السفير جمال محمد إبراهيم
موبايل/واتساب+249912261090
أقرب إلى القلب :
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
واتساب +249912261090
ودا ياهـو قِطـّيـع القـلـوب ..
وانا ما بجيـب سـيرة الجنـوب. .
(محمد طه القدّال)
(1)
قبلَ أن يغادر "باراك أوباما" مكتب الرئاسة البيضاوي في "البيت الأبيض" بأسبوع واحد، سارع بإصدار الأمر التنفيذي الذي قضى برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة قبل نحو عقدين من الزمان على السودان، رفعاً جزئياً. جرى إخبار أجهزة الإعلام السودانية، أن ذلك القرار سبقته جولات من التفاوض بين قيادات في النظام السوداني ومسئولين كبار في إدارة أوباما المغادرة، أسفرتْ بنهايتها عن صدور الأمر التنفيذي المشار إليه.
لم تُخفِ الخرطوم ارتياحها إزاء هذا التطور، وهللت له علانية . ولنا على ذلك عدة ملاحظات، هي عندي من أوضح ما يرى كلّ ذي بصر وبصيرة.
(2)
أولى الملاحظات أن الإدارة الأمريكية في إصدارها قرار رفع العقوبات الجزئي عن السودان، لا تتبع جديداً يخرج عن لعبها دور "الألفة" الذي يراقب تلاميذ الفصل المدرسيّ، تمنح الجائزة للناجحين ولمن يُرضي أداؤه ذلك "الألفة"، وتمنعها عن الراسبين ممّن فشلوا في إرضاء "الألفة". لأنها القوى الأعظم فقد آثرت الولايات المتحدة عبر مختلف إداراتها، على اتباع سياسة "العصا والجزرة"، خاصة في تعاملها مع المستضعفين من بلدان الأرض ، فتعلي بمعاييرها البعض، وتهبط ببعض آخر إلى أسفل سافلين. قد تلتقي المعايير الأمريكية بالمعايير التي اعتمدها المجتمع الدولي وقد لا تلتقي، إلا أن الأولوية هي للمصالح الأمريكية وهو حق مشروع لدولة عظمي تملك سطوة التأثير على من حولها . .
(3)
الملاحظة الثانية ، تتصل بارتياح الطرف الذي نال الرضا وكسب الجزرة ، صغر حجمها أو كبر، من بين البلدان المستضعفة، لكأنّ النجاح في اجتياز اختبار "المعايير الأمريكية"، يعدّ إنجازاً بالغ الأثر . أتذكر هنا قول ذلك السفير في الخارجية السودانية، أوائل سنوات الصياح الإعلامي الخاوي في التسعينات، وقت أن علا صوت الأناشيد الحماسية، بأنّ أمريكا قد دنا عذابُها ، فنصح الرجل الساخر أنّ غضب أمريكا لا يماثله إلا غضب الوالدين، وهي جريرة لا تغتفر، ولكن ذهبت النصيحة أدراج الرياح. .
وإني حين أنظر كيف انتهى أمر العقوبات الأمريكية المفروضة على كوبا ، أعجب أنّ قادة كوبا لم يبدوا تلهّفاً على تطبيع العلاقات مع الجار العظيم الشأن، لقناعة راسخة لديهم أن الحياة ستمضي، وهي ليست رهناً برضا الجار الكبير. لم يهرع قادة كوبا ساعين لاسترضاء البيت الأبيض الأمريكي، بل إنّ التطبيع بدأ بزيارة ساكن "البيت الأبيض" إلى "هافانا" عاصمة "كاسترو"، ولم يخرج الكوبيون فرحين في شوارع كوبا، بل إن اللاجئين الكوبيين داخل المدن الأمريكية، هم من تظاهروا يحتجّون ضد فكّ الحظر على كوبا. .!


