أقرب إلى القلب :

رسالة كتبتها قبل سنوات بعيدة . قرأها الراحل د. محمد عثمان الجعلي، في برّه واستدراكهِ ، ثم رحل أواخر يناير من عام 2016 وترك لي من أمره "حتى". . . وأسىً مهول، فرأيت أن أستعيد قراءتها معك عزيزي القاريء في ذكرى رحيله. .

السفيرجمال محمد إبراهيم
(1)
ماذا يفعل "عثمان المو"، مبتدر العزف على "الجيتار" ، في ناصية أمدرمان . .
إن لم يكن هو الإبداع يخرج موسيقى من قيثارة وديعة أوتارها ، تمازج صوتا دفيئًا . . ؟
ماذا يكون فعله وممَ يصدر ، إنْ لم يكن من مَسْغبَة ٍ وضْيق ِ عيش . . ؟
ماذا يفعل مغني آخر إسمه "صلاح محمد عيسى " في قلب سوق أمدرمان . . يرتق نعلاً أم يموسق قصيدا. . ؟
أمَا هوَ الإبداع ُ يخرج من رحم الفقر ِ وشظف ِ العيش . .؟ وأسأل معي أيّها الصديق، عن مطربٍ رحل في صباه ، إسمه "عمر أحمد" ، ترى َ مَنْ يُجيبكَ . . . ؟!
الإبداع يخرج من أميّة القلم ِ، وجراحات الفقر، لكنّه يطفر من لسان ٍ مبين ٍ ومِن حسّ ٍ عبقريّ، ومن فطرة فيلسوف : صاحب "الخبز الحافي " ، محمد شكري ، أنموذج مثلما أوردت مصيبًا في مقالك، وإنه لمثال مضيء ، حين نظرتَ في عمقٍ وشمول ، فقاربت بينه و"عشة موسى الفلاتية ". . وعندنا في السودان هنا ، شاعر شعبي مبين ، إسمّهُ محمد علي "الأُمّي "، وفي سوق "حي العرب" ، وفي سوق النعّالين، شعراء ٌ يرتقون النّعل ، وأيضا يرتقون القصيد ، يروّضونه لغناء " الحقيبة " ، فتأمل . . !
حين تغنتْ " مريم ماكيبا " للقادة الأفارقة ، وهم ينجزون فرحين ، ميثاق المنظمة الأفريقية في " أديس "، أوائل ستينات القرن الماضي ، كان ثمّة فنان ضخم المعنى ً و الجسم، إسمه " أبو داؤود"، يدندن في أم درمان بعلبة ِ ثقاب ، يطلق أعوادها حين يحلق اللحنُ من أوتار ِ برعي البريع ، سامقاً إلى سموات ٍ عُلا . . في أعوام ِ الستينيات تلك. . ثم يجلس في " جمعة " مباركة ٍ ، يموْسِق - "روحي فِداكَ عرفتَ أمْ لم تعْرفِ " - من شعر البوصيري. ماذا كانت مهنته في الأصل ، "أبو داؤود" . . ؟ هو في مهنة متواضعة في هيئة السكة حديد. .
ثم أستحضر في طفولتي جدّي يهتزّ . . طرباً ، طربا فيهذر :
- "الفلاتي " . . ُغناهُ زين . . !
كان الرجل يصدح برجزِ ِ " الطمبارة"، وإرزام ِ طبّال ٍ صوفيّ. يأتلف عندهُ "المقدّس" و"الدنيوي"، في نسيجٍ خلّاب ، لا تنافر فيه ولا ظِهار، بين صاحب " الككر" و صاحب "الفروة ". . ! ثم دونك مثلٌ ماثلٌ أمامنا : صالح أبو قرون أو صلاح ابن البادية . . !
إلى "السجانة" ، ذلك الحيّ التليد في الخرطوم ، تذهب قصيدة أمدرمانية، ينظمها شاعر ٌ عبقري ٌ، وصوفيّ مُعذَّب ، إسمه " التجاني يوسف بشير"، فتخرج لحنًا سوياً في محراب النيل . . يموْسقها شاب ٌ إسمه "عثمان حسين". .
