أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
في سنواتنا في جامعة الخرطوم، أوائل عقد السبعينات في القرن العشرين، شهدنا من بين أساتذتنا في مختلف كليات الجامعة، من كان صيتهم يحدّث عنهم، وشهرتهم الأكاديمية تملأ السمع والبصر، فتثير التقدير والإعجاب أيضا. لم تكن سودنة الوظائف الأكاديمية في جامعة الخرطوم وقتذاك ، همّاً يشغل بال إدارة الجامعة، إذ اتسع أفق قيادتها لترى في وجود الأساتذة الأجانب، يحاضرون في قاعاتها ويدرسون في معاملها، رصيداً راسخاً لمكانة الجامعة السودانية في علاقاتها مع الجامعات الشهيرة في بريطانيا وفي أوروبا وفي الولايات المتحدة، يزيدها ذلك الاحتكاك خبرة وثراءً. من بعض هذه الجامعات، إستقدمتْ جامعة الخرطوم أساتذة كبار، للتدريس فيها، وأيضاً ليكونوا "ممتحنين خارجيين"، يراجعون مشاريع الطلاب وبحوثهم قبل تخرجهم .
(2)
من بين معلمينا غير السودانيين في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، ذلك الزمان، ثلة منهم سكنت الذاكرة، منهم الدكتور "بطرس غالي"، والدكتور "عزيز" الهندي، والدكتور"حنين" المصري، والدكتور "أحمد الشاهي" ( أوالشايقي، كما يحلو أن نناديه بسبب دراساته عن مجتمع الشايقية، وهو في الأصل عراقي)، وكثيرون ممّن لم تحفظ أسماءهم ذاكرتي الآفلة.
كان بعض أولئك الأساتذة، يجالسون طلابهم – ليس في قاعات الدرس، بل أيضاً في "قهوة النشاط" ، وهي الملتقى الطلابي الذي يحتضن نشاطاتهم غير الأكاديمية، يطالعون الصحف الحائطية، ويقضون أوقاتاً للمسامرة وللترويح عن النفس بين جولات المحاضرات. وفي "القهوة" الشهيرة، مقصف ومحل للقرطاسية ، وصالون للحلاقة له تاريخ، ولصاحبه "حمودة العركي" صيت ومكانة. "عم السّـر" هو عمدة القهوة ، يتكيء على "عنقريبه"، والغليون في فمه، ويتحلّق حوله طلاب السنوات الأخيرة. . آمل أن لا تكون تلك المعالم قد صارت من الأثار التي يغتالها التناسي، وأنا أحدثك هنا عن علم الآثار. . !
(3)
يأتي عادة الدكتور "بريان هيكوك" ليجالس طلابه، فيدير حلقات من النقاش والدردشة العلمية، فكأنه - وأقداح الشاي تدور بينهم - واحدٌ من الطلاب، ولا يرونه- من فرط تواضعه - أستاذاً عليهم. لم نكن نحن في كلية الإقتصاد نحضر محاضرات للدكتور "هيكوك"، لكن مخالطته لطلابه في كلية الآداب ، حين يجالسهم في "قهوة النشاط"، كانت حدثاً يومياً لافتاً ، ومثيراً لإعجاب الكثيرين. حين يأتي هذا العالِم العملاق عقلاً- والطويل القامة جسماً ، إلى "قهوة النشاط"، تقفز إلى ذاكرتك على الفور، صورة "جيلفر في بلاد الأقزام"، رواية "جوناثان سويفت" الخيالية الشهيرة. كنا نحن من لا نعرفه ، نسخر من هيئته الغريبة، ومن طوله الفارع وسط طلابه، ومعظمهم قصيرو القامة. صديقنا الآثاريّ الراحل د. خضر عبد الكريم، كان أقصرهم قامة، وأيضاً صديقنا المؤرّخ الأكاديمي الحاذق د.جعفر ميرغني، وهو الأطول قليلاً من خضر . .!


