أقرب إلى القلب :
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
دكتور إبراهيم الأمين لمن لا يعرف، طبيب بالمهنة ولكنه ناشط سياسي عرفته دهاليز حزب الأمة لسنوات طويلة. من قليل المألوف عندنا أن تتمدّد قدرات السياسيّ إلى أبعد من انتمائه الحزبي فيعتمد النظر الأشمل للأحوال، ويتعمّق بذهن متفتح ليكتب أسفاراً تعيننا لاستبصار ما بنا من علل، وما يكتنف حراك البلاد من عثرات.
قد لا يتذكر الدكتور ابراهيم الأمين، ذلك البدلوماسيّ الذي رافقه في جولته إلى المنطقة الشرقية في المملكة السعودية، في الشهور الأخيرة من حقبة الديموقراطية الثالثة ، ود.إبراهيم يشغل إذاك منصب الأمين العام لجهاز المغتربين في السودان. يقف الرجل مخاطباً جاليته السودانية في الخُبَر، بلسانٍ صادق الوعد وبمنطقٍ حاز على القبول ، فكسب إحترام ذلك الجمع من السودانيين المغتربين في شرقيّ السعودية. برغم أن الرجل شغل ذلك المنصب بحكم مرجعيته الحزبية في الصف القياديّ لحزب الأمة ، لكنه قدم إليهم والوطن في قلبه ، مرجعاً أصيلاً يلهمه السداد وحسن إدارة شئون المغتربين. ولقد لمستُ – وقد كنتُ أنا ذلك الدبلوماسي المرافق- كيف كان الرجل مُلمّاً بتفاصيل جلّ ملفات المغتربين، متمثلاً أحوالهم، قريباً من همومهم.


(2)
ذلك كان قبل نحو ثلاثة عقود ، لم تبرح خلالها صورة الرّجل ذاكرتي ، وقد لاقيته كثيراً بعد ذلك، وخلال سنوات "الإنقاذ"، فكان وفائه لبيت حزب الأمة وفاءا لا تشوبه شائبة، وولاءاً لا تعتريه منقصة، ولكنها أحوال الأحزاب السودانية، يتخذ مسارها مداً وجزراً، فتنظر لا ترى لإبراهيم الأمين دوراً رئيساً فاعلا في صفوف ذلك الحزب في هذه الأيام.
غابَ الرجلُ - أو غيّبَ لا فرق- عن مكانه في قيادة حزب الأمة ، لكنه كان حضوراً في ساحة أخرى، حاملاً بيدٍ واثقة مصباح الأثيني "ديوجين"، في دُجنة الليل التي احتوتْ الوطن. قليلون هم الذين يتجاوز نظرهم ضيق الانتماء الحزبي إلى أفق الوطن الواسع. .
(3)
حينَ عكفَ على ملف مياه النيل ، كتب دراسة فكريية معمّقة، تعدّ مرجعاً رئيساً في ظني، حوى من التاريخ ومن الوثائق، كماً هائلاً، ممّا لا يستطيعه إلا من تخصص في جغرافية وسياسات مياه النيل وخبر تاريخها الموغل في الالتباس. كنتُ أتابع دهشة الكثيرين ممن شغلهم ملف مياه النيل، ومن سواهم من طلاب العلوم السياسية والدبلوماسية. هذا طبيب بالمهنة ، لكنه أيضاً سياسيّ عميق التفكير في ناحية أخرى. ليسَ للطبيب أن يحصر نظره في علاج علل المواطن ويغفل عن علل الوطن. ذلك أمر بديهي. قبله بسنوات طويلة، نظَرَ المحجوبُ المهندس والقانوني، وصنوُهُ دكتور عبد الحليم محمد الطبيب النطاسيّ، في حال الوطن ودنياه ، فكتبا "موت دنيا" ، ليستشرفا للوطن مذاقاً لحياةٍ جديدة ، والإستقلال بعد في رحم الغيب. ذلك جيل لم يختزل دوره في ثنايا المهنة، بل تعدّاها إلى ما هو أبعد وأعمق وأشمل ، حيث الوطن هو بؤرة اللقاء ومحور الاهتمام. لعلّ ابراهيم الأمين ألقى ببصره نظرات على تجارب ذلك الجيل الأول الذي حقق الاستقلال، فاستلهم انقطاعهم لقضايا الوطن ، تجاوزاً لمقتضيات المهنة، فتمثل الرّجل دوراً يشابه أدوارهم، واهتماماً يماثل اهتماماتهم. في استظلاله بالحزب السياسي، لم يكن عسيراً عليه أن يتبوأ منصب قيادي فيه. في ذلك الكيان الذي رعته طائفة الأنصار، ظلّ البيت المهدوي منفتحاً على غير أهل البيت، إذ عرف البيت المهدوي قياديين مثل عبد الله بك خليل ومحمد أحمد محجوب، ولا صلة لكليهما بالأسرة المهدوية. حين غادر د.إبراهيم الأمين منصبه القيادي في ذلك الحزب المهدويّ ، لم تكن مغادرته بسبب ضيق أهل البيت بوجوده داخله، ولكن الأرجح أنها تعود لأسبابٍ تتصل باختلاف الرؤى وتباين المواقف وتضارب التوجّهات . قياساً على جهده الفكري الذي أصدره فيما كتب، فإن للرجل قدرات تعينه على ارتياد مساحات فكرية أوسع مما تتيحه له مواعين كيان سياسي محدد
(4)
لو نظرنا للنصف الممتليء من كوب المجاهدة والبذل ، فإننا كسبنا مفكرا مستقل الرؤى ثاقب النظر ، أما خروجه من سدّة الحزب، فكان هو النصف الفارغ من ذلك الكوب. خسر الحزب – بلا شك- تنوعاً تحتاجه قيادته والبلاد في منعطفات شائكة..
