أقرب إلى القلب:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(  1 )   
          في دفتر يومياتي خواطر أعود إليها بين الفينة والأخرى ، فأجد فيها دروسا وعبر، قد تعين في فهم ما قد يقع من حولي من أمور . أعجب كل العجب إذ أسمع أن الإدارة الأمريكية تصرّ على أن يتبوأ السودان موقعاً متقدماً في قائمة البلدان الرّاعية للإرهاب . نرهف السمع  للإدارات الأمريكية المتعاقبة ، علّها تقدّر ما قد طرأ في السودان من تغييرات برغم قصورها، وما تبدّل فيه من سياسات برغم نواقصها ، ولكن يظل الحال  كما هو . مع إدراكنا إن  أجنحة هذه الإدارات على تنوّع وتباين توجهاتها ، من دفاع، ودبلوماسية، ومخابرات ، وكونجرس ، ليست كلها على قلب "إدارة" واحدة ، لكن ما يترامى إلينا هو أن ثمة مبدأ ً توافقوا عليه ، وصارت له من معايير الثبات والرسوخ ، ما عرفناه عن "الماكارثية" في الماضي البعيد إبان عقود الحرب الباردة . ما صدق معنا يصدق على كوبا وايران، في مزاعم الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، فكأن هذه البلدان  كيانات صمّاء ، كتب الرّب عليها أن لا تتغير أحوالها أو تتبدل مجاميعها السياسية ، أو مواقفها  أو قياداتها .
        أتناول هذا الأسبوع ما عشته إبّان عملي السابق، ناطقا رسميا لوزارة الخارجية، قبل سسنوات خلتْ .كان السودان وكانت دبلوماسيته هدفاً ذات يوم لإرهاب القاعدة وإرهاب "الزرقاوي" شخصياً ، في بغداد ، ولم يشفع لنا عند الزرقاوي - وقد قُتل قبل سنوات قليلة- أننا ، وبالمعايير الأمريكية ، من بين زمرته المحسوبين: رعاة للإرهاب . . !
( 2 )
        في ظروف سياسية معينة ، قد تطرأ أحداث تتطلب من أيّ ناطقٍ رسمي أن يبادر ببثها على وجه عاجل ، ولا تنتظر أن تسأل عنها الفضائيات ، أو أن يلاحقها الصحفيون . هنا ينبغي أن يكون التصرّف سريعاً وفورياً . ثمة معلومة  تطرأ عاجلا ، وتضعها القنوات الفضائية كـ"خبر عاجل" أو في شريط " البريكينغ نيوز" ، كما قد تتابعون. وهكذا ، إذا توفرت للناطق الرسمي شبكة من الصلات النافذة إلى هذه الفضائيات ، فإنه يساهم في صناعة "الخبر العاجل" والسبق الإعلامي ويحيّره لصالح مواقفه وسياساته. ولقد كانت لي تجربة، تستحق أن نسلط ضوءاً عليها . .
        ما وقع في يوم الجمعة 30 ديسمبر 2006  لأفراد البعثة الدبلوماسية السودانية في بغداد ، يعطي مثلا حياً لما أود التنويه إليه، وأورد تفاصيله من دفتر يومياتي ، لا من مراجع مكتوبة أو شهادات شفاهية .
          تناهي إلى سمعي نبأ احتجاز خمسة أشخاص من العاملين بسفارتنا في بغداد، من طرف جماعة تسمي نفسها  "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين " ، وذلك  بعد أدائهم صلاة الجمعة وخروجهم من المسجد . تناقلت الفضائيات النبأ وثبت وقوعه. أسرعت إلى الوزارة لتقصي الحقيقة من الرسائل التي قد تكون وصلت للوزارة من سفارتنا هناك . القائم بالأعمال بالإنابة في سفارة السودان في بغداد، موجود في العاصمة الأردنية عمّان ، للدواعي الأمنية المعروفة . اتصل بي الصديق الإعلامي من مكتب قناة "الجزيرة" بالخرطوم ، ليتأكد من صدق الخبر . لم يجد عندي أكثر مما سمع  . لكن كنت منزعجا لأن هنالك تهديد بإعدام الرهائن السودانيين خلال يومين ، إن لم "تقطع" الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع العراق ، وعلى الوزارة أن تتصرف بالصورة التي تضمن سلامتهم . اتصلت على الفور بوزير الخارجية وقتذاك د.لام أكول ، الذي عاد من رحلة خارجية ، ولم يجد فسحة للراحة ، بل وجد أزمة احتجاز موظفي سفارته في بغداد ، في انتظاره . في اتصالي المباشر معه عبر هاتفه الجوال ، أسرّ إليّ أنه يوالي اتصالاته مع قيادة الدولة على أعلى مستوياتها . كانت توجيهات الوزير محددة وحاسمة وعلى ضوئها عملت على  صياغة  تصريحات  أزوّد بها عبر هاتفي الجوّال من يتصل  من  مراسلي الفضائيات ومذيعي الأخبار من الـ "بي بي سي" في لندن ، وإذاعة مونت كارلو، وإذاعة "سوا"، ومن أبو ظبي ، من دبي ، من القاهرة ، من الجزائر ، من المنامة ، من باريس.. وغيرها من المدن الإعلامية التي تشغلها أخبار النزاعات والإختطاف والحروبات الأهلية  والاسترهان .. كان عليّ باختصار كسب الساحة لصالحنا ، وإلى حين اتخاذ القرار الحاسم فيما يتصل بمطالبات الخاطفين.
