أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إدارة دبلوماسية السودان خلال فترة الحكم العسكري(1964-1958) :
على خلفية حقبة الحرب الباردة، وقع انقلاب السودان في عام 1958، وبدا وكأنّهُ نتاج ضِيْقٍ بالتجربة الديمقراطية الوليدة بعد الاستقلال في عام 1956. من اللافت أن موضوع قبول "المعونة الأمريكية" كان ملفاً تداولته الأحزاب السياسية، ودار سجال طويل، شدّاً وجذباً حولها. برغم أنها لم تكن سبباً مباشراً من أسباب قيام الإنقلاب، لكنها كانت مثار احتكاك بين الأحزاب التي دخلت في تحالفات هشة لحكم البلاد. معروف أن المعونة الأمريكية كانت ذراعاً طويلا من الأذرع الأمريكية النشطة إبان سنوات "الحرب الباردة"، ولم يكن السودان ببعيدٍ عن الاهتمامات الأمريكية.
شهدتْ سنوات الحكم العسكري في السودان بين 1958 و1964، بزوغ حركة عدم الانحياز، بعد مؤتمر "باندونق" عام 1955، ونشوء منظمة الوحدة الأفريقية في مايو من عام 1963، في ظلِّ احتدام الصراع الناعم بين الغرب والشرق. كانت الدبلوماسية السودانية تمشي على سطح حديد ساخن – ويا للمفارقة- في أجواءٍ عرفت بإسم "الحرب الباردة"، فيما كان أكثر انشغال المجلس العسكري الحاكم في الخرطوم، هو بالحرب الأهلية الناشبة في جنوب السودان، وبعددٍ من الملفات الداخلية والخارجية الساخنة الأخرى، مثل مياه النيل، ومشكلة حلايب، وتنمية البلاد وسواها من ملفات.
كان قدر السياسة الخارجية للسودان في الفترة من 1958 وحتى 1964، أن يولي المجلس العسكري الحاكم أمرها للأستاذ أحمد خير المحامي، فارتبطتْ ارتباطاً وثيقاً بشخصه وبأسلوبه في إدارة جهاز دبلوماسية السودان. تُركت ساحة العلاقات الخارجية برمتها للأستاذ أحمد خير، وكانت يده طليقة في ملفاتها، إلا ما احتكرتْ معالجته الزّمرة العسكرية، مثل ملف مشكلة الجنوب وملف مياه النيل.
كانت للرجل- وهو يدير ملفات الدبلوماسية السودانية- مرجعيتين رئيستين أفصلهما في التالي:
أوّل مرجعياته هي أنّ للرجل سهماً مُقدّراً في إحياءِ الحركة الوطنية في البلاد في عام 1938 عبر "مؤتمر الخريجين"، بعد أن شهدتْ تلك الحركة ارتخاءً لعقدٍ ونيف منذ سنوات ثورة 1924. فهو إذاً رمز من رموز الحركة الوطنية التي أسّستْ للنضال الوطني في مجابهة القوى الكولونيالية3 البريطانية القابضة على الأمور في السودان. تحوّل حراك "الخريجين" عبر مؤتمرهم الذي لعب أحمد خير دوراً رئيسا في إنشائه، إلى بروز جماعات وكيانات سياسية، مثل جماعة "الأبروفيين" وجماعة "الهاشماب" في سنوات الأربعينات من القرن العشرين، ثم تبلورت توجهاتها بعد ذلك وارتبطت بالكيانات الطائفية القائمة في البلاد، وبرزت عنها الأحزاب السياسية بمختلف مسمّياتها من اتحاديين، تنادوا للإتحاد مع مصر، أو مستقلين دعوا لاستقلال السودان، بعيداً عن القوتين اللتين حكمتا السودان، بموجب ترتيبات اتفاقية الحكم الثنائي الموقعة في 1899، فيما برزت بروزاً متواضعا لكنه مؤثر، تيارات يسارية وأخرى إسلامية . كانت لأحمد خير مواقف غير متعاطفة مع الطائفية عموماً. وقبيل الاستقلال بقليل وتسيّد السياسيين الحركيين المُتصلين بالطائفية الساحة السياسية، جرى تهميش الرجل، ويرجّح حيدر إبراهيم أن ذلك الموقف المتسق مع موقفه المعادي للطائفية، كان مدعاة لاقترابه من النظام العسكري في نوفمبر1958..( الديموقراطية السودانية: المفهوم-التاريخ-الممارسة، حيدر إبراهيم علي، الحضارة للنشر ، القاهرة- 2013، ص25) .
