أقرب إلى القلب :
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
"الصينولوجيا" مصطلح شاع منذ القرن التاسع عشر، إشارة إلى التخصّص في دراسة اللغة الصينية ، ثم توسّع لاحقاً ليشمل التخصّص الأكاديمي مجمل الشئوون الصينية، أدبياتها وسياساتها واقتصادها وثقافاتها. .
لقد أنجز الدكتور جعفر كرّار أحمد سِفراً غير مسبوق، تضمن رصداً وتحليلاً موضوعياً لمسيرة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية السودان، عبر فترة زمنية امتدت منذ استقلال السودان عام 1956 إلى بواكير عام 2011. وللتاريخين دلالات لا تخفى على أيّ متابع، إذ عام 1956 هو عام استقلال البلاد وبداية استعادة القرار الوطني إلى يد أبنائه، وعام 2011 هو عام مفصليّ في التطور السياسيّ للسودان ، فقد انفصل جنوبه عن شماله ليشكّل دولة جديدة مستقلة . غير أن الصين ظلتْ لاعباً رئيساً في أحوال البلدين-الخلف والسلف- لسببٍ بين أسباب أخرى، لا يخفى على المتابعين، وهو دورها في إدارة مورد النفط فيهما.
وقبل أن أدلف إلى موضوع كتاب الصديق د.جعفر كرار، وهو أوّل "صينولوجِست" سودانيّ، وربّما الآوّل من بين الخبراء المتخصّصين في الشأن الصيني، لغةً واجتماعاً، من أبناء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، فقد عنّ لي أن أتناول جانباً شخصياً في علاقتي به، تمهيداً للاحتفاء به وبسِفره الجليل. .
(2)
لقد تزاملتُ ردحاً من السنين مع الدكتور جعفر في وزارة الخارجية السودانية، ولقد لفت النظر إليه من بين عشرين دبلوماسياً ونيف، هم زملاء دفعته في سنوات الثمانينات من القرن الماضي. بدتْ عليه بوضوح ميزاتٌ في تلكم السنوات، وهو دبلوماسي ناشيء يتلمّس طريقاً لاكتشاف قدراته ومواهبه، أهلته ليسهم مع أبناء جيله في بناء دبلوماسية ناهضة، لبلدٍ رزحَ في أزماته سنينَ عددا.
لعلّ من إشارات النبوغ المبكر لدى الفرد، حالاتُ القلق التي تنتاب صاحبها، فتجدهُ عَجِلاً كأنهُ يسابق أقداره ، مُثابراً ليكاد أن يفلت من تطلعاته، متمرّداً تمرّداً جميلاً لا يطيق معه المعتاد. كان جعفر هو ذلك القلق الجاد والمثابر العجول والمتمرّد الجميل..
(3)
لم تغِب عن عين المتابعين الأحوال في وزارة الدبلوماسية السودانية، إثر حملة التطهير الواسعة والعجولة، أواخر عام 1989 وأوائل 1990.. حملة شرسة طالتْ مختلف الدرجات الوظيفية من سفراء ودبلوماسيين وإداريين، بما تجاوز ما نسبته 60% تقريباً من كامل القوى العاملة في وزارة الخارجية. لم تحمل الأحوال خيراً لبقية الدبلوماسيين العاملين فيها، وهم يرون خطابات الإحالة للصالح العام، توزّع على زملائهم مثلما توزع أوراق الكوتشينة على لاعبي "البلاك جاك". . !
كانت للنظام الذي تولى إدارة البلاد بعد 30 يونيو 1989، غِلظة في معالجة ملفات وزارات بعينها - من أولاها وزارة الخارجية- حسبما ألمح الأستاذ المحبوب عبد السلام في كتابه "خيوط الظلام.." عن العشرية الأولى لانقلاب 1989، وذلك بغرض "ترويضها" وغسل أطرافها ممّا حسبه ذلك النظام، بعض "مظاهر علمانية" متفشيّة فيها، استوجبتْ حقناً بـ"دبلوماسية رسالية إسلامية" لازمة. تلك غِلظة دفعت بقلوب الكثيرين من الدبلوماسيين المهنيين إلى الإنفضاض عن وزارة رعتْ خبراتهم، وما بخلوا عليها بأداءٍ مُميّز، فكأنّ سِنمار قد بُعثَ حيّاً في وزارة الخارجية، ليُـدفـعَ بهِ مِن علٍ كَـرّةٍ أخرى. .!
