عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   أقرب إلى القلب :

 

 

(  1  )

           ذات جمعة ما أواسط عام 1976 ، وأنا سكرتير ثالث أتعلم في أول درجات المهنة ، واجهت موقفاً صعباً ، وكان عليّ أن أعد تقريراً سريعاً عن التغيير الذي وقع بعد انقلاب عسكري في نيجيريا ظهيرة ذلك اليوم . كنت الدبلوماسي المناوب نهار تلك الجمعة . بقيت مع ضابط اللاسلكي في رئاسة الوزارة ، نتسقط الأنباء والتطورات ، ونستجمع مع دبلوماسيينا في العاصمة لاغوس ، ما نثري به تقريرنا الذي ينتظره وكيل الوزارة ، والمتبع أن يبعث به ممهوراً بتوقيعه إلى القصر . لم يصل خبر الانقلاب إلى الاذاعات بعد ، والدنيا لم تعرف الفضائيات ولا وسائط الاتصال التي نعرفها الآن. أنجزنا المهمة التي استبقتنا بمبنى الوزارة في مقرها القديم بعمارة جلاتلي، إلى ما بعد الرابعة عصر ذلك اليوم . جاءني المستشار وقتها ، أحمد يوسف التني ، يسألني إن كنت أجيد اللغة الفرنسية . فهمت منه أن ثمة وظيفة مطلوبة في إحدى سفاراتنا الفرانكفونية ، وأن الوكيل – بعد مهمتي التي أنجزت – "وضع عينه" علي، وأن البعثة المعنية تحتاج عاجلاً لقدرات معينة ، رأى الوكيل أنها قد تناسبني . بالطبع لم أكن لأكذب ، فأنا لا أجيد الفرنسية . لكن انطبع في ذهني بعدها كيف يقدر الرؤساء أداء مرؤسيهم بتجرد وموضوعية . ذلك الوكيل كان محمد ميرغني مبارك ، نزلت عليه شآبيب الرحمة مدرارا . ليت صديقنا العزيز السفير (م)أحمد التني ، وهو في مقامه في قطر، يتذكر بعض هذه التفاصيل ، وذلك الفتى الدبلوماسي الناحل الذي سلمه تقرير إنقلاب نيجيريا لوكيل الوزارة في تلك الجمعة البعيدة . أجل ، كان ذلك الوكيل هو عينه محمد ميرغني ، الذي اشتهر أكثر بعسفه وشططه الإداري ، وبملاحقة السفراء والدبلوماسين في الانضباط في الحضور ، وفي إغلاق بوابات الوزارة ، وفي "تنفيس" الإطارات لمن تسول له نفسه الأمارة بالتسيب ايقاف سيارته في المكان المخصص لسيارة الوكيل أو الوزير.  لكن الشطط الاداري شيء ، وحسن التقييم وتقدير أداء مرؤسيه شيء آخر . تلك محمدة للرجل  يجب أن تقال .

(  2  ) 