(4)
الملاحظة الثالثة والأهمّ، هيَ أن الإدارات الأمريكية ما زالت تتردّد في قبول ما يزعم النظام السوداني أنه قام بإجراءات في مجال مكافحة الإرهاب الدولي حاسمة. السودان عندهم في قلب قائمة الدول التي ترعى الإرهاب الدولي. ظنّي أن للإدارة الأمريكية ذاكرة حيّة ، لا يطالها "الزهايمر السياسي"، ولا تبلى مع مرور السنين. تحفظ تلك الذاكرة مقتل القائم بالأعمال والسفير الأمريكي في الخرطوم عام 1973 ، ولا تنسى ذلك العفو الذي لحق بالفلسطينيين الذين ارتكبوا عملية اغتيال الدبلوماسيين الأمريكيين ، بعد سيناريو إخراجهم من السودان إلى مصر، حيث جرى إطلاق سراحهم.
لا تنسى الإدارات الأمريكية تلك السنوات التي قضاها "بن لادن" في السودان ، ولا سنوات إقامة خليفته "الظواهري" معه هناك. إنّ الجرح الغائر في الضمير الأمريكي جراء أحداث 11 سبتمبر ، لا تمحوه عبارات مثل عفا الله عما سلف.
قبل نحو عقدين تورّط النظام السوداني في عملية اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، وقد كانت عملية فاشلة ، لكن ليس من السهل للإدارة الأمريكية أن تغفر جريمة أصابع النظام السوداني، واضحة فيها..
قبل ثماني سنوات كذلك، جرى التعامل بسيولة أمنية لا مبرر لها مع قتلة عامل الإغاثة الأمريكية "قرانفيل" الذي اغتيل في الخرطوم ليلة رأس السنة. .

(5)
لعلّ ممّا ذكرت يتضح جلياً أن النظام الرسمي في السودان طيلة أنظمة وعقود طويلة، تعامل باستهانة وربما باستهتار مجاني، مع مظاهر وتجليات الإرهاب الدولي الذي لحق بإسم البلاد. صار ملف ولوغ النظام السوداني في ظاهرة الإرهاب الدولي يتسع يوماً بعد يوم ، خاصة في سنوات التسعينات، يوم أن أعلن السودان عن إنشاء مؤتمر عربي إسلامي شعبي في الخرطوم ، رأته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، تجمّعاً
لعرّابي الإرهاب الدولي، ممّا عزّز اتهام السودان بتبنى أجندات إرهابية في الإقليم القريب والأبعد. .
(6)
ذلك كله لا يبدو مناسباً ولا متسقاً مع أدوارٍ ، كان السودان في الماضي القريب، يلعبها كدولة مستقلة تملك إرادتها الوطنية، وتتصرف بمسئولية تجاه جميع الدول المجاورة لها، في إطار الانتمائين العربي والأفريقي. ماله السودان فارق إرثه وتبنى تصرفات سياسية هي التي جرّت عليه الإتهامات، تساق الواحدة بعد الأخرى ، فصارت البلاد هدفاً للمحاصرة والعزل والمعاقبة من قبل المجتمع الدولي. . ولكن أيضاً تسابقت أطراف المجتمع الدوليّ الأقوى، وتجاوزتْ حتى العقوبات الدولية ، لتفرض دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية- وبصورة أحادية- ضغوطاً بالغة القسوة على النظام السوداني، وبأقلّ التفات لما قد تحدثه تلك المحاصرة، من آثار سلبية على قطاعات الشعب السوداني المغلوب على أمره..


رفعت الإدارة الأمريكية العقوبات المفروضة على النظام السوداني بصورة جزئية، وألحقتْ ذلك الرفع باشتراط العبور بنجاح خلال فترة "حسن السير والسلوك"، التي بدأت في 13 يناير 2017 وتنتهي في 13 يوليو 2017 ، وليس للنظام إلا الخضوع وإبداء الفرح والارتياح، استسلاماً فيه إذلال للبقاء في "بيت الطاعة" لفترة الأشهر الستة القادمة.
(7)
ذلك جزاء من لم يبلغ "سن الرشد السياسي"، فلم يحسن إدارة شئون بيته، فضعفتْ إرادته السياسية، وتضعضعتْ شبكة علاقاته الخارجية وتفاقمت عزلته، وقبلَ راضياً باستذلاله وجلد ظهره بالسياط وهراوات الضغوط. لا السوط رُفعَ من ظهرالسودان، ولا قضم من الجزرة إلا رأسها. إن كنا نرغب في استعادة بعضاً من كرامتنا المهدرة، فإنّ لنا في التطبيع الأمريكي مع كوبا، درساً ينبغي التمعّن فيه. ..
أقول قولي هذا وأنا لم آتِ على سيرة "ترامب". . !


الخرطوم- 25 فبراير 2017