أقرب إلى القلب     

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

      أيّ مصيرٍ نتوقع لشعبٍ في بلدٍ ما ، يُتاح له الاختيار- عبر  حق تقرير المصير- بين بقائه في إطار البلد الواحد أو الانفصال عنه ، ليشكل بلداً جديداً مستقلاً عن البلد الأم ..؟ من تجربة السودان قبل سنوات قليلة، فإن الجحيم كان في انتظار  الدولة التي انفصلت عنه، ولم تتجد نعيماً يذكر..

        أما كندا التي مارس شعبها  "الفرانكفوني" في "كويبيك" حق تقرير المصير للبقاء في كندا أو الانفصال عنها ، وذلك مرّتين في عام 1980 وعام 1995 ، فقد انتهى الأمر بـها للبقاء في اتحادها الفيدرالي  داخل كندا..  برغم سطوة الثقافة الفرنسية،  لغة وأسلوب حياة في تلك المقاطعة ، لكنها ىثرب البقاء في محيطها "الأنجلوفوني". .

        واسكتلندا مثال آخر. .

        بعد أكثر من أربعمائة عام، طالبت حكومة اسكتلندا منح شعبهاحق تقرير المصير، ليختار بين الوحدة أو الانفصال.  وقد تابعنا كيف هزم خيار الانفصال عن المملكة المتحدة في عام 2014، بنسبة بلغت أكثر من 55%  وبقيت اسكتلندا تنعم بوجودٍ شبه مستقل في إطار المملكة المتحدة، ببرلمانها ومصرفها المركزي والجنيه الاسترليني المستقل عن الجنيه الانجليزي الذي نعرف. .

(2)

     لم يكن السودان وحده من بين بلدان "العالم الثالث" الذي عانى من جحيم الانفصال والتشظى. هنالك أمثلة عديدة، تتفاوت درجات معاناتها مع التقسيم والتجزئة. أنظر إلى  الهند وكشمير ، المغرب والبوليزاريو ، ونيجيريا وبيافرا في سبعينات القرن الماضي، وما وقع في العراق. ذلك نذر يسير .

      هل خيار الإبقاء على الوحدة وقفٌ على "العالم الأول"، فيما خيار التجزئة والتفتيت هو خيار ضعفاء  "العالم الثالث". . ؟

       بات واضحاً أن خيار الانفصال - بغضّ النظر عن اختلافات كل حالة من حالات منح حق تقرير المصير- قد أفضى إلى سلبيات لا تخفى على العين، وبرغم ذلك  لا تتراجع القوى العظمى عن  ميولها المَرَضيّةللتحكم في مصائر الشعوب المستضعفة، عبر إملاءات لفرض خيارات النجزئة على هذه البلدان الضعيفة ، وإنْ غلفتها بدعاوى الحرية ومنح حق تقرير المصير. إنهم يصنعون جحيم الضعفاء. .

(3)

       من واقع ذلك الحال، فإن على الشعوب المغلوبة على أمرها أن  تتبيّن سلبيات خيار التجزئة ، وذلك أمر لن يتحقق إلا عبر توفر مستويات عليا من الوعي والتربية الوطنية  والإستنارة ، وذلك يتصل ضمناً  بتحقيق مستويات من التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، تتحقق عبرها ممارسة حقّ تقرير المصير، إتحادا أو انفصالاً، بكلّ نزاهةوشفافية ووضوح رؤية. غير أن غياب هذه الإشتراطات، سيفضي إلى  نشوء كيانات سياسية تنقصها مقوّمات  الدولة السويّة الرّاشدة، وتفتقر إلى  قدرات التحكّم في مواردها الاقتصادية  وعلى  إدارة أحوالها السياسية  بفعالية،  تؤمّن دورها الايجابي تجاه شعوبها، وأيضا  تجاه محيطها الإقليمي والدولي.

      في التحوّلات الجارية في معظم بلدان الشرق الأوسط ، نلاحظ أن سياسات مريبة  تحاك بعيداً عن شعوب هذا الإقليم ، تتولّاها مراكز بحوث  ودوائر استخبارات ، موزّعة في أنحاء "العالم الأول"، تستهدف تحقيق  أجنداتها وخياراتها، ولا تأبه لخيارات شعوب تلك المنطقة.

(4)

      أوضح ما نرى من مناورات خطط التجزئة ، أنها تسير على خطوط  اختلافات المذاهب، وتباينات الطوائف  وتقاطعات الإثنيات ، وكلها تشكّل معطيات تتعامل معها أطراف قوية ومتحدة في المجتمع الدولي ، قصد اقتسام النفوذ بين تلك القوى، وتعزيز الهيمنة على مقدّرات تلك الشعوب  المستضعفة.

      إن سيناريوهات التجزئة  ليست شائعات ترسل في الفضائيات ، ولا هي تنبؤات مراكز استخباراتية، أو تخرّسات منجّمين، بل هي  طبخٌ على نارٍ ليست هادئة، لكياناتٍ سياسية تنشأ هنا وهناك، على امتداد الشرق الأوسط، من غربه الآسيوي إلى مغربه ، عبر إشعال فتن الاختلافات المذهبية والطائفية . لن تسلم في مثل تلك المغامرات، البلدان الهشة التي  ستتشظى أحوالها الداخلية ، مثل لبنان، فيما يتواصل انهيار الأحوال في سوريا، وفي أطراف العراق وفي ليبيا ، وجميعها عرضة لتشظٍ  وشيك عبر استقطابات  مذهبية مهلكة. .

نشر  بتصرّف عن "الوطن" القطرية – 26 فبراير 2016