أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
تلاقي الدبلوماسية، أيّ دبلوماسية، وهي تستنشط حراكها ، بعض عقبات وخساراتٍ قد تثبط همّة القائمين على أمرها، وتقعد بهم قعود المشلول مقيداً إلى كرسيه، فتكون المراجعة أقل ما يجب عليهم فعله ، وتبقى المحاسبة أقصى ما هو مطلوب. ليس على المتأثر أن يبحث عن مشاجب خارج بيته ، كأن يدعى أن المؤامرات تحاك ضده، من أعداء حقيقيين ولكن - في حقيقة الأمر- أكثرهم من صنائع ما توهّمه، ومن ترّهات خياله المحض، كِذابٌ في كِذاب. . !
لقد استضافت الخرطوم في عام 2006، قمّة أفريقية تحت مظلة "الاتحاد الأفريقي"، وكان للخرطوم- على تواضع جاذبيتها- مرجعيات تاريخية من قمم الملوك والرؤساء، ما تباهي به كلّ القمم السابقات، وعلى المستويين ، الأفريقي والعربي. أما عرفت الخرطوم قمّة اللاءات العربية الثلاث عام 1967، ثم قمة أفريقية في عام 1978 هي من أنجح قمم القارة السمراء ، بحضور رؤساء القارة أجمعين، إلا من أقعدته علة من علل البدن لا علل السياسة، فصارت تلك القمة معياراً للمقايسة في رصد النجاحات؟
هاهي الخرطوم في عام 2006، تفتح ذراعيها ، ترحب بضيوفها من العرب في قمّة أولى، ومن الأفارقة في قمّة ثانية، فما حققتْ القمتان - ويا للعجب- نجاحاً لافتا مما يُرصد أو يؤرّخ له. . !
شاركتُ بشخصي في القمتين، وأنا أتولى مهام إدارة الإعلام والناطق الرسمي بإسم وزارة الخارجية ، فكانت مشاركة مهنية فاعلة في تقديري، وغير مجدية في نظر آخرين. لكن لنبدأ حكايتنا بيوميات سجّلتها سراراً عن القمّة الأفريقية، التي أصاب السودان فيها خذلان أكبر أثراً ، وتلقى من الأقربين في القارة السمراء، جراحات أكثر إيلاماً وأمضّ غورا، إذ كان العرف والتقليد هو أن يتولى المُضيف رئاسة القمة ، ولكن آثر القادة الأفارقة المشاركون بإصرارٍ وبحزم، حرمان السودان من رئاسة تلك القمّة، متجاهلين أبسط قواعد الضيافة والإتيكيت، ولكن بما حمل في التحليل الأوضح، إدانة واستهجاناً من قبلهم، لسياسات الخرطوم في دارفور. .

(2)
قال لي الوزير د.لام، بصورة مفاجئة، أنه هو الذي سيلقي الخطاب إنابة عن النائب الأول، لأن الأخير سافر في مهمة رسمية طارئة إلى جوبا، عاصمة الإقليم الجنوبي ، ويا لها من مفاجأة. . !
هبّ د.لام من مقعده وذهب إلى حيث طلبوه . قلت لسكرتيره الشخصي أعرني الخطابين-الأصل والترجمة- أنسخ منهما وأعيدهما قبل أن يعود الوزير إلى المنصة .
عدت إلى القاعة وراجعت النصّين على عجل . كلفت مساعدي الإعلامي المكلف بشئون المراسم والترجمة، بتسليم النسختين للمترجمين القابعين في كبائن الترجمة ، بعد أن قدّرت أن الترجمة ستكون مقبولة . جاء الوزير د.لام ، واتخذ له مجلساً بين السيد "ألفا كوناري" مفوض الإتحاد الأفريقي ، ووزير الخارجية النيجيري الذي سيسلم رئاسة الدورة السابقة لرئيسها الجديد، وهو وزير خارجية السودان، وفق التقليد المتبع . لقد كانت المفاجأة بالفعل ، أن النائب الأول لم يكن موجوداً في الخرطوم، وأن الوزير د.لام أكول، سينوب عنه في افتتاح جلسات مجلس وزراء الإتحاد الأفريقي، كما كان عليه أيضاً أن يتسلم رئاسة المجلس الوزاري من رصيفه النيجيري. .