ثاني مرجعية لأحمد خير، هي التي تتصل باستقلاله الفكري وتفرّد شخصيته وبراعته كرجل قانونٍ متميّز، وحرصه على النأي بنفسه عن الانخراط في صراعات الأحزاب السياسية، قبل وبعد سنوات الإستقلال. لم يعرف عنه إنتماءٌ لأيّ من الأحزاب الرئيسة في تلك الفترة التي أعقبت الاستقلال. غاب الرجل- أو غيّب لا فرق- عن الساحة السياسية التي حفلت بأحزاب تقاطعت توجهاتها وتباينت مواقفها، قبل الاستقلال وبعده بقليل.
وفي تجربة أوّل حكمٍ عسكريٍّ في السودان، وهو أوّل انقلابٍ يقع في أفريقيا جنوب الصحراء، في نوفمبر من عام 1958، ومن بين وزراء ذلك العهد، "التكنوقراط"- إذا جاز الوصف- والذين استعان بهم العسكريون واستوزروهم، اختاروا "سياسياً وطنياً"، وليس "سياسياً مُستحزِباً"، هو المحامي أحمد خير ليتولى حقيبة الخارجية. كان بوسعِ الفريق عبود رئيس المجلس العسكري أوانذاك، أن يختار عسكرياً من مجلسه، ولكنه لم يفعل، ولربّما لقلة خبرة أعضاء المجلس العسكري في العلاقات الخارجية والدبلوماسية. بل وكان بإمكان الفريق عبود أن يُحيل عدداً من الوزارات الأخرى، مثل وزارة الري أو وزارة المالية أو الصحة لعسكريين من زمرته، لكنه آثر الركون إلى الخبرات الفنية، البعيدة عن التحزّب السياسي لإدارة تلك الوزارات.
أنظر ما كتب جمال محمد أحمد عن أحمد خير، يصف حاله لمّا غاب عن الساحة السياسية قبل وقوع الإنقلاب العسكري في 1958 : (( دفَـعَ به بعيداً رفاقُه، ومضوا في طريقهم، فإذا صاحبي في وحشة سياسية طويلة، أحسبه كان يحاور نفسه فيها، يسائل أين كانت العثرة، إنّه موضع الإجلال، نعم ماذا يفيده الإجلال لكن. إنه في بيته قاعد لا يجد مكاناً مع أية جماعة سياسية. يريد ليعمل، يريد جماعة سياسية تحتويه وكان أفطن من أن يرمى الناس جميعاً بالحمق ويستأثر هو بالحكمة والفصل في الخطاب. أخاله أقبل على نفسه يعتب أيضاً عليها، وأسـفر في وحشته ما استنام، ما تصنّع النوم! ))..( عرب وأفارقة: جمال م. أحمد ، الخرطوم، ط2 - 1999، ص 34 ).
لعلّ اختيار المحامي أحمد خير وزيراً للخارجية، لسِتِ سنواتٍ متصلة هي سنوات الحكم العسكري، وبهاتين المرجعيتين اللتين تلخّصتا في دوره الوطني الخالص، ثم جنوحه إلى النأي بنفسه عن التكوينات الحزبية السائدة، هو ما مكّن وزارة الدبلوماسية من أن تستقل بمهنية منسوبيها خلال سنوات حكم الفريق عبود، بعيداً عن تاثيرات السياسة الداخلية، وبعيداً من تغوّلات السياسيين، أو العسكريين على أدائها. شهدتْ تلكم السنوات دوراً مرموقاً للدبلوماسية السودانية، ولأحمد خير اليد الطولى في إدارتها. ويرى السفير أحمد عبدالوهاب جبارة الله أنّ الكينونة المهنية لوزارة الخارجية لم تهتز خلال فترتي الحكـم العسكري في السودان (1958-1964) و(1969- 1985)، وأن أحمد خير عوّل بشكل كبير على خبرات الدبلوماسيين واحترم مهنيتهم للعب دورٍ فاعل في تنفيذ السياسة الخارجيــة..( محطات دبلوماسية : أحمد عبد الوهاب جبارة الله ، رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة، 2013، ص 408 ).
