أقرب إلى القلب :


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
هاأنذا أركن ثانية إلى الكتابة إليك ، والسنوات قد تتابعت إلا لكي تأخذ ذكراك أبعد قليلا عن ذاكرتنا، ولكنا نجاهد أن نستعيد حلماً تراءيت أنتَ فيه، بجماع ألوانك كلها، أزرقها وأبيضها وأصفرها، بل كل ألوان قوس قزح السماوي. كأنك رحلتَ البارحة ، لا قبل إثني عشر عاما. .
نعم. . إثنا عشر عاما على رحيلك ، وتراني أتردّد أن أجرُد ما كان علينا أن ننجزه عند حلول ذكراك الحبيبة، فلا أجد إلا القليل . يقف تلميذك طلال عفيفي كالسيف ، يحمل على كتفيهِ أكبر همومك: مهرجان السينما السودانية المستقلة. لفيف من الشبان والشابات يقفون حوله ومعه. مع ذلك أخالني مضطراً لأعدّد لك ما عجزنا عن انجازه وقد قطعنا لروحك وعداً، أن نحفر لخلودك ما يرضيك ، ولإسمك ما يزيده سطوعاً، ولريشتك ما يديم بكاء ألوانها. .
(2)
كنا قد رفعنا مقترحاً أن يكون للوحاتك معرضها الدائم ، وأن تكون لمدرسة حسين اللونية، تلاميذها ومريدوها، بمثلما يكون للشيوخ قبابهم ومزاراتهم، وإنك لملك من ملوك طوائف الرسم، وشيخاً متبتلاً من شيوخ التشكيل، فما أفلحنا إلا على انجاز قبة في الخيال، وصومعة لا تراها العين المجرّدة. قصرتْ أيادينا فوقف الحلم دون بلوغ المنجز. يحزننا أن نراك تأسى لحالنا، أيها الراحل العزيز. .
كان الأمل أن تلتفت مؤسسات الثقافة لتكريم عظماء الفنانين والتشكيلين ، فما التفت إلى مقترحاتنا من توهّمنا أن يهتم واحدٌ مِن بين مسئولي تلك المؤسسات. لعلّ إسمك وارد أن يُعظّم شارعاً رئيساً من شوارع "أم درمان"، المدينة التي أحببت. إنها مدينتك التي سمّاها صفيّك على المك " مدينة من تراب"..؟ لتقدير الناس لبيت نشأتَ فيهِ قبالة النيل، لكان مناسباً أن يحمل الشارع المُفضي إليه، إسمك بحروفه الملوّنة بأضواء الغسق، وصفاء سمواته الزرقاء في مدينتك أم درمان التي أحببت..
(3)
كنتُ قد حدثتك في رسالتي إليك قبل عامين عن فيلمك الذي لم يكتمل انجازه ومحوره صفيّك الثاني الذي رحلَ قبلك : "أبو داؤود". .
لا تزال المادة الخام التي أعددتها وأنجزتَ أنتَ تصويرها ، هيَ في حرزٍ أمين عند كريمتك الدكتورة إيمان، وهي الأحرص منا جميعاً على إرثك الإبداعي المُميّز. أقولها ثانية: ( أن من لم يعرفوا عمق مودتك لـ"أبي داؤود" من أبنائه ، لا أحمل عليهم وزر مضايقة حلمك في أن يخرج الفيلم الذي وعدتنا به، توثيقاً شيقاً لرفيق عمرك وصديقك الكبير "عبد العزيز محمد داؤوود". يلجأ الناس للمسكنات من الأدوية، وأنت الذي حين يدندن لك "أبو داؤود" بغنائه العذب، تزول عنك علتك على الفور. حكى صفيُك علي المك وأسهب في ذلك وأوفى. .)
لقد فاتحتُ صديقي الفنان التشكيلي ، عديد المواهب، عصام عبد الحفيظ لأن نجدّ في موضوع إخراج الفيلم المنتظر عن "أبي داؤود"، وعصام لا يفتأ يحدثني عن تلكم الجلسات النهارية التي شهدتْ مؤانستكم الحميمة مع عبد العزيز. يبهرني بالتفاصيل التي حفظتها ذاكرته وكأنها وقائع البارحة، لا وقائع قبل عقود.