نعم هي إجراءات مراسمية ، و لكنها مهمّة وكان ينبغي أن يكون النائب الأول حاضراً ليشرف، من الناحية المراسمية، على التسليم والتسلم بين وزيري خارجية نيجيريا والسودان. أثار غيابه لغطاً كنا في غنىً عنه ، ولقد أسرّ لي بعض أصدقائي السفراء قبيل بدء الجلسة، أن هناك معلومات غير مؤكدة، أن الرجل لم يتم إخطاره أصلاً بأن عليه أن ينوب عن الرئيس في افتتاح جلسة وزراء الخارجية ، ناهيك عن رفضه أو قبوله إلقاء الخطاب . لماذا يغيب النائب الأ ول ويضطر وزير الخارجية د.لام لافتتاح جلسات مؤتمر رصفائه وزراء الخارجية الأفارقة ؟ تمنيت لو أن مساعداً ثانٍ لرئيس الجمهورية قام بالمهمة، فذلك مراسمياً أمر مقبول .

(3)
ولكن ثمّة مفاجأة أخرى كانت في انتظارنا. . !
قال لي صديقي السفير مسئول الإدارة الأفريقية في الخارجية السودانية، فيما نحن نستعرض أحداث ذلك النهار :
- ليت الوزير د.لام ألقى خطابه بالإنجليزية ، فنحن في حاجة لأن نبث رسالة مبطنة للوزراء الأفارقة، وما أسهل أن تصلهم بلسان أفريقي، ينطق بالإنجليزية . إلقاء الخطاب بالعربية فوّت في ظني، فرصة التذكير بقوة بالبعد الأفريقي المهم في الشخصية السودانية .
نعم ، هي جزئية شكلية، وقد لا تبدو ذات مغزىً كبير. لكن بدا لي أن صديقي السفير محقٌّ في الذي جاء منه. لطالما كان اللسان العربي الذي ينطق به عرب أفريقيا، يثير تساؤلات متشككة لدى الأفارقة ، و كأن اللغة العربية ، لسانٌ أجنبي على القارة ، وليس منها. "السواحيلي" هي اللغة التي يفخر بها أفارقة الشرق والوسط الأفريقي، الذي ينتمي إليه السودان. . لكن هي لغة لا يتحدثها كثيرون عندنا في السودان .
كان في افتتاح جلسات وزراء القارة الأفريقية ، إذن ، خسارة مضاعفة : نائب أول أُعلن أنه سيفتتح الجلسات، فيغيب في اللحظات الأخيرة، بلا حيثيات واضحة . . ووزير ألقى خطاب الإفتتاح بلغة لم تساعد في إلقاء الضوء على البعد والمكوّن الأفريقي . لربما يكون غياب النائب الأول غير مقصود، بسبب إلتزامات مسبقة في العاصمة الجنوبية ، ولا أستبعد أن يكون اللوم على موظفي القصر الرئاسي، الذين فات عليهم إحكام التنسيق مع موظفي مكتب النائب الأول .ربما ليس من ترتيب وقصد متعمّد في الحدثين الصغيرين ، ولكن الأثر الذي تركاه قد يصعب تقديره ، لكونه غير محسوس ، أو في أفضل وصفٍ، هو أثر غير مرئي .
(4)
كنتُ في ردهة القاعة الداخلية ، وهمستُ لنائب الوزير، بملاحظتي عن غياب النائب الأول للرئيس، عن جلسة الإفتتاح في ذلك الظرف الدقيق ، وأمّن على ملاحظتي، مضيفاً لي أن هنالك الكثير الذي يقال هنا . ثمّة هوّة كبيرة تكشفت لي . ألمح نائب الوزير عن امتعاضه لما بدرعن النائب الأول من تصرفٍ غير مبرر. دهشت لحديثه ، لكنه أكده لي قائلاً :
- ليت الأمر وقف على إرسال رسائل سالبة، بل تعدّاه إلى التقدّم بالشكوى لمسئولين وزوّار أجانب . .!
أدهشني تعليقه فسألت :
- من تقصد يا سيدي نائب الوزير؟
قال لي ولم يكن مرتاحاً :
- كان ذلك مع وفد الوزراء الأفارقة في اللجنة المصغّرة المعنية بإعمار جنوب السودان ، قام أعضاء الوفد بزيارة إلى جوبا، والتقوا بالنائب الأول ، وهو رئيس حكومة الجنوب . التقاهم ولم يقف عند سرد رأيه في مسار تطبيق إتفاقية السلام الشامل ، بل شرع يشكو لهم مرّ الشكوى ، من تعمّد رسمي مقصود لإبطاء تنفيذها . . !