عاون الوزير أحمد خير على ذلك سفراء لهم سهم مقدر، بحكم الثقافة والخبرة الطويلة، مثل محمد عثمان يسن وخليفة عباس وجمال محمد أحمد. كان السفير جمال " أحد كبار المدافعين عن حياد الخدمة المدنية وحصاناتها، وواحداً من الذين ساهموا مساهمة كبيرة في حماية الخدمة المدنية من تغوّل الأحزاب والسياسيين"...( جمال محمد أحمد: رسائل وأوراق خاصة: عثمان محمد الحسن، الناشر دار الجيل، بيروت،1992ص122).
نوجز بعض معالم ومواقف للسودان إبان تلك السنوات، في التالي:
1- الوساطة الدبلوماسية السودانية في النزاع الذي نشب عشية استقلال الكويت مع العراق.
2- الدور الذي لعبه السودان في إطار دور الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو وتداعيات مقتل الزعيم الكونغولي باتريس لوممبا، وما تلى ذلك من أحداث لقي فيها الأمين العام داج همرشولد حتفه بعد سقوط طائرته في أحراش الكونغو.
3- قيام نظام الفريق عبود بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، وهي مبادرة أفضت إلى اعتراف واسع بها بعد ذلك، من قبل أكثر البلدان الأفريقية.
4- الدور الفاعل الذي لعبته الدبلوماسية السودانية خلال الميلاد العسير لمنظمة الوحدة الأفريقية في العاصمة الإثيوبية، وقد أسهب في وصفه جمال محمد أحمد في كتابه "عرب وأفارقة".
5- استطاع الفريق عبود أن يوثق علاقاته شرقاً وغرباً، وكان يردّد دائماً أنه "جلب للسودان صداقة الشعوب". ويُعزى إلى الدبلوماسية السودانية بمهنيتها، انجاز عددٍ من زيارات رؤساء الدول الأجنبية إلى السودان في السنوات الأربع الأخيرة من عمر النظام العسكري :
(أ) إذ زار السودان نكروما رئيس غانا، ورئيس جمهورية الهند جواهر لال نهرو، والرئيس جمال عبد الناصر، ورئيس الوزراء الصيني شو إن لاي، ورئيس مجلس السوفييت الأعلى وقتذاك ليونيد بريجنيف، ورئيس دولة يوغسلافيا السابقة جوزيف بروز تيتو، وغيرهم. في المقابل قام رئيس النظام العسكري بزيارات شملت دولاً كبرى في الشرق والغرب، منها لندن وواشنطن، بكين وموسكو ودلهي وبلغراد..
(ب) لعلّ زيارة "تشي جيفارا" ضمن وفد كوبي رسمي للخرطوم أوائل سنوات الستينيات، كانت أحرى بالوقوف عندها في تلكم السنوات(لم أعثر على توثيق لهذه الزيارة إلا في صورة وردت في كتاب أحمد حسن مطر :30عاماً حول العالم، الخرطوم، ناشر مجهول- 1959، ويظهر فيها "تشي جيفارا" في لقاء مع الفريق عبود وبرفقته وفد كوبي)..، خاصة إذا علمنا أن "جيفارا" قام بعدها بمغامرة في الكونغو المجاورة للسودان، لم يكتب عنها كثيراً. غير أن هذه الزيارة لم تأخذ بريقاً إعلامياً يذكر. 8
(جـ) لقد ورد أيضاً أن المناضل الأفريقي نلسون مانديلا، شاباً في ثلاثيناته، زار الخرطوم ومنحته وزارة الخارجية جواز سفرٍ دبلوماسي، وذلك قبيل عودته إلى بريتوريا ليزج به في السجن قرابة الثلاثين عاما. على أن الأمر يحتاج لمزيد تعضيد موثق، لم يتح للكاتب لأسباب شتى، منها تعذر الاطلاع على وثائق وزارة الخارجية السودانية المتصلة بالواقعة .