        دعني أدلف معك ، أيها الصديق ، إلى مثل ينبغي التمعن في عبره .    كان حظي أن أكلف بمهمتي الدبلوماسية الأولى في يوغندا . صادف ذلك استضافة السودان رئاسته القمة الأفريقية الخامسة عشرة في الخرطوم ورئاسة الرئيس الأسبق نميري لها . كان جل سفراء الخارجية في السبعينات ، هم من الجيل الثاني ، حملوا راية الدبلوماسية عن جيل سبقهم وحملها مع راية الاستقلال . وقع عبء إدارة واستضافة القمة الافريقية في عام1978 على هؤلاء وأبلوا البلاء المرضي، برغم تذمر كثير من الأفارقة من عاصمتنا الخرطوم ، لخلوها من مبهجات الليل وملهياته، وقد تعودوا على ذلك في العديد من عواصم القارة . في الخرطوم ،لا حانات ،لا علب ليل ولا خمارات !           عماليق السفراء السودانيين في القارة الأفريقية، كانوا حاضرين في العاصمة . قادة القارة وقتذاك ، رؤساء ومسئولون  كبار في المقام ، لا تجرؤ دولة ، صغرت أم كبرت ، أن تدسّ بين ملفاتهم تحريضاً أو تبتزهم بجريرة أو تملي عليهم الإملاءات  كتلك رأيناها على ثاني قمة أفريقية استضافتها الخرطوم في عام 2006 . لا تسلني – على أمر بازرعة في غناء عثمان حسين – فقد كنت ذلك الناطق الرسمي باسم وزارتي آنذاك ، وأعرف عجباً عجابا . تلك قصة لم يحن بعد أن يُحكى عنها .            المثل الذي وددت أن أتناوله يتصل بالخلاف بين تنزانيا ويوغندا وقد وقع إبان رئاسة السودان للقمة الخامسة عشرة . كنا في كمبالا بلا سفير معتمد ، أما دار السلام فهناك السفير عثمان السمحوني . والسمحوني لمن لا يعرف ، هو في حنكته الدبلوماسية ومثابرته على الشئون الإفريقية ، يماثل "نصر الدين جكسا" في ساحات الكرة الإفريقية. جكسا ، كما يعلم الناس ،هو أسطورة الكرة السودانية والأفريقية التي لم تتكرر. ليس للسمحوني من يماثله من بين السفراء الكبار في سفاراتنا الأفريقية في تلكم السنوات ، ومع ذلك تجده "هلالابياً " راكزاً نشطا. وقعت الحرب بين يوغندا وتنزانيا عام 1978 . نصيحتنا ، لم تجد الأذن الصاغية . السمحوني في دار السلام، أنجز مهمته وقدّر أين تقع مصالح السودان في النزاع . من كمبالا أعد السكرتير الثاني- ذلك الفتى الناحل - سيناريوهات وخيارات للتعامل مع القيادات اليوغندية التي قد تلجأ إلى السودان ، فيما إذا انهار النظام ، أو وضعت  الحرب أوزارها . الذي أعرفه أن تلك الدراسة وجدت طريقها إلى القصر ، وجرى تضمينها مع دراسات أخرى من أجهزة فنية وعسكرية وصيغت سياسات راشدة على ضوئها وتم تنفيذها . مال السودان إلى تأييد كفة تنزانيا في النزاع ، ولم تفلح تقارير بعثتنا في كمبالا في اقناع أحد ، أن ذلك الجنرال الذي يحكم كمبالا ، بريء براءة الذئب مما يحاك ضده . لن يصدقنا أحد والعالم كله ، من مجلس اللوردات في لندن إلى الكونجرس الأمريكي ، قد أحكم الرأي أن مصاص الدماء وآكل لحوم البشر ، وساقي ضيوفه من دم ضحاياه ، ومطعم تماسيح البحيرات بأجساد معارضيه ، لا يصلح رئيسا         ليوغندا .البروفسور مزروعي كان في ذمرة من حرضوا في الكونجرس وهيأوا السيناريوهات لحكم بديل في كمبالا . سقط الجنرال عيدي أمين وزال  حكمه .        سمعت بعد سنوات طويلة ، ومن بعض سودانيين أنهم رأوه في محلات تجارية في مدينة جدة ، يتبضع مثل غيره من الناس ، متواضعا ، يقيم في قصر صغير منحه إياه ملك السعودية ، ولم يكن –بالطبع - في مأكولاته لحوم بشر ولا كؤوس دماء . كان الذي حدث له عبرة لمن تحدثه نفسه مناطحة الكبار . كم يحاك لنا الآن ما يحاك . . !         من ناحية أخرى ، رأيت السفير الكبير السمحوني وقد أبلى في أدائه من دار السلام ، بما أسهم في اتخاذ قرار السودان بإعارة أذن صماء – كما يعبرون- لتوسلات الجنرال الذي خنقه الحصار . ثم جاء من بعد ، موسيفيني ولا داعي لإكمال الرواية ، فروايتي  قيد الطبع وتدور أحداثها على خلفية هذه المرحلة . وزارة الخارجية وبعثاتها بالخارج ، لو أحسن أمرها ، فإنها تسهم بقدر في صياغة السيناريوهات ورسم خرائط الطريق ، بما يعين سياستنا الخارجية ويضيء مساراتها بأفضل مما تفعل الآن .          علمت فيما بعد أن السفير عثمان السمحوني ، ذلك الكبير ،  شغل نفسه في مزرعته - أو هي منفاه الاختياري- بين الخضر والموز في كسلا ، بعد أن تخلت عنه وزارة الخارجية عام 1990. واحسرتا على خبير في الشئون الأفريقية تناسيناه وحاجة السودان لمقدراته ومواهبه أشد.         لا أرى أن مثل هذه المهام التي أوجزت مثلا عنها ، مما يجمل إختصارا ضمن مهام "السكرتارية" المحضة . هذا أيضاً عسف في التقييم ، أيها الصديق ، يماثل عسف الإدارة عند مبارك !

