أقرب إلى القلب :
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
يحدّثونك عن الإستقلال ، ولا ينبئك عنهُ مثل خبير..
لم تكفّ اقلام السودانيين من المؤرّخين ومن سواهم، عن تناول تفاصيل قصّة استقلال السودان عام 1956، وما دار من وقائع في عقد الحركة الوطنية الذي أفضى إلى ذلك الإستقلال . لقد أفاضوا وأكثروا بحثاً، منذ المؤرّخ الرائد الراحل مكّي شبيكة، ومروراً بالأكاديميين الذين توالوا على دراسة التاريخ وتدريسه لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات لسنوات مضتْ. لربّما تظلّ مادة علم التاريخ متاحة لنظرٍ متجدّد، ولكتابات أعمق بحكم ما قد تسفر عنه الأيام عن تفاصيلٍ ظلت محجوبة، أو مذكراتٍ خرجت إلى العلن، أو ما تضمّنته وثائق تنتظر إماطة لثامها، بعد زوال القيد القانوني الذي يحظر نشرها.
ولقد استوقفني كتابٌ للمؤرّخ والقانوني الضليع الدكتورفيصل عبدالرحمن علي طه، بعنوان: "السودان على مشارف الاستقلال الثاني 1954-1956". والدكتور فيصل لمن لا يعرف، هو نجل المُربّي الراحل ووزير المعارف في حقبة الحكم الذاتيّ الأستاذ عبدالرحمن علي طه (1901-1969). لا يذكر إسمه إلا وتستعيد الذاكرة سنواته في معهد بخت الرضا ، مربياً ضليعاً وأحد مخططي مناهج التربية والتعليم في السودان، في فترة شهدتْ نهوضاً باكراً عند مشارف إستقلال البلاد. عبدالرحمن علي طه - والد الدكتور فيصل- هو أحد بناة النظام التعليمي الذي شمخ قبيل الاستقلال وبعده، وما تبدّل إلا في أواخر ستينيات القرن العشرين ، لمقتضيات سياسية لا مكان لتناولها هنا ، فيما أحدثك عن فيصل وكتابه عن استقلال السودان. .
(2)
عمل الدكتور فيصل مُحاضراً في كلية القانون بجامعة الخرطوم، وقد نال درجتي الماجستير في القانون الدولي، ثم الدكتوراة من جامعة كمبريدج المرموقة، ويقيم وقت كتابتي هذي في دولة الإمارات .
يؤرّخ دكتور فيصل في كتابه "السودان على مشارف الاستقلال الثاني 1954-1956" الصادر في طبعة خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2010 ، وطبعته الثانية في 2016، لأحداثٍ وقعتْ بين يناير 1954 وانقضتْ في ديسمبر 1955، وهي أحداث اتصلتْ بتنفيذ مقررات إتفاقية الحكم الذاتي التي أبرمت في فبراير من عام 1953، بهدف التمهيد لمنح السودان إستقلاله. يقول د.فيصل في مقدمة كتابه: (إنّ الفترة التي نؤرّخ لها تبدو قصيرة بحسابِ الزمن ، ولكنها في واقع الأمر كانت حافلة بالأحداث الجسام والتطورات المثيرة. ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر من تلك الأحداث والتطورات ما يلي: إسماعيل الأزهري يبلّغ مستشار الحاكم العام "وليام لوس" سراً في فبراير 1954 ، أنّ هدفه هو استقلال السودان التام، وقوع حوادث عنف دامية في الخرطوم في أول مارس 1954، السيد عبدالرحمن المهدي يطالب بريطانيا في مارس 1954 بإعلان استقلال السودان فوراً، مؤتمر جوبا الثاني في أكتوبر 1954 يقرر الفيدرالية في إطار السودان الموحّد، إهتمام مؤتمر جوبا الثاني يتسع ليشمل النوبة والفور والفونج والسود في الخرطوم، الحكومة تطلب مشورة بريطانيا لمحاربة الشيوعية، إنشقاقات الحزب الوطني الاتحادي، طرح الميثاق الوطنيّ ، تمرّد الفرقة الجنوبية في "توريت"، تبنّي الاستفتاء كوسيلة لتقرير المصير، صفقة الأسلحة "التشيكية" لمصر تعجّل باستقلال السودان، بريطانيا تقترح تقرير المصير من داخل البرلمان، فشل محاولة تقرير المصير من داخل البرلمان في 3 نوفمبر1955 ..).