لا يمكن إنكار أنّ هذه الزيارات والمبادرات السياسية، عكستْ رغبة النظام في الانفتاح تجاه إقليمه القريب، بل وتجاه العالم من حوله، في محاولة لخلق علاقات متوازنة في عالمٍ مضطرب الأحوال خلال سنوات "الحرب الباردة". في معايير الصداقة مع الدول الأخرى، لا ينظر الآخرون للإخفاقات الداخلية الكبيرة المتمثلة في استمرار الحرب الأهلية في جنوب السودان، فهم رأوها شأناً داخلياً محضا. لم يتململ العالم الغربي، إلا حين أقدم النظام العسكري في آخر أيامه، على طرد القساوسة وممثلي الكنائس التبشيرية في جنوب البلاد. كسب النظام العسكري بعدها، عداوة بلدان الجوار الأفريقي المحيطة بإقليمه الجنوبي.
غير أن لمرحلة الحكم العسكري (1958-1964) إخفاقاتها في مجال العلاقات الخارجية، وهي تُعدّ وتُحصى، ولكن لنوجز منها المواقف الرئيسة هنا :
1- فشل الحكم العسكري، حتى سنة انهيار نظامه في أكتوبر 1964، في التوصل إلى حل لمشكلة الجنوب والحرب الدائرة فيه منذ 1955، عكس نقمة كثير من القادة الأفارقة على نظام الفريق عبود. والملاحظ أن مشكلة الجنوب لم تأخذ بعداً إقليمياً أو دولياً وقتذاك، فلم تكن تلك المشكلة ملفاُ من ملفات وزارة الخارجية أو هماً يؤرق الدبلوماسية السودانية، بل كانت شأناً داخلياً يعالج في وزارة الدفاع السودانية، تحت نظامٍ عسكريٍّ قابض .
2- مع حرص الخرطوم على علاقات حسنة مع القاهرة إبّان سنوات الحكم العسكري- وتعدّ اتفاقية مياه النيل الموقعة عام 1959 مؤشراً عليها- إلا أن ذلك الملف ظلّ يعالج بعيدَ نسبياً عن وزارة الخارجية في الخرطوم، وكان ملاحظاً أن وزير الخارجية لم يكن طرفاً رئيساً ومباشراً في المفاوضات التي أفضت إلى ذلك الاتفاق، وإنْ لا يعني ذلك أن وزارة الخارجية تبنت موقفَ معارضة لذلك الاتفاق. ومن المعلوم أيضاً أن شئون السودان ظلت ملفاً يدار في مكاتب المخابرات المصرية، لا في وزارة الخارجية المصرية.
لعل شهادة سفير مهني وكاتب شاعر مثل محمد المكي إبراهيم، هي ممّا يجدر الوقوف عندها. كتب عن تلك المرحلة : (( وكما كان للنظام حسناته فقد كانت له خطاياه، وعلى رأسها استسلامه المتهافت أمام السمعة الداوية للرئيس عبد الناصر، وقبوله ثمناً قليلاً للأراضي السودانية التي أغرقها السد العالي، وأقيمت عليها بحيرة ناصر. ومنها اهتمامه الكبير بحركة التشييد السكني التي استفرغت جهد ومدخرات السودانيين وجمدتها في هياكل أسمنتية بدلا من استغلالها في الزراعة والتصنيع، ومنها عدم استفادته بصورة متساوية من معونات المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وكانا يتنافسان على خطب ودّ السودان في تلك المرحلة الباكرة من مراحل الحرب الباردة. وعلى الجانب الآخر، كان ثوار أكتوبر يحلمون بديمقراطية عميقة الجذور تهيئ البلاد لتنمية أسرع وأقوى)) (21أكتوبر 1964 مشاهدات ومحاولات للتحليل: محمد المكي إبراهيم، موقع سودانايل الالكتروني 20/10/2010)
3- والجدير بالاشارة أن قضية "حلايب" ظلت معلقة في الأمم المتحدة، طيلة سنوات الحكم العسكري، ولم يثرها أي طرف خلال تلك الفترة. تابعت وزارة الخارجية السودانية عن بعد، بقاء الملف مجمّداً في أضابير مجلس الأمن، وقد تتحمّل الدبلوماسية السودانية وأحمد خير عميدها، طرفاً في هذا "التراخي"، ولا مندوحة من أن نراه تفريطاً في شأنٍ يتصل بالسيادة.