 

(  3  )    

 

      أنظر حولي لأرى سفارات للسودان في الخارج يمتدحها رئيس الدولة كونها رأس الرمح وخط الدفاع الأول عنها ويحيطها باهتمامه ورعايته . ليست البعثة مكانا يجتمع فيه بأناقتهم ، رجال ونساء يرتادون الحفلات ويغرقون في السهرات السياسية والاجتماعية . كلا ، إذ ليست الصورة على هذا النحو ، كما قد يتبادر إلى الذهن . السفارة - ليعرف الناس- هي مكان تمثل فيه أجهزة الدولة بكاملها . للقوات المسلحة ولأجهزة الأمن ولوزارة التجارة ولوزارة التعليم ولوزارة الداخلية وغيرهم من بعض الوزارات والإدارات ، ممثلون يقومون بواجب تمثيل بلادهم ، باشراف من سفيرٍ يدير بعثته الدبلوماسية وينسق أنشطتها ويسيّرها وفق اتفاقيات وأعراف دولية ولوائح وضوابط ترعاها وزارة الخارجية ، تتبع وتحترم . هي تقاليد راسخة تمارسها جميع الدول وتشكل بطبيعتها التمثيلية ذلك الكيان الهلامي الذي نسميه المجتمع الدولي . وبهذا فإن وزارة الخارجية هي لصيقة الصلة برمز السيادة بحكم هذا التمثيل ، والذي يُعتمد برسالة من رئيس الدولة لرئيس الدولة المضيفة يحملها مبعوثه إليها . كثير من الدول الراشدة تختار من بين السفراء من تكلفهم بالوزارات ، وليس كما عندنا: يحال الوزراء إلى سفراء ، إذ الدبلوماسية مهنة تمتهن ولا يدلف إلى دهاليزها كل من هب ودب . تلك قصة طويلة  والجدال حولها متداول ومستمر . رؤيتي أن العالم الأول شيء وعالمنا شيء آخر والطريق طويل . "السيادية" لوزارة الخارجية ليست وجاهة إجتماعية حسبما أرى ، ولا ترفاً إدارياً ، ولا صوتا يعلو على صوت الآخرين في أجهزة الأمن أو الإقتصاد أو الإعلام ، بل هي صفة تتسق مع مهام التمثيل الخارجي المناط بهذه الوزارة . لا ينبغي أن نختزل المسألة في مطلب داخلي باعتماد معاملة لموظفي وزارة الخارجية في الخرطوم ، تماثل معاملة الدولة لموظفي القصر الرئاسي أو مجلس الوزراء أو ضباط الأمن أو القوات المسلحة . وذلك لم يحدث ، لا حديثاً ولا في سالف الأوان . أمرالمعاملة "السيادية" الذي تطلبه وزارة الخارجية ، لا يتجاوز الإعتماد المعنوي ، ولم يخرج عن ذلك طيلة متابعتي لأحوال الدبلوماسية السودانية في العقود الأخيرة . .     

    هذه خطرفة عنت لي وأنا أطالع الجزء الثاني من عرضك الشيق لكتاب السفير الصديق د. أحمد دياب ..

 

 لك المحبة والود المستدام.

 

 بيروت – 12/2/2009