من يسأل : كيف كان يكسب رزقه ، " التجاني ". . ؟ أو كيف كان يكسب "عثمان حسين "، بعده . . ؟
من كلية "غوردون "، ومن مدرسة الحُرفاء، ظل ّ يتخرّج المتعلمون دعمًا للمستعمر ، ليُحكِم إدارته للبلاد . وُيلاحظ أنهم يسكنون الخرطوم ، لا أم درمان –"بقعة المهدي" . ما التوصيف لهذا الذي حدث، إن لم يكن هو صناعة التهميش، وتوطين المسغبة في أم درمان – الرمز؟ ثم كانت أم درمان للـ "حقيبة " موطنا ، وللشعراء الشعبيين وللمغنين ، مرتعاً وموئلا .
لولا المسغبة ، وأعيد : لولا المسغبة ، هل كان يذوي في شبابه ِ، وتنطفيء القصائد في داخله ، قصيدة قصيدة ، بيتًا فبيتا ، ثم يموت ، هذا الشاعر "التجاني "، من شظفٍ ٍ في العيش ، ومن سقم ٍ في الجسم . . ؟
لولا هذه المسغبة ، أ كان يزدهر الفن الغنائي السوداني في أمدرمان ، و يثبت وجودًا بإخراج أول أسطوانة غنائية هناك ، ثم تنشأ من بعد ، إذاعة أم درمان عام 1940 ، ليس بعيدًا من " جامع الخليفة" التعايشي.!؟
ثم يخرج الغناء من شرنقة ِ " حقيبة الفن" إلى تطويع الآلة الموسيقية ، عِوَض الأصوات الحلقية : "سرور" ، "كرومة " ، التوم وإبراهيم عبد الجليل ، خليل فرح ، عبد الحميد يوسف بعوديهما ، و"وهبة" و كمانه . . والكنز الثمين يُحفظ في خزانة ٍ أو " حقيبة" ، فما أصدق التسمية التي جاءت من الشاعر السفير صلاح أحمد . . !
ثم " عثمان ". . هذا الخيّاط الفنان الجالس وراء ماكينة " سنجر " ، تخرُج من أنفاسه ألحان ٌ عبقرية ٌ موشاة ٌ، لمحرابِ النيل ، لكأنها هاربة من بين أصابع " موزار"، في حركة و انفعال . . أشار عليه بتلحينها صاحب الندوة ِ الأمدرمانية ، حبيس الإعاقة الخلاقة ، "عبد الله حامد الأمين " . . ليتَ الناس يذكرون عبدَ الله ، ليت َ أم درمان تفعل، وليتَ منتدياتها تعود . . !
أعوام الستينات والسبعينات من القرن الذي ولّى ، يا صديق ، كانت الفطرة في أسمى صورها. . "الوتر" في تجلياته العبقرية ، عند "برعي" و" ألمو" وأضرابهما ، و"الكفـر" يتذهّب في أقدام "جكسا" و"ماجد" و"قرعم" و"جقدول" و"القانون ". . أو عند عمر عثمان (موسكو)، لاعب الموردة الأشهر، هذا الذي اغتا لته رصاصة غدر ٍ متطرّفة ٍ في مسجد " الجرّافة " شمالي أم درمان ، على ذات النحو الذي غَدرَ رهط من طالبان السودان بـالفنان "خوجلي عُثمان " ، قبلهُ بقليل ، و فوح إبداعه بهيًا يُطرب . . !
(2)
لا يكاد يستوعب جيلٌ تفتح إبداعه على مطالع القرن الحادي والعشرين ، كيف نحتفي، نحن الذين شهدنا سنوات الستينات والسبعينات ، بكل هذا الزخم ، فرحين الفرح كله به ِ، لكأننا لن ْ نجد بعده، حياة أكثر جاذبية. لن نجد إبداعاً خيرًا من ذاك الإبداع. . كان المجتمع السودانيّ يجاهد لأن يخرج من بداوة فطرية ٍ إلى فضاء المدينة، بتشابكاته وتعقيداته . ينبغي أن نقول لهذا الجيل، لماذا فرحنا ، مثلا ، لمّا جاءنا في الخرطوم ، زعيم غانا " نكروما" ، في نهايات الخمسينات من القرن العشرين . . ثم جاءنا " نهرو" زعيم الهند بعده ، يشرب من ماء النيل ، على أيام الفريق إبراهيم عبود ، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة السودانية ، في ستينات القرن الذي مضى . ونقول لهم ، لماذا صدحنا باعترافنا بالصين الشعبية – الشيوعية ، وكان يحكمنا نظام ٌ عسكري ، وصفه البعضُ بكلّ ِ مشين ٍ ومتخلف . .! تلك بيئة مؤثرة ، دون شك .
