في الوظيفة الحكومية مُعلّماً ومُربّيا، ثم أنهُ من أبكار خريجي جامعة "كيمبريدج" المرموقة في بريطانيا. عمِلَ لفترةٍ في "مشروع الجزيرة" ، ثم وقع عليه الاختيار ليكون ضمن أول دفعة من الوزراء المفوضين، أختيروا من قطاعات التعليم والإدارة والأمن، وألحقوا بوزارة الخارجية الناشئة، ثمّ كلفوا بمهام تأسيس إدارات العمل الدبلوماسيّ بالداخل، والعمل السياسي في سفارات السودان بالخارج. بين هؤلاء بشير البكري، وعثمان الحضري، ومحجوب مكاوي، وأمير الصاوي، وعثمان عبد الله، وعباس الدابي، وعمر عبد الحميد عديل، وصادق أحمد المصطفى، والباقر سيد محمد، ويعقوب عثمان.
أوّل هذه الدفعة كان السيد "رحمة الله عبد الله"..
(4)
عمل "رحمة الله عبد الله" في عدد من السفارات السودانية في الخارج . تولى منصب وكيل وزارة الخارجية لفترة وجيزة، وانتقل بعدها إلى نيويورك. ولقد كانت فترة عمله مندوباً دائماً للسودان في هيئة الأمم المتحدة ، من أميز فترات عمله في الدبلوماسية السودانية. من زملائه في نيويورك، والذي صار من اقرب أصدقائه ، السيد "جورج بوش" الأب ، حين كان مندوباً دائماً للولايات المتحدة الأمريكية في هيئة الأمم المتحدة، وقبل أن يتولى الرئاسة الأمريكية بسنوات . لم تنقطع علاقتهما، حتى إبّان رئاسة بوش للولايات المتحدة الأمريكية، وبقيتْ وطيدة خلال السنوات القليلة الماضية. .
(5)
إنّ سيرة رجلٍ في قامة "رحمة الله عبد الله"، ينبغي أن تكون حاضرة في الذاكرة الوطنية، كما في ذاكرة الدبلوماسية السودانية. هو آخر فرسان مرحلة تأسيس الدبلوماسية السودانية، وأنّ اسـمَهُ سيحفر في كتاب التأسيس بأحرفٍ من ذهب . أمّا ثورة الرّبيع السودانيّ العربيّ الأولى، فهو فارس من فرسان تلك المرحلة، وكان سادناً مِن سدنة مناهج التربية، وحارساً أميناً من حرّاسها، وقت أن كان وزيراً للتربية والتعليم، في حكومة "سر الختم الخليفة"..
لا نلوم جيل أبنائنا ، إذ أكثرهم لا يعرف "رحمة الله عبد الله"، فلم يصادفهم إسمه في كتاب تاريخٍ، ولا قرأوا عنه في صحيفة سيارة، ولا سمعوا عنه عبر محطة إذاعية أو تلفزية. على أني ألقي بعض اللوم على بعض مؤرّخينا ممّن لم يوفوا تلك المراحل من تاريخ البلاد حقها. تزداد الفجوة اتساعاً بين الجيل الماثل والجيل الآفل، فلا يجب أن نأسَى إن سمعنا من الأوّلين، أن "عبد الله خليل" مثلاً ، هو حيّ من أحياء أم درمان ، وأن "الأزهري" شارع يفضي من أم درمان إلى الخرطوم بحري، أما "رحمة الله عبد الله" ، فمن تراه يكون. . ؟
كنت عند سيدة نبيلة هي الأخرى، حين فاجأتني بأنّ الرّاحل "رحمة الله" يقرب لها، وأنهما نشأا في بيتٍ واحد. تلكم هي السيدة نفيسة أحمد الأمين. أجدّد تعزيتي لها في فقده الجلل، وأني أزجي شكري لتفضلها بتزويدي بصورة للراحل، تنشر مع مقالي هذا.
(6)
رحم الله السفير الكبير "رحمة الله عبد الله"، الدبلوماسيّ الرائد ونجم السودان في الأمم المتحدة، حتى أوائل سبعينات القرن العشرين. نحمد لوزارة الخارجية ولرئاسة الجمهورية، أن تولتا تكريمه بما يليق ، ويبقى على عاتقيهما أن يمتد الجميل منهما لاستعادة الرجل وتسكينه الذاكرة السودانية ، فلا يتغافل عنه الجيلُ الماثل من الدبلوماسيين ، أو يتناساه قلمٌ من أقلام المؤرخين. .

الخرطوم- 9 مايو 2017