ثم أضاف في انزعاج :
- هذا ثاني أعلى قيادي في الدولة . . أيجوز أن يجأر بالشكوى لوفود أجنبية ؟
(5)
أصابتني خيبة كبيرة إثر سماعي لهذا الحديث . إننا نواجه فجوة حقيقية في بناء المصداقية ، هنا في الخرطوم ، وهناك في جوبا . سارعتُ بالإلتقاء بالسفير مدير إدارة الإتحاد الأفريقي في الخارجية السودانية ، وقد رافق الوزراء الأفارقة، الذين قادتهم السيدة البدينة "زوما " ، وزيرة خارجية جنوب افريقيا في زيارتها لجوبا . أكد لي ذلك السفير حقيقة ما جرى، هناك. . وقد جاء متسقا ً مع السياق العام لحديث نائب الوزير معي . ثم سألت نفسي ، لِمه أسر َ لي نائب الوزير بمثل هذا الحديث، وأنا لا أقترب من مواطن خلافات الوزراء والقيادات العليا ، فموقعي كناطق رسمي لوزارة الخارجية، يتيح لي أن أأتمر، لا أن أقحم آرائي بما لا يليق، في القرارات التي تصدرها قيادة الوزارة، أو انتقد أياً منها. . ؟ خمّنت أن الرجل صدر في حديثه عن ثقة فيّ، وتلك خصلة جيدة، من رئيسٍ لمرؤوس ، لا يخفي هواجسه عنه ، يحدثه بها ويبادله الرأي حولها . ولقد لمست في الرجل حرصاً حقيقياً على ملفات الدبلوماسية، واهتماماً وثيقاً بعملنا في الوزارة .

(6)
أمسية الجمعة 20 يناير 2006 . .
تواصلتْ جلسات الوزراء الأفارقة، ينظرون في جدول أعمالٍ متشعّبة موضوعاته، و تمسّ في مجملها كلّ قضايا القارة ، من الإقتصاد إلى السياسة ، ومن الثقافة إلى الرياضة . في جدول الأعمال أيضاً قضية الرئيس التشادي الأسبق "حسين هبري" الذي يقيم في السنغال ، وتطلبه بلجيكا للمحاكمة ، كما هناك البورصة الأفريقية، وموضوع مقر المحكمة الأفريقية الذي يحتاج لحسم .
كانت جلسات الوزراء مغلقة ، ولم يتح لرجال الإعلام أن يدخلوا القاعة .. أصرّ مدير الإعلام الخارجي أن يكون هنالك تنوير بما يدور في داخل القاعة ، ولكن لا سبيل إلى ذلك، ودوننا أبواب مغلقة . قلت منبهاً صديقي مدير الإعلام الخارجي :
- أنظر .. حتى السفراء السودانيين ، ممن كلفتهم وزارة الخارجية بمرافقة الوزراء الضيوف ، كانوا جلوساً في الردهات، يتبادلون أطراف الحديث والدردشة حول أحوال القمة، وبعضهم حانق كونه قطع الفيافي وترك سفارته ، ليجد نفسه الآن معزولاً ، لا يمكنه أن يعرف تفاصيل ما يدور من شئوون تهم بعض سفاراتهم، ويحتاجونها لمتابعة أعمالهم ومهامهم هناك . .
لم يعجب الحديث صديقي المسئول الإعلامي . قلت له مطمئناً :
- سأحدث مسئولة الإعلام بالإتحاد الأفريقي ، لتدبر أمر تنوير الصحفيين والإعلاميين بما يجري خاصة ، كما أنها من بين المسموح لهم بالدخول إلى قاعة الإجتماعات المغلقة. .

(7)
للأسف لم تكن مديرة دائرة الإعلام في الاتحاد الأفريقي وهي من تونس، عوناً لنا في المهمة . . و لم تكن على استعداد لتقديم التنوير المطلوب عن مداولات المجلس الوزاري ، بينما يلحّ رجال الإعلام - أفارقة وأوروبيين وعرباً - على أن يقدم لهم الناطق بإسم الخارحية السودانية، ذلك التنوير الذي يحتاجونه. جهدتُ أن أوضح أن تلك مهمّة الإتحاد الأفريقي، وأني لستُ المسئول عن إعلام الإتحاد، بل إعلام وزارة الخارجية السودانية فحسب .