(3)
تلك بعض رؤوس موضوعاتٍ تناولها كتاب د.فيصل، وأسهب في تفاصيلها في ستة عشر فصلاً ، مسنوداً بما استجد من معلوماتٍ، استقى أكثرها من الوثائق البريطانية التي أتيحت لإطلاع الباحثين بعد انقضاء القيد الزمني عليها ، ومن ضمن أولئك الباحثين د.فيصل الذي اطلع على ما أماط اللثام عن الكثير ممّا خفيَ خلال تلك الأشهر الحاسمة، التي أفضت نهاية الأمر إلى إعلان قرار الإستقلال في 19 ديسمبر 1955 ، وتنفيذه فعلياً في أول يناير من عام 1956. أهمّ تلك الوثائق هي مجموعة المراسلات بين وزارة الخارجية البريطانية من جهة، ومكتب الحاكم العام ومكتب المفوض التجاري البريطاني في الخرطوم ومكاتب السفارة البريطانية في القاهرة، من جهة أخرى.. وأشار د. فيصل إلى ما توفر لدى الراحل محمود صالح عثمان صالح من مراسلات تخصّ"وليام لوس" مستشار الحاكم العام ، وأيضاً ما ورد من تفاصيل في صحف تلكم السنوات، وأفاد منها في دراسته التي أعرضها لك هنا..
(4)
أكثر ما لفتَ نظري خلال استعراض الكتاب لمجمل الوقائع في تلك الفترة ، ذلك الصراع والتنافس بين طرفي إتفاقية الحكم الثنائي المبرمة في عام 1899، وطرفاها بريطانيا ومصر. لقد خرجتْ تلك الاتفاقية من ذهنية كولونيالية بالغة الدهاء كما نعلم وقد صاغها ونجت باشا. إذ أن بريطانيا وقد استطال نفوذها على مفاصل النظام المصري ، كان ميسوراً لها أن تفصّل لنفسها دوراً يعزّز سيطرتها الفعلية على أوضاع السودان ، فيما بقيَ لمصر دور تمثل في وجود شكليّ ولكن قليل الفعالية. وهكذا ظلت بريطانيا اللاعب الأساسي والمؤثر في أوضاع السودان، خاصّة بعد اغتيال سردار الجيش والحاكم العام السير "لي ستاك" في القاهرة عام 1924. أما وقد حمّلت بريطانيا وزر الاغتيال للحكومة المصرية، فقد تواصل التململ المصري خلال السنوات التي تلتْ، احتجاجاً خجولاً على اتساع السيطرة البريطانية على أحوال السودان.
لمّا وصل السودان عبر الحركة الوطنية إلى أعتاب مرحلة تقرير المصير، كانت أوضاع مصر قد تحوّلت وزال النظام الملكي على يد ضباط حركة 23 يوليو 1952. أبان د.فيصل في كتابه تلك التطورات المتغيّرة إزاء بروز الأحزاب السياسية في السودان ، وتفاقم وتيرة التنافس بين مصر وبريطانيا حول التأثير على توجّهات تلك الأحزاب ، اقتراباً أو ابتعاداً من أحد طرفي اتفاقية الحكم الثنائي التاريخية.
