أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
خـــاتمـــــة ودروس :
( 1)
في ختام هذا العرض، نورد بعض الملاحظات التي تتصل بالمواقف كما بالأساليب.. بالشكل العام كما بالمحتوى، بعد أن رصدنا ما آلت إليه مسيرة علاقات السودان الخارجية عبر أداء الدبلوماسية السودانية، قبل وبعد سقوط الحكم العسكري في 21 أكتوبر في عام 1964. أمّا وقد أجزنا في هذه الدراسة كيف أن تلك الثورة شكّلت أوّل موسم "ربيع سياسي" في كامل المنطقة وهي ترزح تحت أجواء "الحرب الباردة"، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإن ارتضينا المعايير التي تبناها الإعلام العالمي في توصيف مجريات التغيير في منطقة الشرق الأوسط بعد عام 2011، وأسموها "الربيع العربي"، فإنّ مرور أكثر من خمسين سنة على تلك الثورة، يجعل من تحليلنا لمجريات التغيير الذي وقع في مجال علاقات السودان الخارجية في تلك الحقبة، الأقرب للتأويل الموضوعي والخالي من الغرض، والبريء من الميول الذاتية.


(2)
كانت "القوى الحديثة"، الأقرب تصنيفاً إلى اليسار والمناوئة - بطبيعة تكوينها ومرجعياتها- للقوى التقليدية التي ترعاها الطائفية السودانية، هي رأس الرّمح في الساحة السياسية. لعبت هذه "القوى الحديثة" الدور الرئيس في التغيير الثوري الذي وقع في 21 أكتوبر من عام 1964، وما تبعه من تحوّل في البنيةِ السياسية، وفي السلطة المركزية التي أدارت البلاد. وعلى قصر فترة حكومة ثورة أكتوبر1964، والتي قصرت عن العام، ألقى ذلك التغيير بظلاله على علاقات السودان الخارجية، إذ الثورة في طبيعتها هي تغييرٌ جذري وتحوّلٌ لازم واستدارةٌ كاملة، عن مواقفٍ كانت في رؤية الثائرين روّاد ذلك التغيير، مُمعنة في السلبية، مُلتبسة التوجّهات، ناقصة المعالم، إلى مواقفٍ أكثر ايجابية وأقلّ ضبابية. لربّما كان حريّاً بأولئك الثوّار طالبي التغيير وأتباع "القوى الحديثة"، إمعان النظر مليّاً في عالمٍ مُعقّد خرج من الحرب العالمية الثانية جريحاً، ثم سرعان ما تورّط في "حربٍ باردة"، إمتدّ أوارها لعقودٍ تتالتْ، لحِقَ شواظها ببلدان كثر، تأثراُ وتأثيراً. كان السودان من بين تلك البلدان في القارة الأفريقية، التي ما أن نالت استقلالها، حتى غرقت في صراعاتها الداخلية، وتوترتْ مصائرها.
لا نبحث عن ذرائع ومبرّرات لإخفاقات جليّة، يتحمل مسئوليتها النظام العسكري الذي حكم البلاد بين 1958 و1964، بل رمينا إلى الوقوف بموضوعيةٍ لازمة، وإلى قراءةٍ جادّة تلتزم الحيدة، لمجريات أحداثٍ وقعتْ في السنوات الوسيطة من القرن العشرين، وعاشتْ سنواتها أجيالٌ تفتّحتْ وشبّتْ على تحديات سنوات "الحرب الباردة". على الرائي أن يقرأ ذلك الكتاب على خلفية ألوانه البرّاقة جميعها، وأن يطالع صفحاته الأوسع كلها، وأن لايقف عند صفحة ثم يولّي باقي الكتاب ظهره، أو يأخذ بصره لوناً واحدا فيه، ويغفل عن أكثر ألوانه بريقاً. كانت ثورة أكتوبر في السودان- بل وفي إقليمه الأفريقي والعربي- موسمَ ربيعٍ متفرّد في سنوات "الحرب الباردة" الطويلة.