لا يحفل الصحفيون كثيراً بمن يخبرهم، قدرما يهمهم مضمون الخبر ذاته . في آخر المساء، تولت السيدة التونسية المسئولة عن الإعلام تقديم تنوير مقتضب عما جرى خلف الأبواب المغلقة، وكواليس قاعة المؤتمرات الدولية ، حيث جلس الوزراء الأفارقة يتداولون . لا تجيد تلك السيدة التحدث بالإنجليزية، وحتى لغتها العربية فيها لكنة تونسية ، يصعب على صحفيينا السودانيين وصحفييّ المشرق عموماً، فهم لهجة المغرب العربي بسهولة . ثمة مشكلة في التواصل إذن بينها وقبيلة الصحافيين من "المشارقة" . تلك ناحية أزعجتني، ولكن ليس من مجال لتدخلنا ، فنحن لا يمكن أن نتحدث نيابة عن إعلام الإتحاد الأفريقي على أية حال . .
ولكن وجدتني أصرّح أن موضوع رئاسة القمة في الخرطوم، يجري التداول حوله، ولم يحسم بعد. ذلك الخبر هو ما كان ينتظر الصحافيون معرفة تفاصيله.
(8)
قبل منتصف ليلة الجمعة 20 يناير 2006. .
انتهت جلسة الوزراء الأفارقة، وكنتُ أنا خارج القاعة الدولية، وعلى وشك المغادرة إلى منزلي، فقد أهلكنا التعب تماماً ذلك النهار. كنت أمام المدخل الخارجي، حينما جاءني سكرتير الوزير، يقول لي إن الوزير يطلبني . نظرت أعلى الدرج ، ورأيت وزير الخارجية د.لام يتحدث إلى صحفي بيده جهاز تسجيل صغير .
كان سعيداً و أساريره منشرحة . بادرت مستفسراً إن كان قد جد شيء، برغم أني سمعت طرفاً من تصريحه لذلك الصحفي. ابتسم ابتسامة عريضة، وقال لي :
- لقد حصلنا على تأييد منطقة شرق افريقيا كلها لرئاسة القمة، وعددها إثنتا عشر دولة . قلت له :
- هذه خطوة حاسمة إذن .
وهنأته عليها وتمنيت أن تكتمل صورة النصر صباح الغد . قاربت الساعة منتصف الليل.
طلب الوزير أن نسرع ببث هذا الخبر على أجهزة الإعلام . قلت له تلك مهمتي . الرجل الذي أخذ التصريح من لسان الوزير ، كان من مراسلي وكالة الأنباء السودانية . وجهته بأن يسرع ببث الخبر، وأن يرسله للتلفزيون وللإذاعة على الفور. .
لم تكن ليلة سهلة برغم التفاؤل الذي ران على الجو العام ، فقد كنت أحسّ بتوتر كبار المسئولين في وفد السودان ، حول مسألة استحقاق السودان لرئاسة هذه القمة الأفريقية، وهي تنعقد في عاصمته . استبعد السودان أن يخذله ضيوفه من نيل ذلك الاستحقاق البروتوكولي الهام. .
هاتفني قبيل منتصف الليل نائب الوزير ، و أمّن على ضرورة أن نبث خبر مساندة دول شرق افريقيا للسودان على أوسع نطاق : الوكالات الأجنبية والفضائيات وصحافتنا المحلية . وبالفعل بذلتُ جهداً مضنياً ، فكان الخبر في قناة "الجزيرة" وفي إذاعاتنا وفي معظم صحفنا ..
(9)
صبيحة السبت 21 يناير . .
تجمّعنا في الصباح الباكر في فندق "هيلتون" لاجتماع أعدّ له لإجازة "مراجعة النظراء" المتعلقة بالحكم الرشيد للحكومات الأفريقية وتوقيع السودان وثيقة اللحاق بـها، وذلك قبل التوجه لقاعة "الصداقة". فوجئنا حينها بتحوّل كبير في المواقف، وراء الأبواب المغلقة . سحب مؤيدون رئيسيون للسودان موافقتهم، وآثروا موقفاً وسطا: أن يتنازل السودان للكونغو الديمقراطية هذه الدورة، على أن يترأس السودان القمة القادمة. . ! كانت ليلة الجمعة إذاً هي ليلة سنّ السكاكين الطويلة!
في صبيحة السبت، خذل الضيوفُ مضيفهم، آخر الأمر. . . !
(10)
قبل السودان - بعد ضغوط كبيرة عليه- بقرار سحب الرئاسة منه في مؤتمر قمةٍ أفريقي ينعقد تحت ضيافته في عام 2006، وهو قرار جائر وغير مسبوق ، لكنه حمل رسالة إلى من يهمه الأمر من الأطراف الكبرى في المجتمع الدولي : أن السودان لن يجد مناصرة من أشقائه الأفارقة حول النزاع في دارفور .

بعدها أحيل ملف السودان إلى المحكمة الجنائية في عام 2009. .


يوليو- 2016