(5)
برغم حدّة ذلك التنافس، فقد أوضح د.فيصل في طرحه، أن تحولاً وقع في وجهة نظر النظام المصري الذي أدار البلاد بعقلانية، قبلت بالصعوبات المتعلقة بطرح فكرة الوحدة الكاملة مع السودان، فكانت أقصى طموحاتها هي القبول بوحدة فضفاضة مع السودان، مع الاعتراف بحقه الكامل في تقرير مصيره. تلك المرونة حُسبتْ عاملاً إيجابياً مؤثراً على ميول السودانيين نحو خيار الاستقلال، بديلاً عن أيّ صيغة لوحدة مع مصر. ألقى التنافس حول مصير السودان بين طرفي اتفاقية الحكم الثنائي بظلاله على أطراف الحركة السياسية الوطنية، وتجلت في تباين توجّهات كلٍّ من حزب الأمة من جهة الذي وقف مع شعار "السودان للسودانيين" ، وحزب الاتحاديين ذوي الميول للوحدة مع مصر من جهة ثانية . الصراع الذي دار، لم يكن خافياً بين السيدين عبدالرحمن المهدي وعلي الميرغني حول خياري الوحدة أوالاستقلال، خفتتْ حدّته لحظة التوافق بين مختلف التيارات السياسية على الاستقلال ، فكان السيدان المهديّ والميرغنيّ وفي وفاق رمزي، شاهدين على إنزال علم المستعمر ورفع علم إستقلال السودان مكانه.
(6)
عن خلفية ذلك التوافق حدثنا د.فيصل بتفاصيل وافية. لقد أبانتْ الوثائق والمراسلات التي دارتْ بين قيادة الاتحاديين ومستشار الحاكم العام "وليام لوس"، وقد نظرها د.فيصل، أن الأزهري قد عبّر سراً عن نيته قبول إعلان الاستقلال وليس الوحدة مع مصر. شهدتْ تلك الأشهر حراكا تكتيكياً واسعاً من قبل الاتحاديين، وهم يرصدون نوايا مصر في الحفاظ على شكل من الوحدة بين مصر والسودان. على أن البراعة الدبلوماسية التي حسمت أمر الاستقلال ، حسب د.فيصل، جاءت من الطرف البريطاني.
حين لم تقبل القاهرة اقتراحاً طرحته لندن في أكتوبر 1955 ، بأن تختصر إجراءات تقرير المصير بإعلان استقلال السودان، عمدتْ بريطانيا على إخلاء منصب الحاكم العام، وتركت للسودانيين حقّ تقرير مصيرهم عبر البرلمان. واجهت مصر واقعاً جديداً ، ولم تعد لها حجّة في التشكيك حول نوايا بريطانيا في الإبقاء على نفوذها في السودان على حساب النفوذ المصري. هكذا مهّدتْ بريطانيا - بإخلائها لمنصب الحاكم العام- الطريق لإعلان الاستقلال بقرار يتخذه البرلمان السوداني.
(7)
نقطة مهمّة أشار إليها د.فيصل وتتعلق بمصير جنوب السودان. ذكر أن الإنشغال بالمناورات البرلمانية، أضاع على السياسيين في الشمال فرصة استبصار فداحة إهمالهم بما التزموا به مع كتلة الجنوبيين، نحو الاستجابة لمطلبهم القاضي بمنحهم وضعاً فيدرالياً مع الشمال. قبيل الإعلان الرسميّ للإستقلال في أول يناير1956، إنفجر الوضع في جنوب السودان في الأحداث التي عرفت بتمرّد "توريت" ، والتي شكّلت الشرارة لحربٍ أهلية استمرتْ لسنوات طويلة، وقدّر لها، آخر الأمر، وبعد عقود وجولاتٍ من التنازع والتفاوض، أن تُحدث تغييراً كاملا في بنية البلاد، وقسّمت السودان إلى دولتين متنافرتين، بعد استفتاءٍ فرضته في نظري ونظر أكثر المراقبين، ضغوطٌ دولية . .
(8)
هكذا فإنّ كتاب د.فيصل عبد الرحمن علي طه، لا يُعنَى فقط بمناوراتٍ سبقتْ إعلان الإستقلال ودارت بين يناير 1954 وديسمبر 1955، ولكنها استبطنت جذور واقعٍ بالغ التوتر، أفضى إلى مصائر سوداء، كان بالإمكان تجنبّها، ولكنها قادتنا إلى تقسيم السودان وتبديل جغرافيته وتاريخه في عام 2011..
نحمد للدكتور فيصل تلك الرصانة الموضوعية والدّقة الأكاديمية التي أخرج بها هذا السفر الهام، وأحسبه من أفضل ما دبّجه قلم عن خبايا إعلان استقلال السودان في يناير 1956. .

الخرطوم- 28 يناير 2017