4- يُرصد للسودان، خلال سنوات حكم الفريق عبود، ضعف تأييده لحركات التحرّر في القارة الأفريقية بصورة واضحة، بل كان النظام العسكري يقف إلى جانب إثيوبيا، ولا يؤيد ثوار إريتريا الذين تواصل نضالهم لفك بلادهم من الوصاية التي وضعتهم تحت سيطرة إثيوبيا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية..
5- أمّا في اليمن الجنوبي، فقد وقف النظام العسكري يساعد بريطانيا في محاصرتها لثوار اليمن الجنوبي. أشار بيان للحزب الشيوعي السوداني إلى أن نظام عبود آثر الوقوف إلى جانب الأحلاف المشبوهة في المنطقة، وحلف بغداد تحديداً، ممّا أثار عليه نقمة أطرافٍ عربية عديدة.( ثورة شعب ، ص 357-358).
6- فيما يتصل بأحداث الكونغو، لم يُرصد للسودان دعم ومساندة لثوار تلك البلاد الذين جرت تصفية قياداتها، بدءاً بباتريس لوممبا، الرئيس الشرعي الذي تآمر عليه المستعمر البلجيكي والمتواطيء الأمريكي، متحالفاً مع الرجعي "مويس تشومبي"، ووصولا إلى انفصال إقليم "كاتنقا" هناك. واجه النظام العسكري الحاكم في السودان انتقادا من أطراف داخلية وخارجية، لكونه لزم الصمت إزاء محاصرة العناصر الوطنية في الكونغو وتصفية قياداتها، وذلك عشية إعلان استقلاله في عام 1960. يشير السفير أحمد عبدالوهاب في كتابه "محطات دبلوماسية" إلى الضغوط التي تعرض لها الفريق عبود في زيارته الرسمية لواشنطن عام 1961، إذ أثارت أطرافٌ أفريقية أن ثوار الكونغو الذين لاذوا بيوغندا وبالسودان، جرى ابتزازهم وسرقت مواردهم، ولم يتحصّلوا على السلاح الذي دفعوا ثمنه (محطات دبلوماسية ، أحمد عبدالوهاب جبارة الله، ص 176-177 ). لا غرو أنّ سيكوتوري رئيس غينيا المتعاطف مع حركة التمرّد في جنوب السودان، وصف السودان وقتها بأنه "رجل أفريقيا المريض"، فيما العلل قد استفحلت في عدة أطراف من القارة الأفريقية، والحرب الباردة تفعل فعلها في السنوات الوسيطة من القرن العشرين. من بين بلدان القارة، لم يحمل هذا الوصف التجريمي إلا السودان..