      ( 3 )
            ظللت كناطق رسمي لوزارة الخارجية، أوالي تقديم تصريحاتي للفضائيات، بأن السودان يواصل اتصالاته مع الأصدقاء لاحتواء أزمة اختطاف دبلوماسييه وأخذهم رهائن في بغداد ، وأنه يواصل المساعي الرامية لاطلاق سراحهم في أسرع وقت . أما عن الإستجابة لمطالب الخاطفين ، فقد كنت أردّد على الدوام ، ومما بين يدي وما وافاني به وزير الخارجية من معلومات ، أننا لا نعرف هويات الخاطفين، ولسنا على اتصال بهم ، كما أن السودان لن يستجيب للإبتزاز، وناشدنا الخاطفين عبر أجهزة الإعلام والفضائيات المذكورة، العمل على فك أسر الرهائن الذين لا علاقة لهم بتطورات الأحداث في العراق . كان مطلوبا من الناطق الرسمي للوزارة أن يطلق المناشدة ، وأن يخاطب صوت العقل ليسود، ويطلق سراح الرهائن . كان ضرورياً أن يخرج الموقف الرسمي عبر صوت واحد ، وقد كان هو صوت الناطق الرسمي لوزارة الخارجية حتى لا تتعدد منابر التصريحات فيضيع الوقت في تضارب المواقف سدى. أنجزت كل ذلك بقدر من الرضا وفي ذات الوقت عملت على الإتصال بالقائم بأعمال سفارتنا بالانابة في العراق السفير ميرغني أبكر، والمقيم مؤقتاً في عمان ، والذي ظل يبذل جهده مع ماله من صلات مع القنوات الرسمية وغير الرسمية في بغداد، والتي تقدر مواقف السودان مع العراق، لبذل أقصى ما يمكن للعمل على اطلاق سراح الرهائن المختطفين.
         لما كنّا في عطلة أعياد الميلاد المجيد ورأس السنة ، فإنه لم يكن ممكناً التنسيق عبر الإدارات المعنية في الوزارة، وتواصل التنسيق بيني والوزير حينذاك ، دكتور لام أكول ، على مدار الساعة . لم تهدأ الاتصالات والهواتف بيننا، وكذا مع القائم بالأعمال المقيم مؤقتاً في  الأردن. .
        بعد الثامنة من مساء يوم السبت، والوقت يمضي ثقيلا مزعجا، والاسترهان يكمل يومه الأول، وصلتني مكالمة من الوزير أفادني فيها أن القيادة العليا توافق على التوصية بإغلاق سفارتنا، وسحب الدبلوماسيين من سفارتنا في بغداد، بسبب الظروف الأمنية . ذلك الرأي وتلك التوصية جاءت متوافقة مع رؤية الوزير في ذلك الظرف الدقيق، بإعلاء قيمة الإنسان وقيمة الحياة كأولوية قصوى، وأنه يمكن أن يعاد فتح السفارة، إذا جدّ ظرف مؤاتي . كان الوزير حريصاً كل الحرص على إعلان ذلك بصورة فورية ، وأن عليّ أن أقوم بذلك بصفتي الرسمية كناطقٍ مفوّض، وبوجهٍ عاجل،  ولكن – وهذا هو المهم - بما لا يعطي رسالة أو إيحاءاً،  بأنّ السودان رضخ للإبتزاز أوالتهديد . الأمر بدا واضحاً لي . اتصلتُ من هاتفي الجوّال على الفور برئاسة  قناة "الجزيرة" في الدوحة ، وهم يعرفون صوتي وصورتي ويحفظون ملفاً بإسمي في سجلاتهم الإعلامية كناطقٍ رسمي لوزارة الخارجية السودانية ، ونقلت إليهم قرار السودان سحب دبلوماسييه ، وإغلاق سفارته في بغداد ، مكرراً المناشدة ، بأن يتم إطلاق سراح الرهائن الأبرياء .