صدر عن مركز عبد الكريم ميرغني سفرٌ جيد السبكِ في جزئين، من تأليف الدكتور إبراهيم الأمين بعنوان: "إلى جيل نأمل أن لا يطول انتظاره"، جاء في إطار رؤية متجدّدة، تتجه بخطابٍ جاد إلى الجيل القادم ، المُتطلع لتولي مسئولية بناء وطنٍ تقطعت أطرافه، وحاق به الفشل من كلّ ناحية.
الأمر الأول الذي يلفت الانتباه، هو أن الرجل لم ينشغل في كتابه الجديد بالأخطاء والخطايا التي ارتكبت حيال الوطن ، ولم يلتفت إلى فشل النخب التي تعاقبت على حكم البلاد ، المدنيّ منها والعسكريّ، بل توجه بالنظر في تجارب الأمم يستقريء الإيجابي من تجاريبها، ليرى أيّها الأنسب لتحقيق نهضة مرتجاة في بلد آيل إلى انهيار. ما أكثر الحبر الذي أريق لتحليل إخفقاتنا ، وما أقسى المباضع التي جرحت جسم الوطن، خلال العقود الستة التي أعقبت نيل السودان إستقلاله. لعلّ أبرز الذي كتب ذلك الذي جاء من قلم د.منصور خالد عن النخب التي أدمنتْ الفشل، فكان اتهامه هو الأقرب لتصوير جريمة فشلٍ كاملة الأركان، يعجز أيّ محام مقتدر العقل، أن يدافع عنها أمام قضاة التاريخ. .
(5)
الأمر الثاني أن د. ابراهيم نظر في الجزء الأول من كتابه في تجارب الأمم من حولنا، ليقرأ كتابها وكيف عبرتْ بإرادة صادقة لتحقيق طفرة التنمية بإدارة ذكية للمعرفة، وبتطويع متصل لأساليب التعليم والتربية المتسقة مع حاجات تلكم المجتمعات. نظر الرّجل بوجهٍ خاص في تجربة البلدان الأسيوية التي خرجت من تضاعيف الفقر، وما توفر لها عند استقلالها، إلا أساليب التقنية البدائية، ولكن ملكت قياداتها الرؤية الواضحة، مثلما ملكت شعوبها الإرادة الصادقة فتحقق لها كسبُ التنمية. تلك بلدان سمّاها المؤلف بلدان "الربيع الآسيوي"، وهو ربيع بالفعل- في لغة المناخات- ذلك الذي أحدث في القارة الآسيوية اختراقاً حضارياً، تحرّرتْ عبره من إسار الغرب وسطوة حضارته وطغيان معارفها. التطور المعرفي الذي اجتاح العالم في الثلث الأخير من القرن العشرين، خاصة ما تحقق على صعيد التواصل الالكتروني وثورة المعلوماتية، هو ما أمكن معه كسر احتكار المعرفة والإدارة الذكية للتربية والتعليم وامتلاك التقنيات ، وأتاح لأكثر شعوب آسيا نهوضاً عالياً غير مسبوق. جال د.ابراهيم على تجارب ناجحة في ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند. لم يفته أن ينظر في أنجح التجارب التربوية في نظم التعليم في كندا وفي فنلندا.
(6)
الأمر الثالث الذي يُنبّه مُطالعَ كتاب د.ابراهيم، هو جعل سِفره مقتصراً على مخاطبة الجيل القادم، وذلك توجّه أخذه إبراهيم مأخذاً جاداً فأثبته في عنوان جُزئي كتابه : "إلى جيلٍ نأمل أن لا يطول انتظاره". لقد كتب الراحل أحمد خير(1905-1992) "كفاح جيل" ، يحدّث ويوثّق عن جيله الماثل إذّاك، وهو يناضل ليمسك بإدارة البلاد من المستعمر المغادر. أمّا كتاب إبراهيم الأمين فقد تجاوز ذلك الجيل الذي ينتمي هو بشخصه إليه، غير أنه اختار أن يشخص ببصيرته إلى الجيل القادم . الجيل الذي آن له أن يتولى المسئولية. قالها الرجل ضمناً: إنّ جيل السياسيين الحاليين شاخ وهرِمَ، وآن له أن يتنحّى جانباً، وأنّ السبعينيين الذين تربّعوا – مدنيين وعسكريين- عقوداً طويلة في حكم البلاد، لهم أن يذعنوا لمنطق الحياة الذي يقول باستحالة الخلود جلوساً في إدارة مصائر الشعوب وفي قيادتها. الجيل القادم يملك حق صياغة حياته وفق أفق جديد. أحسن الدكتور إبراهيم في مخاطبة ذلك الجيل القادم والجيل الماثل ، آملاً أن لا يطول انتظاره، وذلك الانتظار هو مما يتسبب في إطالته اللاهثون بعكس تيار الزمن ، الحاسبون أن المصائر هي من صنع أياديهم وحدهم. في الحقيقة أن الخلود هو لوطن واحد ، لا لجيلٍ واحد..
هذه محض خاطرات مستوحاة ممّا كتب د.إبراهيم الأمين، وإني سأعمد لألقي نظرات أعمق فيما كتب، وإنه لحريّ أن يحظى بذلك النظر من جميع الحادبين على جيل قادم، كاد أن يضيق به الانتظار..


الخرطوم – 6 نوفمبر 2016