لا بدّ من النظر ِ إلى البيئة ِ السياسية مِن حولنا ، الأقربين في كينيا وفي يوغندا وفي تشاد . . ثم الأفارقة الأبعدين جنوب الصحراء، أو في شمالها القصي ّ، الأفارقة – المستعربين في تونس والمغرب . . وما جاورهما . . والأشقاء في وادي النيل . كنا في صحوة ولكنها كانت صحوة ناقصة، أفضتْ بنا آخر الأمر إلى انكسار، ربّما لن نتداركه إلا باستلهام موروثاتنا وفحص ِ مكوّنات ِ ثقافاتنا ، بأشمل ِ نظر .

(3)
الإخلاصُ ، أخي محمد ، يفعل الذي ذكرت أنت َ وأكثر . أضيف إليه أنا : "إثبات الذات"، وإعلاء قيمة وجودها ، ليس ذلك لذاته ، بل لسبب ٍ يتصل بوقوعِ المُبدع في طرفٍ مهمّش، في قاع السّلم الإجتماعي . لولا هذا التضاد مع الآخر الذي صاغ قيّماً خاصة به ، بررتْ تربّعه على َ القمة، ما تعاظمت عند " المُنهار " إرادة التسامي من الواقع الهابط ، وما كبُر َ عنده بذل الإبداع بخلوص نية ٍ، بإتجاه الفكاك من أسر ِ مظالم الأميّة والمسغبة وشظف العيش. أحسب أن مغنية صدّاحة مثل "عشة الفلاتية " لم تسلم أيضاً مِنْ ُظلم المسغبة ِ، مثلما لم تسلم من ظلام الأميّة . يرمق المهمّش ُ المركزَ العالي في أحلامه، غيرَ أن رمَد المسغبة يقعد به عن بلوغ الهدف ِ، برغم ِ ُسموّ إبداعه ، وجلال إخلاصه. لكنه في خاتمة المسعى َ، ينجح في انتزاع الإعتراف بإبداعه ، وترتفع قيمته الإجتماعية ، إذ يختفي رويداً رويدًا ، توصيف المغنيين – مثلا – كصعاليك و"طنبارة" ، لا يحظون بأقلّ احترام . . !
أنظر إلى سحنة ِ المُهمّش ِ ممّن ذكرت ُ لك أول حديثي ، تجد مجتمع أمدرمان قد أقصاهم الإقصاء كله ، فهُم لا يحظون بذلك " الإحترام الإجتماعي "، في أول تلك السنوات البعيدة من القرن الماضي . ثلة "صعاليك" لا غير ، في نظر قوم ٍ يتباهون باستعراب ٍ متوهّم . أنظر معي كيف يكتب عبد الله عبد الرحمن ، سِفرًا طويلا عن العربية في السودان . بعده بقليل ، يظفر ُ السرّاج بعضوية في مجمع ِ اللغة العربية القاهريّ، وهو استحقاق ٌ يبرره امتلاكه لناصية العربية ، يتحدّث بها كأهليها الأقدمين، وينظم القصيد على بحورها ونهلاً من قواميسها العصيّة . ما اكتفى الشيخ الجليل - يرحمُهُ الله ُ - بذلك ، بل اعتلىَ صهوة جواده ِ العربي ّ الأصيل، وامتشق سيفًاً من سيوف الهند ، وضَرب َ خيمته من الوبر في حيّ "أبي روف " ، قبالة النيل في أم درمان !