        كنت دقيقاً في التصريح الذي أدليت به لفضائية "الجزيرة" ، ولم أورد فيه ما يشير إلى أن ذلك القرار يعني " قطع العلاقات الدبلوماسية " . قلت للصديق الإعلامي في قناة "الجزيرة" ، أنّ عليهم إبراز التصريح كـ"خبر عاجل"  كسباً للوقت ، وحتى نضمن التفات الخاطفين إليه فيتم إطلاق سراح الرهائن، ونحن نتحرك تحت مهلة زمنية ضيقة ومحرجة  . بالفعل عرضتْ قناة "الجزيرة" ، بعد أقل من نصف ساعة ، "الخبر العاجل" . لقد كانت قناة "الجزيرة" في الدوحة وبمهنيتها العالية، على مستوى خطورة الحدث ومستوى المعالجة ، ولقد أسديت لهم الشكر الواجب بعد ذلك. وبعد أن بثت "الجزيرة" الخبر العاجل  ، فقد تناقلته عنها وكالات الأنباء والفضائيات في تلك الليلة ، ووصل أسماع الخاطفين بالطبع . قمت على الفور بابلاغ القائم بالأعمال السوداني - الموجود مؤقتاً في عمان – بتفاصيل القرار، ورجوته  أن يتابع ويفيدنا بردود الفعل من طرف الخاطفين في بغداد.
       كنا نريد أن نسمع شيئاً ايجابياً منهم ، فيما نحن في ظلام كامل ولا نعرف لهم هوية ولا اتصالا. .
   ( 4 )
            العطلة لم تساعدنا لمتابعة رد الفعل بصورة سريعة ، ولكن اتصل بنا القائم بأعمال في سفارتنا في بغداد من مكان إقامته المؤقتة  في عمان ، وأفاد بأنه علم أن الخاطفين أعلنوا أنهم سيطلقون سراح الرهائن ، وتم ذلك بالفعل، عصر يوم الإثنين 3 يناير 2006 . قد يكتب التاريخ يوما أن ذلك يعدّ نصراً لدبلوماسية السودان ، ويشهد التاريخ أن لوزير الخارجية يومذاك فضل انجازه. وفيما نحن نتنفس الصعداء بعد انجلاء الأزمة، أوردتْ بعض المواقع الإلكترونية وبينها موقع "العربية – نت"  ، تصريحاً  بتاريخ 4 يناير 2006 ،على لسان أحد المساعدين الرئاسيين ، جاء  فيه : " أن حكومته تشكر خاطفي الرهائن السودانيين ، الذين أوفوا بوعدهم وأفرجوا عن رهائنهم بعد إغلاق السودان سفارته في بغداد ، وسحب بعثته الدبلوماسية من هناك .. " ، ووضع الموقع الإلكتروني عنوانا مضللاً للتصريح مفاده  :
" أنّ الخرطوم أشادت بوفاء "تنظيم القاعدة فى بلاد الرافدين" بزعامة أبي مصعب الزرقاوي، اثر إفراجه عن خمسة سودانيين . . !"
          يلاحظ المستمع الحصيف تلك الدّقة التي اتبعناها في صياغة تصريح الناطق الرسمي حول الموضوع ، وتلك كانت رؤية وزارة الخارجية ، إذ أن الوزارة قصدت أن تعلن عن "إغلاق السفارة" ، لا عن "قطع العلاقات" ، وبين الإثنين بون شاسع من الإختلاف . غير أن تصريح "المسئول الرفيع" الذي بثته بعض الفضائيات،  أعطى رسالة هي عكس ما رمت إليه وزارة الخارجية ، فجرى استغلالها من طرف فضائية عربية معينة ، وقد كانت تتوجّس مما كان يسمى بـ "المقاومة في العراق" ، وتصفها دائما بأنها "إرهابية" ، وذات صلات بالقاعدة و"بن لادن" ، فأوحت لمشاهديها، بأن الشكر الذي عبرت عنه الحكومة السودانية ، يأتي وكأنه من "صديق" لـ "صديق". . !