في تلكم السنوات الأولى من التسعينات، كنتُ أتولى بالإنابة إدارة التعاون الثقافي في وزارة الخارجية، نائباً للسفير الراحل عباس أباسعيد، حين تسلمنا من سفارة الصين مكرمة أكاديمية، تمثلت في منحتين لدراسة اللغة الصينية لدبلوماسيين سودانيين يلحقون بجامعة بكين في الصين. كان جعفر من أوّل الدبلوماسيين الذين رشحتهم إدارة التعاون الثقافي ليفيد من إحدى تينك الفرصتين..
(3)
في سنوات وجيزة من عقد التسعينات، أكمل جعفر كرار أحمد تأهيله الأكاديمي العالي، وصار "صينولوجست" يشار إليه بالبنان، فقد كان اللقب- كما أوضحنا- شائعاً في الأوساط الأكاديمية، ويُطلق على مَن يتخصّص في مختلف شئون الصين. درسَ جعفر العلاقات السودانية الصينية واتخذها محوراً لرسالة الدكتوراة التي نالها من جامعة "نانجين" الصينية، ثم عزّزها بدرجةٍ علمية أعلى حصل عليها من جامعة بكين. التفتَ "مركز دراسات الوحدة العربية" من بيروت، للسِفر الوافي الذي أنجزه د. جعفر كرار أحمد، عن العلاقات السودانية الصينية، بحسبانه أنموذجاً لدراسة يصلح اعتمادها في تحليل الدراسات والبحوث عن علاقات الصين مع البلدان العربية الأخرى، فعمل المركزعلى نشره عام 2016.
بلغ حجم الكتاب 527 صفحة من القطع الكبير، وتضمّن ثمانية فصولٍ ومقدمة وخاتمة وعدداً وافراً من المراجع التاريخية، وملاحق بلغ عددها ثلاثة عشر ملحقاً، حوَتْ بياناتٍ ومعلومات تفصيلية عن علاقات التعاون الاقتصاديّ والتجاريّ بين السودان والصين..
(4)
دعني أفصّل لك شيئاً عن محتويات الكتاب، وإن يصعب تماماً اختصار ما يزيد عن الخمسمائة صفحة في بضعة أسطرٍ، لن تغنيك عن اغتناء الكتاب والإطلاع عليه، إن أردتَ الفائدة :
* تضمّن الفصل الأول بسطةً تاريخية إتصل عمقها الزمنيّ بـ"العصر المرويّ"، وشملتْ التواصل بين البلدين قبل الإسلام وبعده. ذلك فصل ممتع يسحر طلاب التاريخ سحراً مبينا. .
* أما في الفصل الثاني، فقد تناول الكاتب مسيرة العلاقات بعد استقلال السودان عام 1956 وحتى أواخر ستينات القرن الماضي . وتلك حقبة شهدت زيارة مهمة لرئيس الوزراء والزعيم الصيني "شوإن لاي" للسودان ، وهو الذي سبق أن التقاه الزعيم الأزهري في "باندونق" عام 1955 ، كما تمّت خلالها زيارة الرد التي قام بها رئيس السودان وقتذاك، الفريق ابراهيم عبود إلى الصين. أما الإنجاز اللافت في مسيرة هذه العلاقات، فقد تمثل في اعتراف السودان بالصين الشعبية وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها.
* تناول د.جعفر في الفصل الثالث وحتى الفصل الخامس، مسيرة العلاقات السياسية والاقتصادية ، وشكّلت مجمل المراحل التي سبقت بداية التعاون الصيني مع السودان لاستخراج موارده النفطية.
* خصّص الكاتب الفصلين السادس والسابع لمعالجة ملفّ النفط في السودان، وقد كان للصين فيه باع طويل، كما فصّل المؤلف في طيّات كتابه، وأفاض بحثا وتمحيصا وتحليلاً في جوانب التعاون الصيني السوداني في هذا المجال. ولقد بلغ جعفر شأواً عالياً بمعالجته ملف النفط، بموضوعية نزيهة ورصانة أكاديمية محكمة، سبر عبرها غَوْر جوانبه كافة .