في المقابل، ترى "التجاني" في الثلاثينات من القرن العشرين ، يدعو مستترًاً وراء يراع محمد عبد الرحيم ، إلى إمعان النظر في مكوّنات شخصيتنا السودانية ، نستكشف أبعادها ونعبّر عنها . لقد أورد هذه الملاحظة عن " التجاني يوسف بشير" ، الدكتور عبده بدوي ، في كتابه : الشعر في السودان ، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، الصادر في الكويت في الثمانينات من القرن العشرين . يُرجّح وفق ما يشير د . عبده بدوي، إلى أن "التجاني" هو الذي كتبَ جلّ صفحات "نفثات اليراع" ، لا محمد عبد الرحيم ، وأرجّح أنا ، أن ذلك وقع بسبب ٍ من مسغبة ٍ ومن علة ٍ ، دفعتاه دفعاً لبيع قلمه ، ليهرب من ذل ّ السؤال . ترى هل اشترى شعرَهُ أيضاً ، مشتر ٍ خفي ّ. . من يقول لنا . . ؟
تنبّه "التجاني" ، بحاسّة الشاعر، وفي وقت ٍ باكر ٍ ، إلى ضرورة أنْ ننظر في مكونات هويتنا - فيما إذا ارتضيتم لغة اليوم - ولم يتنبه د. بدوي في كتابه : الشعر في السودان الذي أشرنا إليه في السطور السابقة ، إلى خطورة الذي دعا له "التجاني"، وإلى أهميته. لقد ظلمنا أنفسنا، أنْ نهجنا نهجَ السّراج . خلاصُنا كان َ في الذي دعا لهُ "التجاني"، ولم ُيصغ ِ إليه أحد . . حتى وصل بنا حالنا اليوم، إلى حواف ِ نظامين في دولة واحدة ، أو أقل فيكون الانفصال. . !
تمعّن مَعي في كلّ هذا الذي أعرضه ُ عليك ، لتدرك كيف كان ينظر مجتمعٌ ، زاغ َ البصر ُ مِنه ُ هُنيهة ً، فتلبّسّه ُ الوهْم ُ كلّ هذا التلبّس ، إلى مبدعين مثل "عثمان ألمو" ، أو "رمضان زايد" - خليك مع الزمن - . . أو"عشة موسى الفلاتية" ، أو "عبد العزيز داؤود" ، نظرة معيبة ، لا تنصف ؟ ثمّ في أم درمان ، يتآمر المرض والفقر ، يعصفان بـ"التجاني" ( 1910 – 1937) ، وبمبدع آخر، سامق القامة، إسمه "معاوية نور" (1909 -1941 ) ، فيهلكان في شبابيهما ولا تقع واقعة، ولا تعتور نفوسَ قوم ِ ذلك الزمان ِ حسرةٌ ، وربما كانوا هم أنفسهم ، سبب الإنهيار، في بداياته و ما دروا ما أحدث زيغ بصرهم من كوارث . بعدها ، جاءنا إبداعُ من ذكرت لك صافياً ، وفي نهاياته ، حيث كان هلاكهم التراجيدي و كنّا عليه محض شهود . .
تلك كانت هيَ المأساة إذن ، تجعجع بالمبدعين في هوامشهِم ، جعجعة ً ما كنا نحسب أنْ يجيئنا بعدها ، طحن ٌ مفيد ٌ . لكنه ُ الإبداع الحي ّ، يخرج من المسْغَبة والظلم والسّقم ، ُنشداناً ً لإخلاص ٍ جليل ، وإثبات لذات ٍ يحاصرها الإنكار، و يتربّص بها تمييز ٌ يكاد أن يكون ، عنصرياً ، وعسف ٌ " جندريّ " ، ينطق بذكورية ٍ و باستعراب ٍ متوهّمين، منكرين .
لا أزيدك أيها الصديق، فأنت َ عاكف ٌ على الشأن كله . أعرف ُ انقطاعك - برغم ِ مشاغل المهنة - إلى ما يدعوك لاستكمال الذي بدأته في " رحيل النوّار خِلسة " ، ترمّم بعض ثغراته الطفيفة ، تفتح نوافذ جديدة ، بشكيمة ٍ وبشجاعة ٍ لا تبارىَ ، نُطل ّ عبرَها معكَ ، علىَ نُوّار ٍ جاءنا يحمل شهادة رحيلِه ِ عنّا ، قبل أن نتعرّف إليه جيدا . . غدَرَ به ِ السّقم واصطادته المسغبة ُ ، قبل أن يصلنا فوحه ُ كاملا .


الخرطوم – 29 يناير 2017


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.