أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

        إنّ كان ثمّة شعوب وقبائل كتب عليها  التعاون لتجاوز الإختلاف، حتى يتسنى للحياة  منطق استدامتها، فإنه لا يخفى أن ذلك الإختلاف  قابل للتحوّل إلى خلاف، ولربما تتفاقم تبعاته ليصير صراعاً ، وإمّا جرى تصعيده، فإنه سيصل إلى مرحلة التنازع والمقاتلة .  لكن للإنسان قيم حضارية تؤمن لهالقدرات اللازمة  للحيلولة دون الإنزلاق إلى متاهات التصعيد والإفناء المتبادل. خلقت المجتمعات البشرية  أساليبها وآلياتها لاحتواء  الخلافات قبل أن تصل لمرحلة النزاع ، وذلك بالطبع عبر استعادة  أطر  التعاون مع الإعتراف  بواقع الاختلاف.

      ولقد تبينت البشرية وعبر حروب طويلة ، آخرها الحرب العالمية الثانية، إلى التوصّل  إلى صيَغٍ للتعاون الدوليّ  بدأ التوافق عليها منذ  أواخر سنوات القرن التاسع عشر، ثم انتظم ضبطها في اتفاقيات دولية  أهمها ميثاق الأمم المتحدة ، والشرعة العالمية لحقوق الإنسان وغيرها من الاتفاقيات التي ضبطت التعاون الدولي. لاحتواء النزاعات وتجنّب الانزلاق إلى نزاعات  مسلحة، أقرّت تلك الاتفاقيات آليات للمراقبة و للتسوية، بهدف رئيس ، هو الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

( 2)

      لقد اقرّت الأمم المتحدة  آلية تعيين مبعوثين وممثلين دوليين للقيام بهذه المهمة، خلال سنوات الحرب الباردة. وبعد حرب يونيو 1967 ، عرف العالم اشهر مبعوث دوليّ اختصّ بالنزاع العربيّ الإسرائيلي، هو السيد "قونار يارنج". وتتباين  وجهات التقييم حول دور الممثلين الدوليين والمبعوثين والوسطاء، في ايجاد الحلول وإنجاح التسويات ، في النزاعات التي طرأت في مختلف أنحاء العالم ، والتي انتشر أكثرها في بلدان العالم الثالث.

      إن اتساع رقعة النزاعات إثر هبوب  الربيع العربي، أفرز أدواراً  متواترة يتولى فيها مبعوثون دوليون مهاماً تتصل بنزع فتيل التوترات السياسية  والحروبات الأهلية التي اشتعلت في أنحاء الشرق الأوسط بعد عام 2011 ، شمالاً في سوريا ، وجنوباً في اليمن ، وغرباً في ليبيا. شهدت الحرب الأهلية في سوريا تعاقُب ممثلين دوليين، أوّلهم السودانيّ مصطفى الدابي، مروراً بكوفي عنان والابراهيمي ، وآخرهم دي ميستورا. وفي اليمن تعاقب  ممثلان إثنان ، هما جمال بن عمر وإسماعيل ولد الشيخ. أما ليبيا فقد تعاقب ممثلون دوليون أربعة: من الخطيب الأردني إلى الأيطالي  برناردينو. .

(3)

      لو نظرتَ ملياً  في  جهد بعض أولئك الممثلين، ستراه محضَ  جعجعة بلا طحن . في المقابل ثمّة صرف بذخيّ على هؤلاء الممثلين ، يغطي رحلاتهم المكوكية  وأسفارهم من مواقع الأزمات إلى  مراكز التكليف، وصرف  غير قليل على احتياجاتهم الإدارية، والفنية والأمنية . تأخذ اللوجستيات قدراً كبيراً من الاعتمادات التي التي يوفرها المجتمع الدولي، على مثل هؤلاء المبعوثين والممثلين الدوليين، فكأنّ مطاردة النزاعات والأزمات، صارت  هواية عند هؤلاء، وبعضهم أدمنها فيتنقل كالفراش من نزاعٍ إلى آخر. . لا أعدّد  لك أسماء ممثلي هؤلاء الوسطاء الأمميين، فأكثركم يعرفها، وجوهاً تتردّد على المهام من أزمة إلى نزاع، ولا تخضع لضوابط  التقاعد ، إذ الخبرات المتراكمة  لها قيمة عالية، وإنْ  بلغ بعض حامليها  أرذل العمر أو كاد . .

