أقربُ إلى القلبِ:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
( 1 )
فيما نحنُ على انشغالٍ بمعضلة بقاء الوطن سالماً أم منشطراً، بعد استفتاء يناير عام 2011، ثم كيف تكون مئآلات الحال في التاريخ والجغرافيا بعد ذلك ، فإنّ لكلٍ منّا جانباً يليه في مسئولية  المصـير القــادم . هاهي مؤسسات المجتمع المدني، هيئات وأحزاب ومؤسسات ، تشحذ همّة منسوبيها . تستفتي أقدارها ، أيّ طريقٍ تسلك ، فيما يقترب الوطن من ساعة المصير. تمور الساحة بأنشطة تفاعلية في مراكز البحوث والدراسات ، تتعاصف الأفكار وتتلاقح ، بحثاً عن مدخلات يؤمّل أن تفضي إلى مخرجات ، تحفظ الوطنَ سالماً متماسكاً .
في خضم هذا التعاصف ، وهذا الانشغال ، لا نكاد نتذكر أن للأجهزة التنفيذية في الدولة، دوراً  مطلوباً  باتجاه تماسك الوطن .  وإني لأحمد للرئاسة تحركها باتجاه صون الوحدة ، لا بالنوايا وحدها،  فهي عند البعض سرابُ الظاميء لا ماؤه، ولكن بالأفعال يكون قَطْرُ سحابِ الوحدة رذاذاً رحيما . لسنا بصدد إنفاذ خططٍ طويلة المدى ، تستنفد وقتاً وجهدا ، والحاجة أشدّ ما تكون إليهما، ولكن في المستقبل المنظور ، بل وقبيل ساعة الصفر في يناير القادم ، يمكن لبرامج جاذبة قابلة للتنفيذ على المدى القصير، من أن تقرّب الواطن إلى المواطن في جنوب البلاد فتحضّه على التمسّك بالوطن واحداً متحدا. ولنا في الحقيقة، أن نسأل "حكومة الوحدة الوطنية" ، التي رآها الكثيرون ذلك الخلّ الوفي أو عنقاء مغرب ِ، محض صناعة من صناعات الوهم . لنا أن نفصح بالسؤال فيما إذا استوفت هذه الحكومة واجباتها ، أو استنجزت ما أنيط بها  في زمانها المضروب منذ يناير2005 ، من تكليفات وواجبات. كنا فرحين بـ"حكومة الوحدة الوطنية" ، ولكن الرؤية الصادقة تؤكد أن التعبير نفسه اندثرَ وضيّعته قواميسُ الطرفين اللّذين وقعا وثائق نيفاشا، بل ظللنا نسمع وحبر التوقيع لم يجف، عن"حكومة الانقاذ"،  تعبيراً بديلاً  يتمسّك به طرفٌ دون طرف، يأبى أن يرى أبعدَ مِمَا رأى، في أمسية بعيدة في عام 89، من القرن الماضي .
( 2 )
لن أضرب الأمثال البعيدة ، وأنا محدود التجربة ، قصير النفس ، ولست أنا ذلك الممسك بتفاصيل الأمور، إذ لا تعدو كتابتي أن تكون محض خواطر طرقتْ أبواب النفس الأمّارة بالسّياسة، وألحّت عليّ إلحاحاً لتخرج إليكم ، عسى أن  تجد أذناً ترهف السّمعَ، أو عيناً تقرأ بإمعان. عرفتُ وزارة الخارجية ، معرفة تراكمتْ فيها وعبرها، تجربتي في الدبلوماسية ، وإني لأحسن الظنّ بأنّها من الوزارات التي يقع عليها عبء كبير في جعل  ما تمّ الاتفاق حوله في نيفاشا، ووقّع عليه الطرفان في نيروبي  يناير 2005 ، واقعاً ملموساً ومثالاً صادقا. 
