أقرب إلى القلب:
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
        فيما روحُ التفاؤل تلوح ملامحها في  البؤر المشتعلة في اليمن ، وجهود الوساطة التي ترعاها الأمم المتحدة باتت أكلها دانية،  بان في العاصمة الكويتية في هذا الأسبوع الربيعي ، انحيازٌ الكويت لتشجيع التفاوض، بديلاً  لخيار القوة المُكلف.  تزامنت المبادرة الكويتية لاستضافة جهود التفاوض، مع انفضاض القمّة الإسلامية التي استضافتها تركيا وانتهت بمخرجات متعسرة.
       لنا أن نُبدي  بعض ملاحظات، أولها أنّ المراقب المحايد يرى  أن الأزمة في اليمن، وإن كانت أزمة عربية محضة ، فقد شابتها أصابع أجنبية. وإن بدا ضعف الجامعة العربية حيالها،  فقد لا يعدّ ذلك تجاهلاً منها ، بل يفسرهُ عجزٌ بنيويٌّ قلل من حراكها.  برغم التحرّك السعوديّ الرئيسيّ  المؤيَّد من طرف عدد من البلدان العربية، فما زال حراكا ينقصه الإجماع العربيّ. لم يتداعى أعضاء الجامعة العربية لقمّة حاسمة تنهي أزمة اليمن ، ولا اصطفّ الخليج اصطفافاً حاسماً حول  الدور السعوديّ، برغم مساعي  مجلس التعاون الخليجي لاحتواء الأزمة اليمنية .
(2)
       تنجح الأمم المتحدة في اختيار شخصية من منطقة الشرق الأوسط، كممثل لها لتنفيذ القرار  2216، ولكن لم تتعزّز مبادراتها بتنسيق إقليمي جاد، يشارك فيه المتأثرون بالأزمة في اليمن. ولقد بذل الدبلوماسيّ الموريتانيّ طيلة عامٍ كامل، أقصى طاقاته لإحداث اختراقٍ في جدار الأزمة اليمنية،  فيما تواصلت لعبة الكرّ والفرّ بين الحكومة الشرعية من جهة ، وتحالف الحوثيين مع صالح من الجهة الأخرى، وبين السجال الدائر دون توقف، يهلك البشر ويتفتت الحجر. وعن طوبغرافيا اليمن القاسية، من الإنصاف أن لا نتحدّث عن جدارٍ، بل عن جبالٍ شواهق تتخللها كهوف ومغاور وأجحار، جعلتْ جميعها من جغرافيا الأزمة اليمنية،  نزاعاً معقداً وعسيرَ الحل.
(3)
       يحضرني- والحديث قد اتصل بالجبال والوديان- كتاب للكاتب الصحفي الأمريكي روبرت كابلان عنوانه "انتقام الجغرافيا" (2012)، يحدّث عن نمط نزاعات الألفية  الثالثة، تنشأ مِن تفاعل المجموعات البشرية مع حقائق الجغرافيا التي تكيّف وجودها. إن دروس الجغرافيا السياسية عنده، تفسر جيوب النزاعات المنتشرة في أصقاع العالم الآن.
       لكن  تبقى التحليلات محض  تمارين أكاديمية، لا تصلح إلا أن يلحقها جهد صادق يُبذل لإطفاء حرائق السياسة، وقد أنشأتها كيانات تاريخية، تقاطعت مصالحها بعشوائيةٍ، لم تراعِ حقائق التكوينات البشرية ومعطيات الجغرافيا والمناخات. ليس التاريخ وحده الذي نستقي منه العبر، بل الجغرافيا أيضاً.
(4)
       حين تبادر الكويت لاستضافة المشاورات اليمنية، فذلك أمرٌ يعكس إشفاقاً من طرف عربيّ على طرفٍ عربيٍّ آخر. مثلما فعلتْ دولة قطر بتولّي التفاوض حول نزاع دارفور في السودان، فقد أبدت الكويت مبادرة محمودة لفتح قنوات للتشاور حول اليمن. تيسير اللوجستيات أمر مطلوب، لكن تفعيل أساليب التواصل أكثر من مطلوب لابتداع الخيارات، وهو ما دفع الحادبين إلى حثّ الكويت لبذل المزيد وصولاً لتسوية النزاع الذي قضى على أخضر اليمن في  وديانه، واليابس في جباله،.. للأمم المتحدة، أجرُ القرار، ولها دفع المتفاوضين، لكن يبقى على الأطراف العربية أن تمضي إلى أكثر من ذلك ، فتطرح خيارات الحلول، وأن تتولّى مع الوسيط الدولي إقناع الأطراف بجديّة التشاور، والتداول حول الحلول المفتوحة.
(5)
        ولأنّ النزاع في اليمن لحقته أصابع أجنبية، فإن الخيارات المطروحة للتسوية  لها أن تمتد لتلك الأطراف. نزاعات  الداخل في بلد ما ، تتصل بملفات الخارج، في عالم تشابكت مصالحه، واتسعت دوائر اهتماماته، وخلقت قنوات التواصل بين الشعوب، تقاطعات يلتبس فيها الداخليّ مع الخارجيّ. إن للحوثيين تواصلاً مع أطراف خارج اليمن، كما أن للحكومة الشرعية امتدادات  مع أطراف عربية- قبل وبعد الجامعة العربية  - على ضعفها- بغرض التخفيف قدر طاقاتها، من احتقانات قد تتعثر معها القرارات الدولية، ولن يكون مُتاحاً للوسطاء الدوليين، وإن كانوا عرباً، أن يحدثوا الإختراقات المرجوّة.
       إن النزاع اليمني يتطلب من كلّ الأطراف المعنية ، سواءً في الدبلوماسية الثنائية ، أو في الدبلوماسية الجماعية، العربية أو الإسلامية، أن  تتداعى لتعزيز التفاؤل حول التشاورات، وليعود الإستقرار إلى اليمن. .   

نقلاً عن "الوطن" القطرية- الدوحة