أقرب إلى القلب :
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
رحلَ أيقونة الصحافة المصرية محمد حسنين هيكل (1923-2016)، بعد أن ترك إرثاً مهولاً من الكتابات السياسية والتوثيقية . دخل الصحافة من باب الهواية  في أربعينات القرن العشرين، فصار خلال سبعين عاماً عاشها صحفياً، مدرسة  ذات أساسٍ متين،  وأعمدةٍ سامقة،  وبنيان راسخ.  رحلته هي مسيرة مراسل حربي  متواضع القلم،  صار أكبر  وأذكى قلم صحفي عربيّ،  سجّل بعمقٍ مشاهداته  لوقائع  الشرق الأوسط  بعد الحرب الثانية وحتى مطالع الألفية الثالثة.
        هو القلم الذي لازم السلطة الحاكمة في مصر ، فلم يكن شاهداً فحسب،  بل كان القلم الذي امتلك قدرات التأثير على القرارات السياسية،  وأيضاً قراءة الوقائع السياسية في مصر، وفي محيطها. قدّم التحليل والاستقصاء والرؤى، فوافقت استشاراته نوايا تلك النظم الشمولية  التي سادتْ مصر. في الفترة الناصرية ، كان هيكل هو صوت السلطة، يصرّح بإرادتها ، وينطق  بلسانها ، ويتفاعل بضميرها.

(2)
       ثمّة ما حيّرني في اهتمامات  هيكل- التي اتسع مداها فشمل بلدان المشرق إلى أبعد من إيران، وبلدان المغرب إلى سواحل الأطلسي- غضه الطرف عمّا يُظنّ من بين أوّل اهتماماته . ذلك الملفّ  المجهول عند هيكل هو ملف الشأن السوداني . لا تأخذني عاطفتي- أنا السودانيّ- إلى  فتح ملف ملامة ليس الآن أوانها ، وليس في إثارتها طائل. غير أني لأرسل عجبي ، علّ متابع سواي يجد في أضابيره المغلقة التي خلفها وراءه، ما يشفي غليلي وغليل السودانيين غيري.
       يرى المراقب ، أن بين السودان ومصر  ما نسج الحائك، لا ما صنع الحدّاد. بينهما جدال الوحدة والاستقلال،  وما جرى من حسم فيهما،  أفضى إلى نيل السودان إستقلاله عام 1956. أنظر.. فلا أقرأ للصحفيّ المقرّب من لسان السلطة المصرية، ما يلامس تلك القضية. .
(3)
       بين البلدين  صلاتٌ وأواصر ، لحقها اهتزازٌ طفيف، حين أنهتْ ثورة شعبية في عام1964  نظاماً عسكرياً في السودان ، في حراكٍ شبيهٍ  بحراك "الربيع العربي" الذي شهدته المنطقة في السنوات الأخيرة. لحظة الثورة السودانية تلك،  سجّل فيها هيكل ملاحظاته الأولى وربّما الأخيرة، حول الشأن السوداني. خاطب هيكل الشعب في السودان في صفحته "بصراحة" في عدد"للأهرام" نوفمبر 1964، وتساءل- دون أن يُبدي تعاطفاً مع ثورة ذلك الشعب ، أن "ماذا بعد في السودان. . ؟"  كان ردّ الفعل على  ذلك المقال، فوق التوقع.  أشعل مقاله غضب الشارع السودانيّ، فحاصر سفارة الشقيقة مصر،  و"سحلت" الجماهير السودانية – ويا للأسف- مجسّم النسر الشهير رمز مصر في بوابة السفارة، ومرّغوا به تراب الخرطوم.
(4)
         لم  نقرأ لهيكل، وهو لسان مصر أوانذاك ، من تعليقٍ حول أحوال علاقات السودان بمصر في باقي سنوات الستينات، وكامل سنوات السبعينات. قبيل وفاة عبد الناصر في  سبتمبر 1970 ، ظلّ عبدالناصر يردّد أنه رأى شبابه في ثورة السودان التي قادها " نميري" ، وفي ثورة ليبيا التي قادها "معمّر". لم يكن في حلم الوحدة  الذي  طاف بخيال عبدالناصر ، ما ألهم  قلم هيكل.
       أنظر إلى حال الأمّة بعد هزيمة يونيو 1967 ، وكيف ضمّدت الخرطوم جراحات الهزيمة المريرة. لم تكن لاءات الخرطوم وحدها هيَ التي  تفاعل معها الوجدان العربي، ولكن ما أنجز زعماء السودان من مصالحة  رتقت فتقاً دامياً بين مصر والسعودية، كان الأقيم. وقف عبدالناصر يصافح الملك فيصل، وبينهما رجالُ السودان ودبلوماسيوه الذين  نسجوا بوسطية السودان، مصالحة تعمّقت جذورها حتى الساعة بين مصر والسعودية. وقف حولهم الصحافيون من لبنان ومن السعودية ومن مصر ، ولكن لم يكن المتنبي واقفا بقرب سيف الدولة. . غاب هيكل عن المشهد !
(5)
       أما الحروب الأهلية  في  السودان  بمتعلقاتها في دار فور وجنوب السودان، فلم يكن هيكل قريباً من  مساعي احتواء  تلك النزاعات الدامية.  في "نيفاشا" عام 2005، وقد شهد العالم بممثلين عنه توقيع اتفاقية السلام الشامل، التي أنهت صراعاً دار لعقدين من الزمان، وقف صحفيو وإعلاميو العالم، ولكن لم يكن بينهم الراحل  هيكل.
       إن غاب عن الخرطوم لعقودٍ طويلة ، فقد  ودعنا هيكل وفي  لسانه شيء من حتى عن السودان وشئون السودان. .


الخرطوم 11 مارس 2016 – نقلا عن صحيفة الوطن القطرية