لوزارة الخارجية السودانية تاريخٌ راسخٌ في دائرة الانتماء الأفريقي . لم تكن الوزارة ، ومنذ إنشائها في عام 1956 ، بعيدة عن هموم القارة الأفريقية، ولقد لعبت دوراً بارزاً في نيل العديد من البلدان الأفريقية حظّها في الاستقلال . ولعل في نيل أكبر قطر أفريقي يتوسّط قلب القارة ، وتحيط به جُملة من البلدان في القارة، رازحة في ربقة الإستعمار ، ما شكّل دعماً معنوياً لاهباً أذكى الهمم الأفريقية ، خاصة بعد تنامي الشعور الوطني الذي انتظم العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، وما تبعَ ذلك من إقرارٍ ألزم العالم بميثاقٍ، صاغته الرزانة قبل الرصانة، يدعو لاحترام حقوق الانسان ، بما في ذلك حقّه في العيش الكريم، فنالت أغلب هذه البلدان في القارة الأفريقية استقلالها بعد السودان . لم تقف الموجة عند القارة الإفريقية،  بل اجتاحت العالم  جميعه.
السودان كما نعلم، من البلدان المؤسسة لمنظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي، لاحقاً ) في عام 1963. برغم ما نال السودان من استهداف لدوره  في القارة الفريقية ، جراء نعت أطلقه بعض زعماء القارة ذلك الزمان، يصفون السّودان بأنه "رجل افريقيا المريض"، فقد ظلّ في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي يلعب، وعبر وزارتي الخارجية والدفاع تحديداً، دوراً حاسماً في دعم حركات التحرر في القارة الأفريقية، وترك ذلك الدور آثاراً ايجابية،  حسّنت من صورة السودان في مخيّلة بلدان شقيقة، مثل يوغندا والكونغو وكينيا وزيمبابوي وتشاد واثيوبيا واريتريا . ما أصدق شواهد التاريخ، إن رأيتم معي كيف كان السودان، فاعلاً وايجابياً، بعبقرية موقعه الجغرافي، وسطوع تاريخه منذ تهراقا.

( 3 )
شواهدُ التاريخ القريب، تُحدّث عن زعيمٍ يوغندي تحقق استقلال بلاده على يديه ، ثم بعد سنوات قليلة اطاح به جيشه في انقلاب أبيض، فلجأ الرجل إلى الخرطوم. ذلكم هو "ملتون أوبوتي" والانقلاب وقع في عام 1971 ،وقد انقلب عليه قائد جيشه عيدي أمين . ثم تدور عجلة التاريخ، وينعزل الجنرال أمين في ركن قصيّ، فلا يجد عوناً إلا من طرف ليبيا ، أما الخرطوم فقد حفيتْ أقدام رجاله،  جيئة وذهاباً من عنتبي وإليها . أدركوا أن سند الخرطوم هو ضمان البقاء ، غير أن النميري ضنّ به وقتذاك، فسقط الجنرال وانتهى في مكة : "عمرة وزوغة" ، على مزاعم السودانيين في مهاجرهم بالسعودية  . 
شواهد التاريخ تُحدّث عن انجمينا . لا يسقط رئيسٌ فيها ولا يثبت في كرسيّه، إلا وللخرطوم يد مباشرة، أو ذراع غير مباشرة . حدّث عن تمبلباي وعن عويدي وعن هبري ، وقل عمن بعدهم،  يُنبؤكَ الحالُ أكثر.
تُحدّث شواهد التاريخ عن مانديلا . قبل أن يُدفعَ به إلى محبسه الطويل ، جاء زائراً إلى الخرطوم ، فهي ملاذ للمناضلين ، فتمنحه الخرطوم جوازاً دبلوماسياً، وكان النظام العنصري قد حجب عنه وثائق سفر التي  تعينه على السّفر ليروّج لقضية شعبه العادلة. هي الدبلوماسية السودانية الفتيّة ، تستوصي بالنضال في القارة ، لا تسأل  من بعد جزاءاً أو شكورا . فيما طاف الأيقونة أنحاء القارة الأفريقية، عاصمة بعد عاصمة ، تعمّد تجاوز الخرطوم في خارطة جولاته .  أهو جرب السياسة يا ترى، أم هو نكران الجميل وذلك لا يعرف عن مانديلا ؟ غير أني أرى في جهاد "مبيكي" معنا، رداً للجميل القديم، والرّجل يُدرك كيف كان السودان رقماً في القارة، لا يجوز تجاوزه ولا تجاهله.