          بعض المواقع الإلكترونية علقت من زاوية مختلفة ، أن السودان خدع الخاطفين ، فهو لم يقطع العلاقات الدبلوماسية ، بل أغلق سفارته مؤقتاً . في كل ذلك ينبغي أن يذهب الشكر لمن بذل جهداً مضنياً للوصول إلى هذه النتيجة . ثمة أصدقاء بالطبع ساهموا في هذا الجهد الكبير ، مما لا يمكن الحديث عنهم علانية، على الأقل في تلك الأيام الساخنة التي شهدت هذه التطــــــورات . .
( 5 )
         من المهم إبراز الدروس المستقاة في معالجة مثل هذه التجربة الإعلامية التي نقلتها لك عزيزي القاريء، من دفاتري ويومياتي .
أولها : أنه  من المهم أن يحتفظ الناطق الرسمي، أيّ ناطق رسمي مفوّض بالحديث والتصريح عن أمر سياسي أو فني،  بشبكة حيّة ونشطة من العلاقات الشخصية ، مع كل أجهزة الإعلامية من فضائيات وقنوات أرضية وإذاعات ووكالات أنباء ، وشبكة الإنترنت ثم الصحافة والوكالات العالمية، التي استصحبت المعينات لتي وفرتها ثورة الاتصال . في المثال الذي عرضته هنا  عن  صناعة "الخبر العاجل"  في مسألة الرهائن السودانيين في بغداد عام 2006، تتضح أهمية وجود مثل هذه الشبكة من العلاقات الشخصية والمهنية، إذ يمكن عبرها صناعة الخبر بما يساعد في تحقيق الهدف المطلوب .
     ثانيها:    لقد كان جلياً في  حالة هؤلاء الرهائن الذين  تم احتجازهم في بغداد عام 2006 ، بأن أحتمال تعرضهم لمكروه كان وارداً  ، حال انقضاء المهلة الزمنية المحددة للإستجابة لمطالب الخاطفين، وهي فترة 48 ساعة مهددين بعدها باغتيال المخطوفين ، إن لم يصدر قرار الحكومة السودانية بإغلاق بعثتها الدبلوماسية في بغداد . كان ضرورياً أن يسرع  الناطق الرسمي بإرسال التصريح المتعلق بذلك، عبر قناة  مطروقة وحاضرة ومشاهدة على أوسع نطاق، مثل قناة "الجزيرة" . بين صدور  القرار وبين لحظة بثه ، كان الفارق الزمني أقل من ساعة واحدة . فيما لو اقتصرت معالجة مثل هذا الخبر عبر الفضائيات والقنوات المحلية ، فإنه قد لا يضمن أن يخرج بالفعالية المطلوبة في مثل هذه الظروف . كان ضروريا التنبه في التعامل الإعلامي ، بين تصريح يصدر للقنوات الأرضية أوالصحافة المحلية ، وذلك التصريح الذي يصدر للقنوات الفضائية الأجنبية، ووكالات الأنباء العالمية الواسعة الإنتشار. تتفاوت اللغة واللهجة والتعابير والأسلوب ، بين التصريح في كلتا الحالتين ، حسب نوعية الطرف الذي تستهدفه الرسالة .
        يظل عنصر الوقت ذلك العنصر الهام والمصيري في كثير من المعارك الإعلامية، التي ينبغي الولوج إلى ساحاتها باقتدار، فلا تتقافز الكرة بين وسائل إعلام من فضائيات وإذاعات وصحف تتداولها فيما يخفت صوت صاحب الشأن . .
               الساحة الإعلامية المحتدمة هي ساحة للنزال المستمر ، وينبغي أن يكون                    للدبلوماسية العامة ، ذلك الصوت الحاضر والمؤثر والسبّاق ، صوت الناطق الرسمي المعبّر عن الموقف الرسمي بدقة وبعناية . . ولعل الانطباعات الإعلامية السالبة والتي أسهمت في رسم الصورة الشائهة للبلاد وعلى مدى عقود ، هي التي تعلف من ضعف استجاباتنا لما يتصل بشئون البلاد ، وتستغل سكوتنا غير المبرر لما يثار من غبار ، فنسقط في آخر المطاف في مصيدة التقييم الظالم ، فيحمّل السودان تهمة وهو في الحقيقة ضحية . لعل ما أثارته منظمة العفو الدولية هذه الأيام، من مناشدة لحماية حريات التعبير في السودان، يكسب مصداقية أكبر لو تبنته الإدارة الأمريكية والتي لها مبعوث نشط ويعرف تفاصيل ملفاته ، وذلك عوض أن تنظر هذه الإدارة ، بعينٍ عمياء من رمدٍ  فتثبت إسم السودان في قائمة رعاية الإرهاب الدولي، ولا صلة للسودان به من قريب أو بعيد . .


الخرطوم- أغسطس 2010