عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
          لكأن المجتمع الدولي وقف أمام جدار صلب صعب تجاوزه ، تمثله  النزاعات المتصاعدة والأزمات  المستعصية في أنحاء العالم وأصقاعه ومواجهة الإرهاب الدولي ، فصارت الحاجة ماسة  لإحداث اختراقات لازمة. وإن اختلاف توجهات المجتمع الدولي قد تعيد العالم إلى حرب باردة من نوع جديد ، تستصحب في أتونها الثورة الرقمية وتشعباتها في الانترنت.
          ننظر إلى"داعش" يأخذنا الذهول ، فيما هي  تستنسخ وحوشا كاسرة ، ترفع إسم الجلالة على بيارقها السوداء وتمسك الخناجر بيد والمتفجرات باليد الأخرى ، وتتزيا زيفا بالعقيدة. إلى ذلك، ترتعد أطراف الحضارات، تلك التي حدثنا  دهاقنة السياسة في  الغرب  أنها آيلة إلى صدامات وشيكة.
          ننظر إلى الشرق والغرب وكل أطرافه في حيرة بائنة  وإرادة  غارقة في عجز التردّد  في انهاء  مأساة  سوريا ، التي تواصلت حرائقها  وامتدت لشواهد التاريخ،  إذ الأسد الجالس في عرينه المسيّج بالدماء، يمضي  قدماً  لينال، ليس من قباب دمشق وأهلها، بل ليثأر من الإرث الأموي كله. يتسارع القتل فيما تتعثر جهود الاحتواء من موسكو وإلى واشنطون،  ومن لندن إلى باريس.
          إن العالم في حيرته تلك ، يحتاج لزلزال مدويّ  لتصحو أطرافه من الغيبوبة، وإلى ارتجاج  في الدماغ الدولي فيعود الوعي إليه. .
(2)
        وكما تتنزل الشهب من سماء مجهولة ، تنزّلت علينا من عوالم الانترنت وأفاعيل ثورة الاتصالات الرقمية ، فضيحة  أوقفت المجتمعات جميعها على أصابع قدميها، إسمها وثائق  "موساك  فونسيكا" في بنما ، تلك الجزيرة التي لا يعرف عنها الناس إلا أن لها قناة تصل بين محيطين:  الأطلنطي والهادي، وكان لها رئيس جمهورية يتاجر في المخدرات، خطفته الولايات المتحدة ورمته في سجونها قبل أعوام . بعدها توثقت عُرى الصداقة بين الولايات المتحدة  وبنما.
           عُرفتْ هذه الجزيرة النائية، بأنها الملاذ الآمن لرأس المال القادم من شتى أنحاء الدنيا، متجنباً أعين جُباة الضرائب، ورقابة القوى الكبرى  على عمليات غسل الأموال والتحايل على العقوبات الاقتصادية. بعد انكشاف الوثائق، فإن السؤال المهم، ليس  من كشفت حساباتهم "الأفشور" المحفوظة في بنما- عرباً كانوا أم أفارقة أو آسيويين- أو حتى سوريين، بل السؤال المفتاحي الأهمّ هو: من  تسلل إلى حواسيب  الشركة البنامية،  وقام بتسريب  وثائقها السرية . . ؟
(3)
         قبل الإجابة على ذلك السؤال ، سنرى  بكلِّ وضوح أنّ  ثمّة انتقائية  في نشر القوائم. أسماء أكثر من إثني عشر رئيساً وزعيماً عالمياً ، وأسماء مشاهير من غير السياسيين، في أكثر من خمسين دولة، وردتْ في القوائم المسرّبة. اهتزّ كرسي رئيس الوزراء في لندن ، وارتبكت  تبريرات ظهور إسم عائلته في تلك القوائم. تحفز حزب العمال لاستغلال  الظرف الذي حملته لهم شهب الفضاء الإلكتروني ، للنيل من حزب المحافظين وإجبار رئيس  الوزراء على الإستقالة..
         في موسكو ينقطع لسان القوم، إذ مقرّبون من الرئيس "بوتين" تورّطوا في فضيحة "وثائق بنما".  ولكن هذا التورط الرّوسي، يقابله بقاء الولايات المتحدة خارج قوائم "وثائق بنما"، وهو ما يعيدنا لسؤالنا الأهمّ، وهو مَن  تسبّب في التسريب، ومن صاحب المصلحة الكبرى فيه. .؟
(4)
       أشارت أطرافٌ إعلامية عالمية رصينة، منها ال"بي بي سي"، إلى غياب  الولايات المتحدة عن  وثائق بنما، وتشكّكت بوضوح، أن ربما كانت أطراف أمريكية – من الإدارة أو من سواها- لها يد في تثريبها. لو نظرنا لملف العلاقات الأمريكية البنامية ، ومنذ خطف "نورييغا"،  سنجده ملفَ احتواءٍ أكثر منه ملفَ تعاون ، ولو علمنا بسيطرة الولايات المتحدة على الشبكة العنكبوتية- الانترنت، لزادت الشكوك. وإن أمعنا النظر في اصطراع الولايات المتحدة مع الدور الروسي في الأزمة السورية ، فإن الشكوك تتضاعف  لتحاصر الولايات المتحدة، أنها المستفيد الأول من وراء تسريب الوثائق، التي لامست صورة زعيمين كبيرين لهما مواقف لا تتوافق تماماً مع التوجّهات الأمريكية لحلحلة  الحرب في سوريا. .  
       بعد "ويكيليكس" و"وثائق بنما"، فإن حرباً باردة  إلكترونية تستعر الأن..


12 أبريل 2016