شواهد التاريخ في أفريقيا  تُحدّث عن أحمَال السلاحِ الخفيف ، وحمير وزارة الدفاع السودانية، تذهب إلى أنجولا وإلى زيمبابوي. أوصتْ الدبلوماسية السّودانية بالدعم اللامحدود ، فكان دعماً تمثّل بشراً وسلاحاً، وأيضاً حيواناً مروّضاً على النضال. سمعنا فيما روى دبلوماسيو وزارة الخارجية آنذاك، عن عمليات جراحية استأصلت من الحمير ما أسكتَ نهيقها ، فلا تدلّ على معسكرات النضال في أحـراش القارة !
وفوق ذلك، شواهد التاريخ تحفظ للدبلوماسية السودانية مبادراتها الجريئة ، فتبنّت بشجاعة لافتة، إدانة سياسة الفصل العنصري في جنوب افريقيا . كان همنا أفريقياً وليس عربياً حصرا.
تقف شواهدُ التاريخ القريب ، تحدّث عن كيف استقلتْ اريتريا ، وكيف كان السودان سنداً لحركات التحرر الاريترية ، وكيف خالط الدّم السوداني الدم الإريتري في ملحمة افريقية ، شهدنا عرسها حين كان الاحتفال باستقلال إريتريا في الخرطوم وفي الجريف  تحديداً،  قبل أسمرا . .

( 4 )
حين كتب صديقي الأستاذ كمال الجزولي، في ورقته الناجزة والتي جاءت بعنوان : "حدود الفرصة الأخيرة لبقاء الدولة السودانية موحــدة "، وذلك في المؤتمر الثالث لاتحاد الكتاب السّودانيين ، نوفمبر من عام 2009، أشار الأستاذ كمال إلى نقاطٍ مهمّة تتصل بتوجّه السّودان بعد الاستقلال عربياً، وجرى ذلك بتجاهلٍ تام لواقعه وتنوّع مجتمعاته الافريقية.  كتب الأستاذ كمال الجزولي :
(( في الشأن الخارجي جرى استسهال المراهنة ، بعين البعد الواحد، على ادراج السودان بأسره تحت شعارات العروبة) و( القومية العربية) و (الوحدة العربية) وما إليها ، واعتبارذلك بمثابة الممكن التاريخي الوحيد المتاح لحلّ مشكلة الوحدة السودانية ، فإذا بمردوده العكسي الفاجع يتمثل في تحوّله، لدى الذّهن (الآخر) غير المستعرب ، في الجنوب بالأخصّ، إلى محض ترميزات ناجزة بنفسها للتيئيس من هذه (الوحدة) ، وحفز الميل ، شيئا فشيئا، لترجيح خيار (الانفصال)،))        
واستطرد كمال ليرى  أنّ  لهذا "الإستسهال" مقدمات فكرية، تجلّت في طروحات لمحمد أحمد محجوب، والنّخب التي تعاقبت على الحكم بعد الاستقلال . . ولأن ((الثقافات (الأخرى) لا تنسجم  والسياق بل وقد تتسبب في ارباكه ، فقد جرى اقصاؤها عملياً... ))..