(4)

          لو حدثتك عن تجربة المبعوثين والممثلين  في الأزمات الناشبة في السودان، سيزداد عجبك، إذ كأن ثمّة توافق بين هؤلاء المبعوثين  ومن يمثلون أطراف النزاع.  عن النزاع في جنوب السودان ، استغرق دور المبعوثين سنين عددا ، انتهت بتوقيع اتفاق السلام الشامل في 2005. شكراً لهم ، فقد أنجزوا اتفاقاً  قسم السودان عبر استفتاء معجل إلى دولتين،  وكان لممثلي الاتحاد الأفريقيّ، من الأمين العام "كوناري" إلى الجنرال الكينيّ "سيمبويا" وبقية الممثلين من الدول الغربية، النصيب الأوفر في المراوحة بين أطراف النزاع  طيلة تلك السنوات . .

      لم تزل نزاعات السودان تستنسخ نفسها ، حتى دخلت القوات الدولية  في لعبة فضّ النزاعات والفصل بين الأطراف المتقاتلة . لكَ أن تتصوّر كم يتكلف المجتمع الدولي - الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة "الايقاد"، من تمويل في هذه الحالة ، بمبالغ مهولة  لبقاء قواتٍ قوامها يقارب الثلاثين ألف جندي باعتبارها قوات دولية وإقليمية مختلطة في السودان. .

(5)

      في سنوات الثمانينات، حين استشرت أزمة اللاجئين في القارة الأفريقية، وقف خبير سوداني إسمه كرداوي ، ووضع إصبعاً اتهامياً  لجهود الإغاثة  التي يتفضّل بها المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الذين طحنهم الجفاف والتصحّر، وأيضاً الحروبات الدائرة في أنحاء القارة الأفريقية. رأى ذلك الخبير في شئون اللاجئين، أن جلّ تمويل الإغاثة، يذهب ليغطي مصروفات إدارية ورواتب لموظفي الإغاثة  واللوجستيات الأخرى المتصلة بعملهم. علق مراقب قريب من الخبير كرداوي الذي خبر الصورة في ثمانينات القرن الماضي، وصار أكاديمياً في جامعة أوكسفورد، فكتب عنه : ( .. لقد تجلّت عبقريته فى كتاباته الباكرة و الباهرة, و التى ركّز فيها على تشريح منظومة وتركيبة ما يسمى بالغوث أو المساعدات الانسانية للاجئين. فقد أشار كرداوى الى تستّر بعض منظمات الاغاثة وراء ما يتم تضخيمه من بؤس للحياة بمعسكرات اللاجئين، بغرض تحقيق مآرب لم تعد خافية فى عصرنا هذا.. )

(6)

       برغم نبل المساعي، فإن مراقبين  مؤيدين لرؤية كرداوي،  يشككون  في جهود  بعض هؤلاء المبعوثين والممثلين، ويرونهم مخاتلين ، يناورون لأجندات خفية تخصّهم، إذ أنّ  لبعضهم مصالح جليّة في استمرار  النزاعات التي يقتاتون  من فتات موائدها . عرف العالم ظاهرة "أثرياء الحرب"، فهل ظاهرة"أثرياء النزاعات" من مبعوثين وممثلين ووسطاء دوليين، يراوحون بين نزاع  وآخر. . بشكلون فئة جديدة طفحتْ إلى سطح السياسة الدولية؟؟

نقلاً عن "الوطن" القطرية  - 4مارس  2016


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.