(5)
لعلّ ما يلفت في الفصل السابع الذي تناول فيه الكاتب ملفّ النفط بين البلدين ، أنه توصّل لمستخلصات عديدة، أهمها وصفه لهذه العلاقة كونها التي أفضت إلى تعزيز النظام الحاكم في السودان، ووطدت ثباته واستقراره . مع تراكم عائدات النفط ، فقد قويتْ شوكة النظام الشمولي القابض، وزادت من رسوخ مؤسساته في الداخل، برغم تواصل عزلته ومحاصرته من طرف قوى خارجية عديدة، وبرغم النزاعات الداخلية التي هدّدت وحدته. ذلك مظهر رغم إيجابياته الاقتصادية، فقد شكّل وجهاً سياسياً سالباً. ولنا أن نلاحظ ذلك في الأتي:
- أضاف الكاتب في تحليله إلى أن اكتشاف النفط شكّل مُحفّزاً غير مباشر لتسوية للصراع الناشب لعقود طويلة بين شمال البلاد وجنوبها، إذ انتقل التفاوض إلى مراحل إيجابية وبوتيرة متسارعة، بعد اكتشاف النفط، فتوصّل السودان إلى اتفاق السلام الشامل عام 2005، وهو اتفاق برغم التفاؤل الذي ساد بعد التوقيع عليه، وضحت ثغراته الخطيرة، والتي أفضت آخر الجولات في تنفيذ بنوده، إلى إستفتاءٍ فصل جنوب السودان عن شماله. ليس ذلك فحسب ، بل لم يتيسّر للخرطوم أن تحدث إختراقاً في الصراع الذي استفحل في دارفور والمنطقتين، فتصاعد الصراع وجرى تدويله بصورة خطيرة ، عجزتْ معه الحكومة عن فرض الاستقرار ، تفاوضا أو قتالا .
- ألمح الكاتب إلى التقارير التي رصدتْ ارتفاع مستوى دخل الفرد بعد استغلال الثروات النفطية، ارتفاعا ملحوظاً ، برغم عدم انعكاس ذلك الارتفاع على مستويات الفقر في البلاد. وفيما تقول الإحصايات الرسمية شيئاً، فإن الأحوال تقول بغيرها ، وذلك ملمح من ملامح الفشل الإداري دون شك. .
- يتصل كلّ ذلك، وبصورةٍ مباشرة أيضاً، بارتفاع معدلات الفساد، وظاهرة "تجنيب" جزءٍ كبيرٍ - ولعدة سنوات- من عائدات النفط، بما عكس انعدام الشفافية في إدارة عائدات أهمّ مورد للعملات الصعبة لبلادٍ وصلتْ مديونيتها الخارجية إلى مستويات جعلتها تصنّف من بين أفقر بلدان العالم . .
(6)
يخلص الكاتبُ إلى أن المخرج المٌفضي لاستعادة الاستقرار في كلٍ من السودان ودولة جنوب السودان، يتمثل في إدارة ملفّ النفط بشفافية عالية، بدءاً من طرح عطاءات استخراجه من مناطقه، إلى إشراك المجتمعات المحلية في مناطق إنتاجه وتنميتها من بعض عائداته ، واتباع الشفافية العالية في حساب عائدات بيع ذلك النفط وأوجه صرفه.
ولا يرى الكاتب بداً من محاسبة الجهات التي فرّطتْ بسوءِ تصرّفاتها في عائدات النفط، وأيضاً الأشخاص الذين بدّدوا تلك الثروة القومية، خلال الأعوام بين 1999 إلى 2011 ، وأوغلوا في فسادٍ ، لا يمكن - بل ولا يجوز- غضّ الطرفِ عنه بأيّ حال .
ولا يرى الكاتب مخرجا لأزمات البلاد، إلا عبر حكمٍ يقوم على إرساء معايير حكمٍ رشيد ، يقوم على قواعد الديمقراطية وحماية الحريات، ونظام انتخابي نزيه . يصدق ذلك على كِلا الحالتين في السودان (الشمالي) وفي الدولة التي ولدت كسيحة في الجنوب.
وتمتد توصيات الكاتب فينصح بتواصل التعاون الصيني في مجال النفط بكامل الشفافية، مع الاهتمام الكافي بمتطلبات المجتمعات المحلية في مناطق النفط، ومراعاة درء المخاطر البيئية بقدرٍ عالٍ من المسئولية.
لقد أبدى الكاتب في خاتمة نصائحه، ملاحظة مهمّة تتصل بغياب القطاع الخاص السودانيّ وإحجامه عن الدخول للإستثمار في مجال النفط، فيما يرصد المراقبون دخول أطرافٍ عربيةٍ برأسمالٍ متواضع في ذلك المجال. لعلّ في ذلك إشارة إلى غياب الضمانات في تصرفات غير مضمونة الجانب، من قبل نظام شموليّ من سماته موالاة تابعيه ومؤيدي سياساته. .
يبقى علينا في السودان التمعّن في الذي جاء من د.جعفر ، فإن رسم بقلمه الخطوط على الجرح، فإن المباضع ليست بيده ، وإن أطلق صرخة فالعشم أن لا يبتلعها المجهول.. أما "مجلس العلاقات العربية الصينية" ومقرّه في الخرطوم، فالكتاب يعد لازماً لجهده في تبيان إيجابيات هذه العلاقات، وللمجلس أن يحتفي بمثل هذه الدراسات، بما يعمل على الإرتقاء بها إلى مصاف التميّز والنجاح. .


الحرطوم – 27 ديسمبر 2016