(4)
آثرنا التريث ولأسباب. دفعنا الواقع الماثل دفعاَ إلى التأني، رهبة من الاقتراب من جميل إرثك وبديع حلمك ، وكلنا أحرص أن ننال عبره رضاك وأنت الغائب عنا في برزخك. مضت بنا الأيام وتعثرت خطانا، غير أن الالتزام بإخراج ذلك الفيلم، باقٍ في الوجدان، وإن ضعفتْ عزائم بعضنا فإنا نعدك أن نثابر أقصى المثابرة، وأن نسعى ما وسعنا السّعي، فالأحلام الكبار ينبغي أن تخرج للناس خروجاً سامقاً كبيرا..
لكن واقع حالنا، أيها العزيز، في الاهتمام بالفنون السينمائية ، ظلّ على حاله، إذ المؤسسات الرسمية تقترب بلسانٍ غير مسموع لتدفع بتلك الفنون إلى آفاق تعجب. أحمد لوزارة الثقافة بعد طول امتعاضٍ من بعض أفاعيلها، حضورها دورات مهرجان السينما السودانية المستقلة ، يقود حراك تلك المهرجانات تلميذك وصفيك طلال عفيفي ، يشدّ أزرهُ شبابٌ محبٍّ للسينما، يجاهد برغم المثبطات أن يقول كلمته داوية على شاشات فضية. لم يقف طلال وحيداً في تلك الساحة ، لكن في الساحة أسماء كبيرة جادة، مثل سليمان محمد إبراهيم والطيب مهدي ووجدي كامل وشداد، وإن كاد الأمل أن يضيع من بين أيديهم، وما للسينما من نصير حقيقي. لقد جاهد جيل السينما أن يحتفي بالسينما الأفريقية قبل نحو عامين ، فتجد الجهود تتعثر بسبب صعوبة استصدار موافقة السلطات الأمنية لانعقاد مهرجانها، وما ظفروا بها إلا بعد مجاهدة وعناء. لا زالت أمور السينما تعالج بشيء من الحساسية التي لا مبرر لها فيما نرى. لكني أعيد عليك، أيها العزيز قولي في رسالتي السابقة، أن لو عرفتَ ما نحن فيه من مجاهدات في الساحات الإبداعية زماننا هذا، ستجد لنا ألف عذر. .
(5)
أحزننا أيها العزيز، أن تكون البيئة الثقافية غير مواتية. وأحزننا أكثر أن تعمد وزارة مهمتها رعاية الثقافة إلى إغلاق منتديات ودور الثقافة بسبق إصرارٍ وترصّد . . وزارة مهمتها إشاعة الابداع وفتح قنوات انتشاره ، تجنح لمنع "إتحاد الكتاب السودانيين" ولشهور طويلة تتالت، من القيام بدوره الطبيعي، وتختلق لنفسها ما يبرّر هذا الفعل المخجل. ولكن إرادة القلم لا تقهر بالسيف، كما في الأثر. عاد الإتحاد بعد جهاد تواصل أشهرا طويلة ، ولكنه عاد . الفينيق الذي عمدوا إلى إحراقه ليصير رماداً، لم تخذله إرادته فانتفض من بعد إغلاقه في ميلاد جديد. تعلم أن ميلاده الثاني كان في عام 2005، ولكنك رحلت مطلع ذلك العام . شاركتنا الفرحة ونحن نداري دموعنا لحظة رحيلك في يناير من ذلك العام. وها نحن في الشهر الذي رحلتَ فيه ، وبعد إثني عشرة سنة ، نشهد فينيقنا وقد ولد من جديد، ولثالث مرّة أقوى مما كان، أشدّ وثوقاً وأفصح لسانا وأمتن شكيمة. .
أعلم أيها العزيز أن رسالتي ستضلّ طريقها إليك، ولكن حروفها ستصل إلى العزيزة إيمان كريمتك في لندن، والدمع لن يجفّ، وقتما تحلّ ذكراك كلّ عام. . لن تجفّ أبدا. .

الخرطوم -19 يناير


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.