( 3)
بعد خمسين عاماً من أيام أكتوبر 1964 في السودان، تقول هذه الدراسة، أنّ الدبلوماسية السودانية في تلك الفترة (1958-1964)، وكأسلوب لإدارة علاقات السودان الخارجية، وكآلية لإنفاذ توجّهات البلاد في حراكها الخارجي، كانت بذلاً مشهوداً له بمهنيةٍ رصينة، وبخدمةٍ مدنيةٍ مستقلة نسبياً، لكنها منحازة لمصالح الوطن بصورة عامة. ولقد حمَتْ ظهر الجهاز الدبلوماسي وقتذاك، مؤسسيةٌ قام عليها دبلوماسيون وسفراء مقتدرون، أسّسوا العمل الدبلوماسي وأنشأوا الوزارة، وذلك منذ بداياتها الصفرية بعد اليوم الأوّل لاستقلال البلاد في يناير1956، وحتى كبرتْ تجربتها في السنوات التي تلتْ.
وقف معهم بعد 1958، رجلٌ يحسبه كثيرون حارساً من حرّاس الحركة الوطنية القدماء، هوَ أحمد خير المحامي. جاء الرجل، بمرجعياته الوطنية وخلفيته القانونية الرصينة، وزيراً مسئولاً عن وزارة الخارجية، لم يسمح بتغوّل سافر من قبل ذلك النظام العسكري، على أقدارها ومواقفها، أو بالمساس بنظامها ولوائح أداء جيلها الأول الذي أسّس الوزارة، وجيلها الثاني الذي التحق بالوزارة في بدايات عقد الستينات من القرن العشرين. أكسبته غربته "السياسية" وابتعاده عن صراعات الأحزاب عشية الإستقلال، "براجماتية" أضاف إليها من صرامة عرفت عنه، ومن غيرةٍ على التعامل الحكيم. قال الأستاذ جمال محمد أحمد وهو أحد كبار مؤسّسـي وزارة الخارجيــة، قـولاُ عَــن أحمد خيــر، ينبغي أن نتوقف عنــده: إنّهُ رجلٌ. . "ملكَ النفوذَ كلهُ وكانَ لغيرهِ السّلطان".( عرب وأفارقة ،جمال م.أحمد ص35 ).
(4)
بعد نجاح الثورة في أكتوبر من عام 1964، وقيام حكومة ثورية انتقالية، كان التطهير شعاراً مرفوعاً وفرضاً واجب النفاذ. في وزارة الخارجية، لم يمسّ التطهير أركان الوزارة. جرى اعتقال الوزير أحمد خير لفترة وجيزة كإجراءٍ طبيعي، بعد نجاح الثورة وسقوط النظام العسكري. من ناحية، يُذكر أن ثلاثاً فقط من بين بعثات السودان في الخارج، هي التي جرى اجتياحها من طرف مواطنين سودانيين، تزامناً مع اندلاع التظاهرات في الخرطوم ضدّ الحكم العسكري، في أواخر أكتوبر من عام 1964، وذلك مؤشّر جليّ على أن أغلب سفارات السودان في الخارج كانت في عين جالياتها، واجهة للوطن، أكثر منها واجهة لنظام حكمٍ أو لتيارٍ سياسي معيّن. ( Sudan Republic Henderson : K.D.D.. السفارات المقصودة هي التي في موسكو وبلغراد وبيروت: ، ص205 ).
(5)
على سبيل المقارنة، فإنّ التزام الدبلوماسية السودانية بأداءٍ مهني ووطني محض، خلال سنوات حكم الفريق ابراهيم عبود، شكّل سياجها الأول الذي حمَى ظهرها من محاولات التغوّل والتدخّل من خارجها، فيما استسهلتْ أنظمة عسكرية شبيهة، جاءت بعد ذلك بسنوات (الإشارة إلى ممارسات اتبعت للإحالة للصالح العام بعد انقلاب يونيو 1989 "الإسلامي" في السودان)، برعتْ أيّما براعة في التغوّل والتدخل، ليسَ في فرض سياسات جنحتْ بعيداً عن مصالح البلاد، بل- حتى على مستوىً أقلّ درجة- في التخلّص من كوادرها المهنية، بدعاوى ما سمّوه "الصالح العام"، وإبدالهم بأشخاصٍ وموظفين آخرين من خارجها، في إطار توجّه مستخفي، لـ"تمكين" تيارٍ سياسيٍّ مُعيّنِ المعالم، شـرِه التوجّهات، ليحتكر الدبلوماسية، ويقيّد رسالتها بتسييسٍ سافر، عِوضَ أن تكون بَذلاً وطنياً خالصاً، لا يُرتهن لحزبٍ أولتيارٍ أحادي ضيّق، فانتهتْ- خاصّة في العقد الأخيرالذي شهد انفصال جنوب السودان إلى دولة مستقلة- إلى خرابٍ وتدهورٍ مريع في الأداء الدبلوماسي للسودان.

إنتهت
* نشرت هذه الورقة منقحة في الكتاب التذكاري بعنوان: 50 عاما على ثورة أكتوبر 1964: نهوض السودان الباكر ، لنـــدن (2014)