تلك كانت الفترة التي تولّى فيها أحمد خير زمام الخارجية السودانية بين 1958 و1964، وذلك حال وزارته أوانذاك، بنجاحاتها وبإخفاقاتها. كتبَ جمال محمد أحمد يحدّث عن وزيره أحمد خير، وقد صحبه حين كان جمال سفيراً في أديس أبابا، يشارك في الاجتماعات التأسيسية لمنظمة الوحدة الأفريقية (التي صارت تعرف الآن بالإتحاد الأفريقي) في مايو من عام 1963، بلغة مواربة مستترة، لكنها مُبينة وإنْ حملت لهجة إعتذارية لا تخفى :
((.. بعد أن استعاد إستقلاله السودان وتباينتْ السُّبل مِن بعد ، وعطسَ الجيشُ عندنا، حينَ عطستْ جيوش حولنا، إنّ عراك السياسة عبث في جوفه خطر محيق، لن يدرؤه غيره، فاغتصبتْ ديمقراطية كان ذاك الجدال واحدة من دعائمها العدّة لو درَى. وعابثَ التاريخُ صاحبي معابثةً مشى الجيشُ نحوهُ ذاك الفجر يَستعين به، فأعان على مقدارٍ أراده، وأياماً قليلة بعدها وجدَ مكاناً في السياسة ظلّ يرنو له، يراه قريباً ولا يصلهُ. هنا عابث صاحبي التاريخ بدوره، فقد كان يعمل مع الجيشِ، يقول عن أهله حين يخلو لمِن يأتمن "الجماعـــة" ويبسم بسمة، تهمّ أن تكون أو لا تكون..)).( عرب وافارقة: جمال م. أحمد).
يمضي جمال يكتب عن أحمد خير : ". . ملك النفوذ كلهُ وكان لغيره السلطان. ما عناهُ هذا ولا أوقره..".. لعلّ رضا السفير جمال عن أداء صنوه الوزير أحمد خير، هو الرضا النابع من غيرة على المهنية والدبلوماسية الاحترافية، التي حَمَى سياجها وزيرها، فلم يتسلق أسوارها دخيل، ولم يتغوّل عليها غائل. ذلك ربّما يُعزى للشخصية البراجماتية والقوية للمحامي أحمد خير. يلاحظ د.حيدر ابراهيم أنه يمكن أن يصنف أحمد خير بالنظر إلى تجربته في الأربعينات، نصيراً للديمقراطية بمكوناتها الأساسية، وهي الحريات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتوجّهها نحو التنمية الشاملة والعادلة، واحترام التنوع، غير أنه اختار بعد انقلاب نوفمبر في عام 1958- ولربّما لاحساسه بمرارات تجربة الأحزاب عشية الاستقلال- أن يكون جزءاً من نظام عسكري "دكتاتوري شديد التخلف".. ( عرب وافارقة:جمال م. احمد ) .
وفي إشارة من السفير أحمد عبدالوهاب إلى شخصية الوزير أحمد خير، إبّان توليه المنصب خلال سنوات الحكم العسكري، يكتب: "ولعل المرؤ لا يستطيع أن يغفل حقيقة هامة، وهي أن السيد أحمد خير كان يُنظر إليه بأنه العقل المدبّر للسياسة الخارجية السودانية في ظلّ نظام الفريق عبود، ولعلّ موقعه كشخصيةٍ مرموقة في الحركة الاستقلالية السودانية، وشهرته كقانوني ومحامٍ من الطراز الفريد، قد هيأته لما تمتع به من موقع متقدّم في حكومة عبود" (محطات دبلوماسية، ص 181 ) .
وهكذا نلاحظ أنه لم يكن للنظام العسكري من نيّة لإحداث تحوّل بنيوي في هيكل الدبلوماسية السودانية، ولا من سعيٍّ لتمكين المنتمين لعصبته للإمساك بملفات وزارة الخارجية، وقد ائتمنوا أحمد خير عليها، سوى ميلهم لمعالجة ملف مياه النيل بعيداً عن نظر الوزارة. ذلك ملمحٌ مُهمٌ، إذ نلاحظ أنّ التطهير الذي وقع عقب انتصار ثورة أكتوبر عام 1964، وشمل عدداً من المرافق الحكومية، لم يمسّ ذلك التطهير جسم وزارة الخارجية، إلا مسّاً طفيفاً غير مؤثر.
( استفسرتُ عدداً من قدامى الدبلوماسيين خلال كتابة هذه الورقة عن تلك الفترة، فلم يتذكروا واحداً من ضحايا سياسة التطهير هذه )..

يتبع....
* نشرت هذه الورقة في الكتاب التذكاري بعنوان: 50 عاما على ثورة أكتوبر 1964: نهوض السودان الباكر ، لنـــدن (2014)