لقد رأيت فيما كتب  الصديق كمال الجزولي،  تصغيراً لافتاً للدور الذي كان يلعبه السودان في الساحة الأفريقية، في العقدين اللذين تليا حصوله على الاستقلال . ولي هنا أمران رأيت من المستحسن النظر فيهما بعمق :
أولهما : علاقتنا بالجامعة العربية ، إذ اني رأيت في طرح الأستاذ كمال عن التوجّه العروبي، اختزالاً لفترات سعى فيها السودان ونخبه، لخلق توازن بين مستحقات الانتمائين العربي والأفريقي . لقد اتبع السودان سياسة أكثر واقعية، تلتْ فترة التوجّه نحو الجامعة العربية، (والتي أراها قراءة صحيحة لقوة التجمعات المتنامية، مقابل القوة القطرية المحدودة). فوق ذلك، فإن الجامعة العربية لم تكن تجمعاً للعرب بالتعريف العرقي أوالإثني، فالعروبة لن تكون إلاّ ثقافة ولسانا ، ولذا فإنكَ ترى المغرب وموريتانيا وتونس والجزائر وليبيا ومصر، بلداناً تقع في قلب الإنتماء الأفريقي، بل أن الجامعة العربية ، قيادتها ومقرّها، لم يخرجا من أرض القارة الأفريقية المستعربة . لم تبرز أية دعوة افتراضية لترحيل الجامعة العربية من أرض مصر الأفريقية، إلى الجزيرة العربية أو الخليج العربي ، على سبيل المثال.
ثاني الأمرين يتصل بدور وطبيعة وزارة الخارجية ودور دبلوماسيتها. لعلي أتفق، وإلى مسافة معتبرة، مع الأستاذ كمال كون الأجهزة التنفيذية، وبينها وزارة الخارجية ، ليس لها أن تقترح السياسات العليا والتوجّهات السّامية ، بل هي في الأصل وبطبيعة دورها، تقوم بتنفيذ السياسات، وتمارس التكتيك الايجابي في الدبلوماسية، وليس لها رسم الاستراتيجيات في السياسة، فإني أرى في ذلك الطرح، تقليلاً لما يمكن أن تقوم به الأجهزة التنفيذية من حسمٍ وجزمٍ ، أو من تقريبٍ أو إقصاء . .وأضرب مثلا بقصة إزاحة الرئيس الراحل النميري للراحل الوزير جمال محمد أحمد في أوائل السبعينات. حكاها السفير الأمين عبد اللطيف في كتابه :مشوار  دبلوماسي ، (الخرطوم -2005)، فجاء منه  أنّ جمال محمد أحمد، وقد كان وزيراً للخارجية،  تحت حكم نميري ، عبر عن رأيٍ للسودان ولوزارة الخارجية، بأسلوب بارعٍ في خطاب للسودان في الأمم المتحدة ، أشار إلى تناقض موقف السودان في الدعوة لتقرير المصير في زيمبابوي وجنوب افريقيا وبتسوانا، فيما ينكر هذا الحقّ على البوليساريو في النزاعِ الدائر في المغرب . ويرجّح السفير  الأمين أن ذلك قد يكون سبباً في إزاحة جمال عن المنصب بعد ذلك مباشرة..(اوائل السبعينات من القرن العشرين). لا تنفذ الدبلوماسية سياسات مقررة ، بل تسعى أيضاً للتأثير في صياغة هذه السياسات.

( 5 )
أختم حديثي مؤكداً، أنّ شواهد التاريخ التي عرضتها سريعاً هنا، قد تفصح جليّاً عن أدوارٍ علينا أن نستعيد دروسها وعبرها، فذلك كفيل بالهامنا لسبر طرقٍ واقتراحات شبيهة ، لن تعجز الدبلوماسية عن أن تطلّع بها في مقبل الأيّام ، والأوان المفصلي قادمٌ بأسرع مما نظن . إني لأسمع كثيرَ قولٍ عن تأثيرٍ سالبٍ على المنطقة التي يقف السّودان في قلبها، وحوله تسع من البلدان الإفريقية، سواراً يحيط بمعصمٍ دامٍ. كيف سيكون المئآل ونحن مَن ارتضينا أن نغمض عيناً على ما نصّتْ عليه المواثيق الإفريقية التليدة، ونحن من شاركنا بقوة في صياغتها قبل الجميع، فنبيح بعثرة وطننا وانشطاراته، عبر استفتاء لتقرير مصيرٍ مجزوء ، والقارة الافريقية ترمقنا واجفةً،  تتحسّس أطرافها ، أيُّها ينشطر قبلَ الآخر..



الخرطوم – 23 يوليو 2010