أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
تعرّفت إلى رحاب أبو الحسن، أول أيام انخراطي في مهمتي، سفيراً للسودان في بلدي الثاني لبنان. حدثني في الخرطوم قبيل سفري إلى بيروت، صديقي السفير الذي سبقني في محبة بيروت، وتسلمت منه المهمّة في لبنان، السفير سيد أحمد البخيت. كان ذلك في أواخر عام 2006. حدثني عن أصدقاء السودان في الوسط الإعلامي اللبناني. رحاب ابو الحسن كانت من بينهم، صحفية لامعة نشطة في صحيفة "اللواء". مع كثرة الأسماء التي أخبر عنها صديقي السفير السابق إلا اسم رحاب بقي راسخاً في ذهني وأنا أهيء نفسي لمهمتي في بيروت. حكى لي سيد أحمد البخيت، أنها صحفية مُحبّة للسودان، وتتابع عن كثب قضايا النزاعات في بلادي. قلت له بانطباعي المعجل عنها: أن اسمها فيه رنين "سوداني"، ثم ضحكنا معا .
(2)
التقيتها في إحدى المناسبات الدبلوماسية في بيروت، فبهرتني بطلاوة حديثها معي ، مثلما بهرتني بما أفصحت عن فهم بقضايا بلادي ، فأدركت إلى أيّ عمق توغلت فينا رحاب ، وإلى أيّ المساحات، غطى قلمها تشعّبات نزاعات السودان وتعقيداتها.
التقينا كثيراً بعد ذلك ، فكانت الصديقة التي تنصح قبل أن تتعجل الحصول على المعلومة ، وكانت الإعلامية النابهة التي تتفاعل مع الخبر، فتحدث عن طيب خاطر عن المزالق، حتى نميل إلى تجنبها، وإلى المؤامرات فنفتح أعيننا لنرصد تبعاتها. كنت أرى في انقطاعها لقضايانا، مهنية يحسدها عليها بعض صحفيينا في السودان. صرنا أصدقاء قلمٍ، قرّبت بيننا مساحات التلاقي حول الظلم والمحاصرة التي عانت منها بلادي، وأنا أمثلها في لبنان، فكنتُ أراها المستشارة الناصحة، أكثر ممّا أراها الصحافية التي تطارد الخبر وتتوغّل في التحليل بلا روية أو كوابح. كان لقلمها مصداقية تتحمل رؤيتها للوقائع من حولها.
(3)
حين زارني وأنا سفير في بيروت ، مبعوث رئيس القمة العربية في عام 2006 الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، ورئيس القمة هو الرئيس البشير، كانت رحاب من مرافقي جولاتنا التي قمنا بها معاً، لايجاد اختراقات وتقاربات في جدار الأزمة السياسية التي عصفت بلبنان أوانذاك. كنتُ أمازح الراحلة رحاب، وأحكي لها كيف رافقت مبعوث الرئيس السوداني إلى القصر الرئاسي أول مرّة، لنلتقي الرئيس اللبناني لحود، وأنا لم أقدم أوراق اعتمادي، لا لوزير الخارجية ولا لرئيس الدولة، فيبتسم الرئيس لحود وهو يصافحني : ماذا أقول.. وأنا بلا وزير خارجية . . ! تشاركنا الضحكة أنا ورحاب على الحكاية، إذ بالفعل قد خرج وزير الخارجية وقتها مع من خرج من وزراء المعارضة من حكومة صديقنا الكبير الأستاذ فؤاد السنيورة .
(4)
تمنحك الراحلة رحاب من شخصيتها وداً وبشاشة ، تضاهي مداد قلمها في كتاباتها الصحفية. بمثل ما تمتعتْ بروح المرح، فإنّ لها حذقا في مهنتها وصرامة في كتاباتها الصحيفة، لا تماثل في ذلك غيرها ممّن عرفت من الصحافيين والإعلاميين في بيروت.
بعد أن غادرتُ بيروت إثر انتهاء مهمتي ، حملت من جميل ذكرياتي فيها، صداقتي لصحافيين كبار، كانت الراحلة الصحافية الألمعية رحاب أبوالحسن بين أهمهم وأقربهم إليّ. فاجأني نبأ رحيلها قبل أيّام ، فلم ألم بخبر علتها الأخيرة التي أخذتها منا إلى السموات العلى . رحلتْ تلك الصديقة العزيزة التي ملكت بقلمها مساحة معتبرة في الساحة الإعلامية العربية ، بهمّة عالية ومهنية لا تبارى، فتركت فراغا في قلوب متابعي كتاباتها الصحفية، ومحبي حذقها لمهنتها . لك الرحمة والمغفرة أيتها العزيزة، ستظلين صورتك في ذاكرة سفير اقترب منك عن كثب وتعرّف على قلمك ، راسخة مستدامة لا تنسى..

الخرطوم 11/8/2016