(4)
كنا نعرف عن "بريان هيكوك"، أنه يحاضر في علم الآثار في شعبة التاريخ، وله دراسات في الآثار السودانية والحضارات القديمة في السودان :"كوش" و"مروي" و"نبتة" و"كرمة"، وعلاقاتها مع الحضارة الفرعونية. في تلكم السنوات، كنا نسمع عن صراعات العلماء حول أيّ الحضارات أسبق: "الفرعونية" في مصر أم "المرويّة" في شمال السودان؟ أحالنا الجرح التاريخي وقتها لنشاهد مسرحية كتب أصلها جمال محمد أحمد وأبدع فيها الأستاذ الصديق هاشم صديق: "نبتة حبيبتي" في مسرح أم درمان القومي. كان قد مضى نحو عقد كامل على غرق مدينة حلفا، وإنقاذ آثارها قبل أن تغمرها مياه النيل. في الرحلات الميدانية ، كان "هيكوك" يتقدم طلابه إلى جولاتهم في "مروي" و"دنقلا" والمصوّرات الصفرا" ، وغيرها من المواقع الأثرية في البلاد.
(5)
ما أحالني لكتابة مقالي عن الدكتور"هيكوك"، هو ذلك السجال الذي ارتفعت وتيرته، وبلغ شأواً عالياً في الإنفعال، زاد أواره إعلاميون في القنوات المصرية، يخوضون في أمور في علم الآثار، ويخلطون العلم بالسياسة، بسبق إصرارٍ وترصّد. وللأسف أرى بعض أصوات في بعض قنواتنا، وبعض صحافتنا السودانية، وقد انجرّت في ردود أفعالها على سخف بعض تلك الدوائر الإعلامية في مصر. لم تسيء تلك الأصوات الظالمة للسودان "السياسي" فحسب ، بل انتقل عداؤها للسودان "الشعبي"، إذا جاز لي التعبير. ليس المجال ولا الموضوع، هو ممّا يصلح أن يتداوله إعلاميون هنا أو هناك، فيما ظلّ كبار العلماء يمسكون عن الخوض في الهتر الدائر، وتلك من شيّم العلماء الحقيقيين، فالسياسة شيء والعلم شيء آخر.
(6)
أحالني السجال والهتر الدائر، إلى التقصّي في شبكة الإنترنت، عمّا كتب ذلك الأستاذ الجليل، "بريان هيكوك"، عن الحضارة الفرعونية وعن الأسرة الخامسة والعشرين تحديداً، والحضارة "المروية" عموما. وجدتُ رسالته لنيل درجة الماجستير، وقد نشرت عام 1965م، مبذولة ضمن وثائق جامعة "دِرَم" المختصة بوثائق وتاريخ السودان، في موقعها الالكتروني، وقد تناول فيها العلاقات الخارجية لمملكتي "مروي" و"نبتة". قلبتُ فصول رسالته تلك، فراقني عرضه الموضوعي لتأثير الحضارة الفرعونية في مصر وتاثيرها على مملكتي "مروي" و"نبتة".
لم ألمس شططاً في عرضه، بل موضوعية ورصانة لا ميل فيها، ولا محاباة لحضارة على أخرى. وإني لأدعو المتخصّصين من الآثاريين، أن يسعوا لترجمة رسالة ذلك العالِم ، وإن كنتُ على يقين أن الدراسات التي أجريت بعد ذلك التاريخ ، لا شك لها إضافات ثمينة وقيمة في الموضوع. .
(7)
بقيَ أن تعلم قاريء العزيز، أنّ العالِم الكبير "بريان هيكوك"، لقي نحبه إثر تعرضه لحادثٍ مروريّ في مطلع السبعينات من القرن الماضي، فيما كان في طريقه مساءاً من جامعة الخرطوم إلى سكنه الجامعي، الكائن في ضاحية بري. كان العالِم الكبير المتواضع، يقود دراجته بشارع النيل، كما اعتاد أن يفعل لسنوات، حين ارتطمت به سيارة مسرعة، لم يُعرف إلى اليوم أثراً لتلك السيارة. سجل الحادث ضد مجهول، حسبما سمعنا، وطويتْ صفحة عالِمٍ نذر حياته لتوثيق إرث السودان الحضاريّ في "مروي" وفي "نبتة" وفي "دنقلا". ليتنا نتذكّر أن نُبدي قدراً من الوفاء لرجلٍ قدم حياته ثمناً لمحبته لتاريخنا، وقد وُوريَ جثمانه تراب بلادنا، في المقابر البريطانية في قلب الخرطوم. .

10 أبريل 2017